مشاهدة الموضوع الأصلي: احب اللبنان ومغرمة بها
ديوان الثقافة » الدواوين العامة » زاوية القصص
ماكو مثلي
[color=indig]كنت كلما حسدني أصدقائي في المدرسة علي كثرة زياراتي الي لبنان لانها الدولة الوحيد الي نستانس فيها ممتعة ولكن كنت أقول أمامهم : " انا لا احب لبنان ، ولا ارتاح لرائحة الاستعراض التي تنبعث من شوارعه في "الوسط التجاري " ، كنت لا اقول الحقيقة ، فقط اخفي خوفي من تلك البقعة " السحرية " التي شعرت فيها بغربة خلقت بيني وبين " بيروت "مسافة لم تبددها زياراتي المنتظمة طوال خمس سنوات ، ولكن في العاميين الاخيرين نجحت في تهذيب مشاعر " عدم الارتياح " هذه ، وبدا لي اني وصلت مع المدينة الي " اتفاقية تصالح " سمحت لرائحة بيروت الحقيقة بالوصول الي رئتي وتدريجيا صرت مستعدا لقبول المقولة التي جعلها ربيع جابر عنوان لروايته " بيروت مدينة العالم ".



( 2 )



في زيارتي الاخيرة كنت امشي وانا الغريب عن البلد في شارع الحمرا بثقة "قبضاي " كأني صرت جزءا من التاريخ الذي حمله الشارع ، شخص تبرز صورته ضمن مئات مروا من هنا ، وأردوا ان يكونوا ضمن تفاصيل المشهد و ربما بفضل هذه الثقة احترفت الانصات الي وقع خطوات الناس ، وتسامحت مع القبح الذي تصدره فتريات " محال الالبسة النسائية " التي غزت الشارع فغيرت من ملامحه ، واخذت معها أيقونات بيروت الثقافية واخرها مقهي " المودكا " لكنها بالرغم من كل ذلك ابقت فيه القليل من " "الديناصورات المقاومين " من أمثال عباس بيضون بتركيبته الانسانية الفريدة وسخريته اللافتة وحسن داوود بوجهه المريح وابتسامته المطمئنة وبول شاؤول الذي بدا لي حين وجدته ممسكا ب " البايب " امام مقهي " ستاربكس " كرجل هارب من ألبوم صور بالابيض والاسود ، يمضي الكثير من وقته وهو يقطع شارع الحمرا يطارد ما تبقي فيه او يرثي ما ذهب ، لكن لا شيء يتغير ، الا طقوس الانتظار والمقاهي وهي تغير اللافتات وتحسن نوع الخدمة لتبدو منسجمة مع طوفان " العولمة " الذي بدأ حضوره العربي باجتياح " بيروت " التي بقي فيها الكثير من الاصدقاء يثرثرون بلا ملل عن التاريخ الذي هرب وتسرب فجأة . كأنهم بانتظار معجزة تعيد اليهم المدينة التي جري اختطافها سواء بالحرب او بالمال الملوث.



( 3 )



