مشاهدة الموضوع الأصلي: آية الله الشيخ النجاتي ( القيامة الصغرى )
ديوان الثقافة » الدواوين العامة » الديوان الإسلامي
مكتب النجاتي
القيامة الصغرى .. ظهور المهدي

من العقائد القطعية في الإسلام، الإيمان بظهور المهدي المنتظر (عليه السلام) في آخر الزمان, وإنّ الله تعالى سيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجورا, وبه يتحقق آمال الأنبياء (عليهم السلام) من إقامة العدل والقسط بين الناس, وتوجه الناس كلهم إلى معرفة الله تعالى وطاعته, كما تتحقق بذلك آمال المستضعفين من البشرية في العدل والرخاء والمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات والامتيازات..

وقد اختصَّ أتباع أهل البيت (عليهم السلام) (الشيعة الاثنا عشرية) بالاعتقاد بخصوصيتين إضافيتين في المهدي :
1. أن الإمام المنتظر المهدي من ذرية الإمام الحسين , وهو ابن الإمام الحسن بن علي العسكري .
2. أن الإمام المهدي منذ ولد للإمام العسكري موجودٌ حيٌ يرزق إلى الآن.

وعقيدتهم في الإمام المهدي بتفاصيلها إنما أخذوها وتلقَّوها من أئمة أهل البيت اللذين ثقَّفوا شيعتهم بذلك, ثم انتقلت تلك العقيدة الصافية من الجيل الذي عاصر الأئمة إلى الجيل الحاضر, وذلك جيلاً بعد جيل, فعقيدة الشيعة في ذلك إنما أخذوها من النبع الصافي الذي شهد النبي بعصمته من خلال أحاديث كثيرة تواترت عنه , ومن أشهرها حديث الثقلين المتواتر المشهور الذي جعل فيه أهل البيت عِدْل القرآن في كونه مرجعاً للأمّة في كل ما يتصل بالشرع والاسلام ورسالة النبي محمد .

وممن نصَّ على ما نعتقد به في الإمام المهدي - بتفاصيله - من أقدم علمائنا وفقهائنا ومن أشهرهم: شيخ المحدثين, الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين المتوفي سنة (381هـ), وشخصيته غنيةٌ عن التعريف, وقد ألَّف الكثير من الكتب التي لا زال الكثير منها يحمل صفة المرجعية في فقه وفكر مدرسة أهل البيت .
ومن جملة كتبه الأساسية المرجعية كتابه: (من لا يحضره الفقيه) الذي يعتبر أحد الأصول الأساسية الأربعة في أحاديث أهل البيت , كما أنه الَّف كتاباً موسَّعا جمع فيه جانباً كبيراً من الأحاديث المتعلقة بالإمام المهدي , كما أوضح فيه الكثير من المفاهيم الاعتقادية المتعلقة بالإمام المهدي , وهو كتاب (كمال الدين وتمام النعمة).
وليس هو الوحيد الذي أوضح تفاصيل ما يعتقده أهل البيت في خصوص الإمام المهدي من كبار قدماء العلماء والفقهاء والمحدثين, وإنما ذكرناه نموذجا, لأن هذه كلمة موجزة في الموضوع.

قال (الشيخ الصدوق ره) شارحاً عقيدة مدرسة أهل البيت في المهدي :
(ويجب أن يعتقد أن الأرض لا تخلو من حجة الله على خلقه، ظاهرٌ مشهور, أو خائفٌ مغمور).
• ويعتقد أن حجة الله في أرضه وخليفته على عباده في زماننا، هذا هو القائم المنتظر ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
• وأنه هو الذي أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) به عن الله عزَّ وجل باسمه ونسبه.
• وأنه هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ( جوراً وظلما ).
• وأنه هو الذي يُظهر الله عزَّ وجل به دينه على الدين كله ولو كره المشركون.
• وأنه هو الذي يفتح الله عزَّ وجل على يديه مشارق الأرض ومغاربها حتى لا يبقى في الأرض مكانٌ إلا ينادي فيه بالأذان، ويكون الدين كله لله.
• وأنه هو المهدي الذي أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه إذا خرج نزل عيسى بن مريم (عليه السلام) فصلى خلفه، ويكون إذا صلى خلفه مصلياًً خلف (رسول الله) (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه خليفته.
• ويجب أن يعتقد أن لا يجوز أن يكون القائم غيره، بقي في غيبته ما بقي، (ولو بقي في غيبته عمر الدنيا) لم يكن القائم غيره، لأن النبي والأئمة (صلوات الله عليهم) باسمه ونسبه نصَّوا، وبه بشَّروا.(1)

القيامة الصغرى:
تلك العقيدة - وبعض الخصوصيات الأخرى التي ترتبط بعقيدتنا في المهدي , مما لم تذكر في كلام الشيخ الصدوق – تسمح لنا بأن نصف عصر ظهور الإمام المهدي بـ القيامة الصغرى, مما يكشف عن الأهمية البالغة لظهور دولة الإمام المهدي في تاريخ الإنسان ومصير البشرية, مما جعل منها قيامةً صغرى بالقياس الى القيامة الكبرى ويوم البعث والنشور.

