أصم وأبكم ..
لكنه فنان مبدع
أصيب بالصمم وهو في الرابعة من عمره بعد ان لطمته أمه بشدة على وجهه، مما اضطر أبوه إلى إرساله للدراسة في فرنسا، ثم عاد إلى الجزائر يحلم بالعمل والنجاح والحياة الأسرية المستقرة، وقد استطاع بالفعل تحقيق نجاح كبير في مجال العمل وصل به إلى ان اصبح صاحب عدة مشاريع، وفي المقابل لاحقه
الفشل المتكرر في حياته الخاصة بسبب اعاقته، فما كان منه إلا ان حملها معه وهو يجوب مختلف بلدان العالم الثالث من خلال عمله التطوعي للنهوض بمدارس الصم والبكم بها، إلى ان استقر في البحرين مع زوجته المفضلة والأقرب إلى قلبه، التي استمد اسمها إيمان من نور الإيمان الذى يملأ قلبها ويشع من قسمات وجهها، متمنيا ان يحصل على الجنسية البحرينية كي يستطيع إقامة مشروع يستطيع من خلاله نقل موهبته في كتابة الآيات القرآنية بالخط العربي إلى أبناء المملكة. «أخبار الخليج« التقت مصطفى بن يحيى، وزوجته إيمان وابنتهما صفا لمعرفة تفاصيل حياته، وكيف بدأت قصته مع هذه الهواية الروحانية التى نالت إعجاب كل من رآها، وكان الحوار التالي. حدثني عن طفولتك! ولدت في الجزائر لأسرة ميسورة الحال فقد كان أبى يمتلك عدة مصانع متخصصة في الأعمال الفنية اليدوية، إلى جانب عملي في التجارة وكانت أسرتي كبيرة العدد، فلدي خمسة أشقاء وشقيقتان، وقد ولدت طفلا طبيعيا متمتعا بكامل حواسي إلى ان فقدت السمع وأنا في الرابعة من عمري عندما لطمتني أمي على أذني بقوة، وعندما بلغت العاشرة من عمري أرسلني والدي إلى فرنسا كي أتعلم في إحدى مدارس الصم والبكم حيث ان هذا النوع من التعليم لم يكن متاحا بالجزائر في ذلك الوقت، وعدت بعد سبع سنوات إلى بلدي يملأني الأمل في مستقبل باسم وحياة مستقرة بعد ان حصلت على قدر وفير من العلم إلى جانب تعلمي لغة الإشارة، وقررت ان أبدأ حياتي العملية بإقامة عملي الخاص. وكيف بدأت؟ ومن أين أتيت برأس المال؟ بدأت بمشروع صغير حيث أعطاني والدي رأس مال متواضع، وبالفعل فتحت محلا لبيع بعض الأشياء الميكانيكية البسيطة، وبالصبر والمثابرة كبر المشروع إلى ان اصبح مؤسسة لبيع الرخام، ثم امتلكت مؤسسة لشحن البضائع، وبعد ان تيسر الحال أبدى والداي رغبتهما في ان أتزوج كي أستقر في حياتي العائلية كما استقرت حياتي العملية. زوجات بالجملة إذًا فأيمان ليست الزوجة الأولى؟ إيمان مسك الختام، وقد سبقتها خمس زوجات، لاحقني مع أربع منهن سوء الحظ، الزوجة الأولى كانت من اختيار أهلي، وقد أنجبت منها طفلا، وللأسف لم يستمر زواجنا طويلا حيث بدأت المشاكل بسبب الملل لانعدام لغة التفاهم بيننا، وطلقتها بعد ان أخذت ابني، وقررت الزواج للمرة الثانية من اجله، ولكن للأسف بعد ان رزقني الله بطفل آخر انتهينا أيضا إلى الطلاق، واحتفظت بابني أيضا، ثم تزوجت للمرة الثالثة من امرأة فاضلة وشعرت ان حياتي استقرت وأنني تصالحت مع القدر، وقد استمرت حياتنا فترة في هدوء وأنجبت منها خمسة أبناء، واصبح لدينا سبعة أطفال كانت ترعاهم جميعا بما يرضي الله من دون تفرقة، إلى ان طلبت الطلاق ولنفس الأسباب، مما أصابني بصدمة لم أستطع معها تحمل وجودي في الجزائر التى أصبحت تقترن في نفسيتي بالفشل المتكرر وفضلت الهرب إلى فرنسا. مليون فرنك وماذا عن أبنائك ومشاريعك التجارية هناك؟ وكلت بعض من أثق فيهم كي يقوموا بإدارة أعمالي اثناء سفري، وتركت الأولاد جميعا في رعاية طليقتي الثالثة، وفي فرنسا فتحت محلين لبيع اللحوم، وتطوعت للعمل في مركز الصم والبكم الذى درست به في طفولتي، ثم تعرفت إلى زوجتي الرابعة التي كانت تعاني مثلي من الصمم، وقد انبهرت بجمالها وذكائها، وقررنا الزواج وأنجبنا ولدين، وبعد الزواج بثلاث سنوات ابتسم لي الحظ وفزت بمليون فرانك في اليانصيب، وقررنا التبرع بنصف المبلغ لفقراء العالم الثالث من ذوي الاحتياجات الخاصة، وباقي المبلغ استكملنا به ما كان ينقصنا، وسارت حياتي في هدوء إلى ان تم ترشيحي من قبل المركز للسفر إلى دول العالم الثالث لتفقد أحوال الصم والبكم، ودراسة أحوالهم والى أي مدى وصل الاهتمام بهم، لتقديم مساعدات مالية باسم المركز الفرنسي إليهم. عمل تطوعي إذًا فقد تركت زوجتك وأبناءك وذهبت في جولة حول العالم؟ هذا ما حدث بالفعل وقد تفهمت زوجتي طبيعة الواجب الذى أخذت على عاتقي ان أقوم به في سبيل فعل الخير، وتحملت بمفردها رعاية أبنائنا ومباشرة محلات اللحم اثناء غيابي، وبدأت عملي الذى زرت من خلاله الكثير من الدول العربية مثل سوريا وعمان وليبيا ومصر، وغيرها الكثير، وقد أحببت الحياة في مصر، وقد حرصت على الذهاب إلى الأزهر الشريف لتعلم القران، وهناك استوقفتني كتابة الآيات القرآنية بالخط العربي، وقررت تعلمها، وبالفعل أتقنتها، وبعد فترة شعرت بأني تائه وغير مستقر ففكرت في الزواج للمرة الخامسة، وتعرفت إلى أسرة مصرية وقررت الزواج من ابنتهم، وبالفعل اشتريت لها بيتا، وتم الزواج وأنجبنا طفلة، وتركتها في مصر وسافرت إلى عمان لمباشرة عملي التطوعي، وعند عودتي فوجئت بأنها قامت ببيع البيت واستولت على قيمته، وعندما واجهت شقيقها بما حدث تعدى علي بالضرب مما أدى إلى إصابتي بالسكري من هول الصدمة، ومكثت فترة في المستشفى، وبعد شفائي طلقتها، وعدت إلى عمان واشتغلت في تجارة الذهب الذى كنت أقوم بشرائه من البحرين. مسك الختام إذًا متى وكيف تعرفت إلى إيمان؟ اثناء وجودي في البحرين لممارسة عملي التطوعي ذهبت إلى إحدى المطابع كي اطبع (كروت) ونتائج باسم المركز الفرنسي للصم والبكم كنوع من الدعاية، وهناك قابلت إيمان، وعلى الرغم من تعدد زيجاتي فقد شعرت بمجرد رؤيتي لها بإحساس لم أشعر به من قبل، فقد أحببتها من أول نظرة كما يقولون، وقررت الزواج منها، وصارحتها بكل شيء وقد تقبلتني بعيوبي، وتم الزواج وأنجبنا طفلة في السابعة من عمرها الآن، ولأول مرة اشعر بأنني تزوجت بالفعل، فعلى الرغم من حياتي الطويلة وتجاربي المتعددة في الزواج شعرت معها بأنني اختزل بها نساء العالم، وانني لم احب أحدا كما أحببتها، ففي الجزائر تزوجت بسبب الأهل، وفي فرنسا تزوجتها لانبهاري بجمالها وذكائها، وفي مصر كنت تائها وأريد تكوين أسرة، ولكن مشاعري ناحية إيمان شيء آخر، والدليل أنني أمضيت ثلاثة عشر عاما من عمري في مملكة البحرين لشعوري بالاستقرار. عودة بعد سنوات هل مازالت هناك صلة بمشاريعك وأبنائك في الجزائر؟ للأسف خسرت مشاريعي وتبدد رأس المال في أحداث الإرهاب التى سادت الجزائر سنوات طويلة، وهذا ما منعني من زيارتها مدة 22 عاما كاملة، حيث ان الإرهابيين كانوا يقتلون من يظنون ان لديه مالا، وقد خفت على نفسي نظرا لأنني كنت صاحب مشاريع وان أفلست، وخلال هذه السنوات مات أبي وأمي وأحد أشقائي، أما أبنائي فقد كنت أتواصل معهم بالكتابة، وبعد ان تزوجت إيمان أقنعتني بزيارة الجزائر، وبالفعل ذهبنا عام 2005 ورأيت أبنائي واستطعت أخيرا ان أضمهم إلى صدري، وقد تعرفت أيمان على طليقتي الثالثة التي أدين لها بتربية أبنائي، وشعرت بأنها بمثابة الأم الحنون لها، وفي هذه الزيارة التي استمرت ثمانية اشهر حدثت مشاكل كثيرة في العائلة حيث اكتشفت ان شقيقي زور شهادة تثبت وفاتي كي يستولي على ميراثي، وعدت بخفي حنين كي أبدأ من الصفر بعد ان تخطيت الخمسين من عمري. ومن الذي كان يرعي أبناءك على مدار تلك السنوات؟ طليقتي في الجزائر تمتلك مصنعا يدر عليها دخلا كبيرا مما جعلها تستطيع تربية الأبناء من دون ان تحتاج إلى أحد، وفي فرنسا مازالت زوجتي تدير محلات اللحوم وتصرف من دخلها على أبنائي وهي إلى الآن مازالت زوجتي ونتواصل سويا عن طريق الخطابات، أما طليقتي في مصر فأرسل إليها مبلغا شهريا لتربية ابنتي. موت الشيخ عيسى وماذا عن عملك الحالي؟ ومتى بدأته؟ بعد عودتي إلى البحرين بدأت في ممارسة الكتابة بالخط العربي التي تعلمتها في مصر كهواية، ثم أصبت بجلطة ومكثت تحت العلاج عامين كاملين، وكانت النتيجة ان فقدت عملي التطوعي في المركز الفرنسي للصم والبكم، نظرا لأنني لم اعد أستطيع السفر، كما صرفت كل ما كنت املك من أموال اثناء فترة العلاج، وبعد ان تماثلت للشفاء فكرت في استثمار هوايتي في كتابة الآيات القرآنية بالخط العربي كي أستطيع إعالة أسرتي واستكمال حياتي. وقد بدأت هذا العمل نتيجة تأثري لموت الشيخ عيسى رحمة الله عليه، حيث قمت بكتابة الآية القرآنية (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) على صورته، وأرسلتها إلى الديوان الأميري مع خطاب شارحا فيه حالتي الصحية والمادية وأرسلوا إلي مبلغا نظير هذه اللوحة. ثم قررت تجاهل المرض وبذل مجهود مضاعف في العمل حيث كنت أقوم بإنجاز عشر لوحات في اليوم وأقوم بإرسالها إلى الشخصيات المعروفة في البحرين عن طريق البريد السريع (دي اتش ال) ومعها خطاب شارحا فيه حالتي الصحية وظروفي المادية، وأقبل أي مبلغ يأتيني نتيجة عملي وجهدي، حيث انني لا اقبل ان أتسول، وهذا العمل الذي أقوم بإنجازه يحتوي على أفكار جديدة لا يقوم بها أحد سواي في مملكة البحرين. الحصول على الجنسية ما هي أمانيك على المستويَين العام والخاص؟ أمنيتي على المستوى العام ان احصل على الجواز البحريني كي أستطيع استخراج سجل تجاري لافتتاح ورشة أستطيع من خلالها تعليم أبناء مملكة البحرين مهنة الخط العربي، لما لهذه المهنة من روحانية وعظمة لتعاملها مع القرآن الكريم، لعلي بذلك أستطيع رد جزء من جميل هذا البلد علي، ولذلك أتوجه بندائي إلى جلالة الملك المفدى ان يتكرم بإعطائي الجواز البحريني حيث انني مقيم على ارض المملكة منذ 13 سنة، وأتمنى ان أمضي ما تبقى من أيامي على أرضها، لما لمسته بها من راحة نفسية وإحساس بالأمان عشت عمري ابحث عنه في كل البلدان التى قمت بزيارتها ولكني لم أجده سوى في هذه الأرض الطيبة، وهذه الأمنية تعد بمثابة الحلم الذى أتمنى ان يتحقق يوما ما. وعلى المستوى الخاص أتمني ان يكون لي مدخول ثابت يمكنني من تربية ابنتي في مستوى مناسب كي لا تحتاج إلى أحد، وأيضا كي أستطيع ان اشتري لأبنائي هدايا ولو بسيطة تدخل الفرحة على قلوبهم، ولكن للأسف لم اعد املك شيئا ففي بعض الشهور يكون دخلي جيدا والبعض الآخر لا شيء. عار الإعاقة كلمة تريد توجيهها إلى المجتمع! أتمنى ان يتمتع المجتمع بقدر كاف من الوعي يجعله ينظر إلى ذوي الاحتياجات الخاصة على انهم بشر من حقهم ان يتمتعوا بحياتهم التي وهبها لهم رب العالمين، حيث ان الكثيرين ينظرون إلى المعوق على انه عار يجب إخفاؤه، وهذا ما لاحظته بعد ان تعرفت إلى إيمان حيث كانت تحيا في عزلة متقوقعة على نفسها، ونظرا لأنني تربيت في فرنسا فلم أعان من تلك المشكلة، وقد ساعدتها على مواجهة هذه النظرة المجتمعية الضيقة. الزوجة العظيمة وقد التقطت زوجته إيمان هذه الزوجة العظيمة التي آمنت بموهبة زوجها وتحملت ظروفه المرضية والمادية الصعبة أطراف الحديث فقالت عن قصة زواجها بمصطفى: أنتمي إلى عائلة تعاني الصمم الوراثي، وقد تعلمت بمدرسة الصم والبكم في الكويت، وبعد عودتي تزوجت من شاب له نفس ظروفي المرضية ولكن لم يستمر الزواج طويلا وتم الطلاق، ثم حصلت على شهادة من مركز التأهيل بالبحرين بعد دراسة استمرت عامين، ثم التحقت بالعمل بإحدى المطابع التي رأيت فيها مصطفى أول مرة، وعندما طلبني للزواج بعد ان روى لي كل ظروفه بمنتهى الصراحة لم أمانع، لأنني كنت قد أحببته لما لمسته فيه من صفاء نفس، وصراحة، ولإيماني به وبهوايته العظيمة، ولكن أهلي رفضوا هذا الزواج لعدة اسباب، فهو غريب عن البلد وسبق له الزواج اكثر من مرة ولديه عدد كبير من الأبناء، وأيضا لفارق السن بيني وبينه الذي يصل إلى ستة عشر عاما، ولكني صممت وحاولت إقناعهم بشتى الطرق إلى ان حصلنا على موافقتهم، وتم الزواج وأنجبنا طفلتنا الوحيدة صفا ونعيش في سعادة لا ينغصها سوى عدم حصول زوجي على الجنسية، حيث انه يرغب بشدة في استخراج سجل تجاري لافتتاح ورشة لتعليم الخط العربي، وخاصة ان لديه قدرة كبيرة على العطاء وموهبته غير متكررة وستكون خسارة كبرى عدم الاستفادة منها. ألم يصبك الخوف من أن تنجبي طفلة مصابة بالصمم؟ بالطبع أمضيت شهورا طويلة أعاني خوفا كبيرا، ولكني لم ايأس من رحمة الله، وكنت أتوجه إليه بالدعاء ان يهبني طفلا سليما، وما كان يطمئنني قليلا ان الأمراض الوراثية لا تصيب كل أفراد العائلة، فنحن سبعة أشقاء خمس إناث وولدان، ولم يصب بالصمم سوى إحدى شقيقاتي وأنا، والحمد لله جاءت ابنتي سوية تماما وهي الآن أذني التي اسمع بها.