في الزيارات التي تواجدت فيها مع اصدقاء غير لبنانيين كنت ابدو صاحبة "سوابق " في اكتشاف المدينة ، و كثيرا ما تأكد لهم هذا الانطباع وانا ادخل المطاعم وأنادي علي الباعة بلهجة لبنانية سليمة الي حد ما واطلب " شاورما دجاج " و "بطاطا " دون ان تربكني لهجتي القطرية واقول " بطاطس " ,. لازمتني الثقة نفسها وانا ادخل وحدي البارات الضيقة التي علمني ارتيادها يوسف بزي ويحيي جابر ، ربما لا اذكر الان كيف او متي تعرفت عليهما ، ما اذكره انهما صارا من اصدقائي بلا اي جهد ، فهما لبنانيان بامتياز ، قلوبهما مشرعة علي المحبة ، يملكان أفكار لامعة لديهما قدرة فريدة علي الحديث في اي موضوع كخبيرين ولكن من دون ادعاء ، استعدادهما فطري للاشتباك مع الحياة ، أو الرقص مع الالم ، التقيت بهما لاول مرة مع اختي ذات ظهيرة شتوية كانت شمس بيروت تعلن فيها عن نفسها بسطوع حقيقي يذكرني الان بصوت " صباح " ذلك الصوت الذي اجدد حبي له يوميا ، في ذلك اليوم كان الحديث محتدما حول الوجود القطري في لبنان لكن رغم الخلاف في وجهات النظر انتهي الحوار بسهرة صباحي علي كورنيش "عين المريسة " قريبا من تمثال جمال عبد الناصر . التمثال نفسه الذي وقفت امامه قبل اندلاع الحرب الاخيرة بعشرة ايام فقط وكدت اتحدث معه بل واشكو اليه وابكي امامه لارفع عن نفسي التهمة التي اراد " حسام " رفيقنا المصور الفوتوغرافي ان يلصقها بالمصريين حين قال :" انتم لا تحبون هذا الرجل ونحن نحبه " ... الان وانا أتابع الحرب علي الشاشات افكر في حسام وكيف يمكن ان يتأمل الصورة التي رفعها المتظاهرون في مصر وجمعت بين عبد الناصر وحسن نصرالله ، لعله تأكد أن بيننا من يحبه رغم محاولات تجريف عديدة لحقت بالذاكرة المصرية "..



(4 )



الكلام عن الذاكرة يذكرني بوصايا بيار ابي صعب الاخيرة التي قالها لي وهو يودعني أمام فندق "دوفيل " الذي عاهدت نفسي علي اختياره مقرا لاقامتي في بيروت خلال الزيارات التي كنت انوي القيام بها في المستقبل قال لي بيار الذي أحبه واتعلم مما يكتب " لا تنس ان تكتب مقالك ، ليلحق بعدد "زوايا " الجديد "كنت اعرف انه سينسي هذا الرجاء في زحام انشغالاته التي أصبحت جزءا اساسيا من صورته التي عرفته بها قبل عشر سنوات ، فهو يدربك علي النسيان بالقدر الذي يجرك به الي التذكر ، يذكرني ببيت جميل لشاعرنا الكبير فؤاد حداد : " الشمس صنعتها تشمس ، والقلب صنعته يتحمس " ليلتها تحدث بيار بحماسه المعتاد عن عدد " زوايا " الذي يحمل عنوان " ذاكرة الراهن " وعن مقرها الجديد فيما حدثته أنا عن صورة "فوتوغرافية " لشارع رمسيس بثتها وكالات الانباء وقت التظاهرات التي قادتها فصائل المعارضة المصرية لدعم القضاه ، لم يكن في الصورة أي شيء من ملامح الشارع الذي كنت اسير فيه يوميا طوال عشرين سنة وبالرغم من هذه الالفة التاريخية لم أميزه في غربتي ، لا انا ولا اصدقائي في المكتب ، فقد بدا خاليا من الناس ليس فيه الا رجال الامن بستراتهم السوداء الكئيبة والعصي الغليظة التي تهدد كل من يقترب " لم افكر ساعتها الا في معني واحد وهو ان ذاكرتي باتت محتلة وخفت بشدة لان فراغ الشارع أشعرني بحجم الفراغ الذي تعيشه مصر كلها ، ولم أعرف وانا اتصفح الصور التي اتلقاها في " الجريدة " واختار منها ما يلائم الموضوعات المعدة للنشر " اني صرت بعيدا عن بلدي الي هذا الحد "بيار الذي استمع الي الحكاية بغرابة قال لي لا بد وان تكتبها لكي تلحق بمواد العدد ، الان أفكر فيه وهو يتلقي صور أخري تلتقطها وكالات الانباء لمدن لبنانية قصفها الاسرائيليون فخلت من الناس ، وصار المطلوب منه ان يرتبها أوان يكتب لها تعليقات قبل النشر ، تري هل سيندهش مثلي وهو يحس فراغ مدينته و غربته عنها ، أقول لنفسي ، وأسال هل صارت الحرب وحدها هي ذاكرة الراهن اللبناني ؟ كما صار " الامن " ايقونة " الراهن المصري وعلامته الوحيدة ، لم اتلق اية اجابة من بيار ، فبريده الالكتروني متخم بالاف الرسائل ويحتاج لمن يفرغه ولا وقت الا للعمل وتليفونه المحمول لا يجيب الا برسالة مسجلة علي الانسر " ماشين " فلا صوت يعلو علي صوت المعركة "اتخيل ان الحرب صنعت وصلا جديدا بينه وبين بيروت ، المدينة التي كان لا يعرفها جيدا و يفخر بالمسافة التي بناها معها طوال سنوات اقامته خارجها ، كنت اقول له ضاحكا في كل مرة يسير معي فيها " انت اهم مستشرق لبناني في بيروت "