وإنّما جاء هذا التوصيف محاولةً لشرح أهمية دولة المهدي وظهوره من خلال الاستعانة ببعض المفاهيم التي تحمل ايحاءات مهمة في الفكر الإسلامي خصوصاً والديني عموما, وتسليطاً للضوء ولفتاً للنظر إلى بعض الجوانب المهمة في العقيدة المهدوية, حتى يكون ذلك منبّهاً آخر لنا على أهمية الأمر, وضرورة الالتفات إلى واجباتنا في المسألة, ومعيناً لنا على قيامنا بمسؤليلتنا فيه.

الخصوصيات المشتركة:
عندما نتأمل في الأمر نجد أنّ هناك تشابهاً كبيراً بين خصوصيات يوم القيامة الكبرى الذي هو يوم البعث والنشور والعدل والحساب, وبين خصوصيات يوم الظهور ودولة الإمام المهدي .
غير أن استقصاء تلك الخصوصيات مما لا يتيسر الآن, ولكننا نشير إلى أربعٍ من الخصوصيات المشتركة المهمة:

الخصوصية الاولى: كما أن القيامة الكبرى ويوم البعث والنشور وقته غير معلوم, كذلك القيامة الصغرى ووقت ظهور المهدي , والسر في خفاء الوقت:
1. تربية الناس على إعداد النفس بشكلٍ مستمرٍ لمرحلة الظهور والقيامة في كل آنٍ وزمان, وذلك لكون حصولهما مباغتاً ليس لهما وقتاً معلوما, وهذا بخلاف ما إذا كان وقتهما معلوما, فإنّ هذا الغرض التربوي لن يحصل, ولو كان الوقت معلوماً لقست القلوب إذا علمت بعدم قرب الظهور.
2. بقاء شعلة الأمل وهَّاجةً في النفوس بقرب ظهور العدل, وهو (الأمل) يدفع بدوره نحو مزيدٍ من العمل لإصلاح النفس والمجتمع استعداداً لعصر الظهور.

والغرض من إعداد النفس: رعاية مزيدٍ من التقوى, وتهذيب النفس من الذنوب والمعاصي, والتقرب إلى الله تعالى بمزيدٍ من الطاعات والعبادات..
وقد نصَّتْ أحاديثٌ كثيرة على كون ظهور الإمام المهدي مباغتاً وفجأة, ونذكر هنا على سبيل المثال حديث دعبل بن علي الخزاعي يقول: أنشدت مولاي الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) قصيدتي التي أولها:
مدارس آياتٍ خلت من تلاوة ومنزل وحيٍ مقفر العرصات
فلما انتهيت إلى قولي:
خروج إمامٍ لا محالة خارج يقوم على اسم الله والبركـــــــات
يميز فينا كل حقٍ وبـــــاطل ويجزي على النعمــــاء والنقمات
بكى الرضا (عليه السلام) بكاءً شديدا، ثم رفع رأسه إليّ فقال لي:
(يا خزاعي, نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم) ؟
فقلت: لا, يا مولاي, إلا أني سمعت بخروج إمامٍ منكم يطهّر الأرض من الفساد, و يملأها عدلاً (كما ملئت جورا).
فقال: (يا دعبل, الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمدٍ ابنه علي، وبعد عليٍ ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله عزَّ وجلَّ ذلك اليوم حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جورا).
وأما (متى) فإخبارٌ عن الوقت، فقد حدثني أبي، عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك ؟
فقال (عليه السلام): مثله مثل الساعة التي (لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة)). (2)

وقد تسأل: إذاً كيف يمكن التوفيق بين كون ظهور الإمام المهدي بغتةً وبين ما لا شكَّ فيه من أن لظهور المهدي علاماتٍ تسبق ظهوره, إذ حينما يظهر الإمام بعد ظهور العلامات فلا يكون ظهوره مباغتاً لتوقع وعلم الناس حينئذٍ بقرب ظهوره قبل ظهوره, فكيف يكون ظهوره مباغتا ؟
والجواب: على هذا السؤال يحتاج إلى مقالٍ أوسع من هذا المقال, لكن تمكن الإشارة إلى نقطتين قد تساعدان على فهم الجواب:
أ. أننا إذا فرضنا أن الفترة الزمنية بين بدأ ظهور العلامات القطعية وبين ظهور المهدي قصيرة فالظهور يكون حينئذٍ في مثل ذلك فجأة ومباغتا, أي يمكننا أن نعتبر أن الظهور كان بغتة, لأن الفاصل إذا كان صغيراً فكأنَّ الظهور ابتدأ من حين بدء العلامات بالظهور, والمفروض أن المباغتة حاصلةٌ في ظهور العلامات.
وكون الفترة قصيرةً – بالشكل الذي ذكرناه – محتملٌ ووارد.
ب. إننا إذا فرضنا أن الفترة الزمنية بين بدأ ظهور العلامات القطعية وبين ظهور المهدي طويلةً – ولو نسبيا, بحيث يغفل معظم الناس عنها (العلامات) وينسونها – فالمباغتة حينئذٍ أيضاً ستكون حاصلة, والظهور يكون في مثل ذلك فجأة, وكون الفترة طويلةً نسبياً – بالشكل الذي ذكرناه – محتملٌ ووارد.

لكن النقطة الأولى أقرب إلى واقع أحاديث أهل البيت , حيث يظهر منها أن الفاصل بين بدء ظهور العلامات وبين خروجه لا يكون طويلا.

الخصوصية الثانية: كما أن لظهور المهدي علاماتٍ بمقتضى نصِّ أحاديث أهل البيت الكثيرة على ذلك, كذلك ليوم القيامة علامات, وقد عُبِّر عنها بـ (أشراط الساعة), بل إن نفس ظهور المهدي يُعتبر من أشراط الساعة.

الخصوصية الثالثة: كما أن يوم القيامة الكبرى والبعث والنشور هو يوم العدل بين العباد, كذلك القيامة الصغرى ووقت ظهور المهدي ودولته, فإنه سيملأ الأرض قسطاً وعدلا, كما نصَّتْ على ذلك احاديثُ كثيرةٌ جدّا.
ومن جملة ذلك حديث عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن خلفائي وأوصيائي، وحجج الله على الخلق بعدي اثنا عشر: أولهم أخي, وآخرهم وَلَدِي).
قيل: يا رسول الله ومن أخوك؟
قال: (علي بن أبي طالب).
قيل: فمن ولدك؟
قال: (المهدي, الذي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلما، والذي بعثني بالحق نبياً لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي, فينزل روح الله عيسى بن مريم, فيصلي خلفه, وتشرق الأرض بنوره, ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب).(3)
ولاحظ الحديث المتقدم في الخصوصية الاولى.

وكما لا يكون في يوم القيامة ظلمٌ من أحدٍ لأحد, كذلك في دولة المهدي , إذ هذا هو معنى مَلء الأرض قسطاً وعدلا, وإلا لو كان هناك شيءٌ من ظلم الناس بعضهم لبعض لما كانت الأرض مملوءةً قسطاً وعدلا.

الخصوصية الرابعة: كما أنّ في يوم القيامة الكبرى والبعث والنشور تزول الخلافات بين الناس, كذلك في القيامة الصغرى ووقت ظهور المهدي , حيث لا يختلف الناس في دينهم, فالدين واحدٌ هو الإسلام, والإمام والقائد واحدٌ هو الإمام المهدي .

وقد جاء في أدعية أهل البيت : (اللهم يا خالق السقف المرفوع .. أسألك بمحمدٍ رسولك المؤيَّد بالمعجزات، المبعوث بمحكم الآيات، و بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي اخترته لمؤاخاته ووصيته، واصطفيته لمصافاته ومصاهرته، وبصاحب الزمان المهدي الذي تجمع على طاعته الآراء المتفرقة, وتؤلِّف له الأهواء المختلفة، وتستخلص به حقوق أوليائك، وتنتقم به من شرار أعدائك, وتملأ به الأرض عدلاً وإحسانا، وتوسِّع على العباد بظهوره فضلاً وامتنانا، وتعيد الحق من مكانه عزيزاً حميدا، وترجع الدين على يديه غضَّاً جديدا، أن تصلي على محمدٍ وآل محمد، فقد استشفعت بهم إليك، وقدَّمتهم أمامي وبين يدي حوائجي، وأن توزعني شكر نعمتك في التوفيق لمعرفته، والهداية إلى طاعته، وأن تزيدني قوةً في التمسك بعصمته، والاقتداء بسنته، والكون في زمرته وشيعته، إنك سميع الدعاء برحمتك يا أرحم الراحمين). (4)

وهكذا ظهرت لنا بعض ملامح القيامة الصغرى التي نسأل الله تعالى التوفيق للتهيؤ لها, وأن يجعلنا مع أهلينا من الفائزين بالحضور فيها, وأن يعجل في فرج مولانا صاحب العصر والأمر , ويجعلنا من أنصاره وخُدَّامه وأعوانه.
حسين النجاتي
11 شعبان 1429 هـ
...........

المصادر:
1. كتاب الهداية للشيخ الصدوق 38 – 45.
2. كمال الدين وتمام النعمة, 372 – 373.
3. كمال الدين وتمام النعمة 280.
4. بحار الأنوار 83 , 355 – 356.


هاتف رقم: 340888 17 973 +
فاكس رقم: 342206 17 973 +
العنوان البريدي: ص.ب. 22466
المحرق - مملكة البحرين
البريد الإلكتروني: info@alnajati.org
الموقع الإلكتروني: www.alnajati.org
المدير العام: السيد صادق الشرخات

ساعات العمل:
من السبت إلى الخميس: من الساعة 8 صباحاً إلى 9 مساءاً يومياً

القيصر

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد

موضوع جميل جداً thumbup.gif




اسمحوا لي بنقل الموضوع لمنتدى ثاني لتعم الفائدة للجميع ؟؟


ongue.gif
لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ آية الله الشيخ النجاتي ( القيامة الصغرى ) - ديوان الثقافة