(5 )



منذ ان اهداني صديقي<<جاري الياس فركوح احد الجيران في الفندق كتاب سوزان سونتاج " الالتفات الي الم الاخرين " وانا اقلب في اوراقه دون حماس يسمح لي باستكماله لولا ان الحرب اعادتني اليه من جديد ، لارتب صورها بالوعي الذي يسمح لي بفهمها و عمل الواجب الذي يسميه الاستراتيجون الغائبون عن الشاشات " تقدير موقف " كنت قرأت لها من قبل هذا المعني الرائع : 'إن صورة مثل تلك التي نشرت في العام 1972، علي الصفحات الأولي للصحف في الكثير من بلدان العالم _ وهي صورة طفلة فييتنامية جنوبية، عارية، تركض بعد أن طاولها رذاذ قنابل النابالم خلال غارة أميركية، علي الطريق في اتجاه آلة التصوير ويداها مفتوحتان وهي تصرخ من الألم _ هذه الصورة تمكنت علي الأرجح من أن تغذي عداء العالم كله ازاء الحرب، أكثر مما كان يمكن أن تفعل مئات الساعات من الأخبار التلفزيونية المصورة لفظاعة العمليات العسكرية الاستعراضية'. هذا الكلام كتبته الأميركية سوزان سونتاغ لتعلمنا ان التصوير قد أصبح واحدة من أهم وسائل الوصول الي خبرة بالأشياء تعطي المرء انطباعا بأنه مشارك ، الغريب ان هذا الانطباع يتأكد الان ، لا سيما وانت مواطن عربي تحصر مشاركتك بالصمت ، هل تقطع الصورة علاقتك بالقضية وتحصرها فقط في معني التلقي والتعاطي الصامت والنظر بأسي الي صور الضحايا ، كأنك تنتظر " جودو " جديد ، أو مؤرخ يملك الضمير اليقظ الذي يفسر الصورة ويعمل علي تأويلها مستندا فقط الي هذا النص المرئي الذي تكتبه الكاميرا ويسعي الصهاينة الي اغتياله ومنع فعاليته ، لانهم يحاربون " نقيضهم " ويعرفون المعني الذي قصده الكاتب الامريكي لانسي مورو وهو يصف الكاميرا ويقول انها وسيلة نسجن بها اللحظة الزمنية في مستطيل مصقول. ان هذه الصورة الملتقطة, وهذه المستطيلات المصقولة كما يصفها (لانس مورو) لا تلبث ان تتجمع وتتراكم ويجري تصنيفها وفرزها وتبويبها فتصبح بحق سجل الذاكرة الجمعية العمومية الشاملة للمجتمعات. وحدها الصورة حيلتنا الوحيدة في انتظار المستحيل انها اول بروفة انطباعية للتاريخ, ولكن للأسف الضحايا لا يكتبون التاريخ .


ونتمنى بعد الحرب ان اذهب للبنان البلدة الي ننتمتع بها
واللة انها ممتعة ومرحة biggrin.gif
ان شاللة ان انتهى الحرب باخذكم كلكم المنتدى باكملة خخخخ wub.gif

ان شاللة تعجبكم تعبت وانا اكتبها لعيووونكم
[attachmentid=188112 name=CACX670L.jpg]
ماكو مثلي
شدعوة وين الردووود sad.gif
لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ احب اللبنان ومغرمة بها - ديوان الثقافة