
كم هو جميل ما تضمنه الدستور البحريني بشأن المساواة بين المواطنين حين ذكر أن العدل أساس الحكم وأن المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة و أن الناس سواسية في الكرامة الإنسانية ، ويتساوى المواطنون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة ، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة. لقد سبق المجتمع الدولي دستور دولة البحرين في شجب التمييز ونادي بالقضاء عليه من خلال إقراره الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965 التي حملت الحكومات مسئولية تغيير السياسات المنطوية على تمييز بين مواطنيها حيث نصت على ان تتعهد كل دولة طرف في الاتفاقية بعدم تشجيع أو حماية أو تأييد أي تمييز يصدر عن أي شخص و بان تتخذ كل .
دولة طرف في الاتفاقية تدابير فعالة لإعادة النظر في السياسات الحكومية و ذلك بتعديل أو إلغاء أية قوانين تؤدي للتمييز العنصري. وقد عرفت تلك الاتفاقية "التمييز العنصري" بأنه أي تمييز أو تفضيل أو استثناء أو تقييد يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على قدم المساواة في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة. إذا فالتمييز هو جعل شخص أو فئة من الأشخاص يمتازون عمن سواهم بمنحهم ميزة أو ميزات مع منعها عن الآخرين وبالتالي فان التمييز هو في أساسه حالة من حالات إجهاض المساواة و من ثم هو وجه من اوجه اللاعدالة لان الحقوق الممنوحة والأوضاع المقررة كامتيازات لفرد أو فئة يقابلها بالضرورة حرمان للآخرين منها.
أولا : التمييز في التشريعات :
المثال الأول : التمييز ضد المرأة:
جاء في إتفاقية الامم المتحدة لحظر جميع اشكال التمييز ضد المرأة التي إنضمت إليها البحرين في مارس عام 2002 والتي اصبحت بذلك الانضمام جزء من التشريع البحريني ان مصطلح "التمييز ضد المرأة" يعني أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه، توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر، أو توهين أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها. و قد اوجبت الاتفاقية على الدول أن تنتهج سياسات تستهدف القضاء على التمييز ضد المرأة و ذلك بـاتخاذ المناسب من التدابير، تشريعية وغير تشريعية ، بما في ذلك ما يناسب من جزاءات ، لحظر كل تمييز ضد المرأة و الامتناع عن مباشرة أي عمل تمييزي أو ممارسة تمييزية ضد المرأة، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام و اتخاذ جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لتغيير القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزا ضد المرأةبالرغم مما نصت عليه هذه الاتفاقية فان التشريع البحريني ما يزال يحتوي على أمثلة عديدة صارخة على التمييز ضد المرأة يأتي على رأسها قانون الجنسية لعام 1963 الذي يعترف لأبناء المواطن البحريني بحق اكتساب جنسية والدهم ولا يعترف بذلك الحق لأبناء المواطنة البحرينية إلا في حالتي كون والدهم عديم الجنسية أو إذا لم يثبت نسبهم لأبيهم قانونا.
وأخيرا قرر القانون لمجهولي الأبوين حق اكتساب الجنسية البحرينية واضعا إياه في موضع أفضل من ابن المواطنة البحرينية من زوج غير بحريني . علاوة على ذلك فان القانون يعترف لزوجة البحريني الأجنبية بحق التجنس بجنسية زوجها و لا يعترف بذلك الحق لزوج المواطنة البحرينية الأجنبي.و مثال آخر هو قانون الجوازات لعام 1975 حيث جاء في المادة (13) منه انه "لا يجوز منح الزوجة جواز سفر مستقل إلا بموافقة الزوج. و لا يمنح ناقصو الأهلية جوازات سفر مستقلة إلا بموافقة ممثليهم القانونيين."
وقد جاء في المادة (14) من اللائحة التنفيذية للقانون التي صدرت بقرار وزير الداخلية رقم 15/1976 انه "لا يجوز منح الزوجة جواز سفر مستقلاً أو إضافتها إلى جواز سفر زوج إلا بموافقة كتابية منه وتطبق الإجراءات المتبعة حالياً في حالة إصدار جواز سفر مستقل للزوجة أو الأولاد القصر."أن ما تنطوي عليه هذه النصوص لا يقتصر على التمييز ضد المرأة فحسب بل هو يتعداه إلى درجة امتهانها و الحط من قدرها وذلك بمعاملتها كما لو كانت قاصر ناقصة أهلية. كان ذلك شأن التشريعات الصادرة في السبعينات من القرن الماضي فهل غادرنا مواقعنا فيما يتعلق بحقوق المرأة بالفعل الآن ولنأخذ الحق السياسي مثالاً.
لقد نص الدستور على ان للمواطنين حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية ، بدءا بحق الانتخاب وقد أكد الميثاق ذلك صراحة حين نص على ان يتمتع المواطنون –رجالا و نساءا- بحق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بدءا بحق الانتخاب والترشيح.
إلا انه من المعلوم ان مجرد تغيير النصوص بإتاحة حق الانتخاب و الترشيح للمرأة ليس كافياً بحد ذاته لتمكينها فعلا من تحقيق الهدف بوصولها بكم كاف الى مواقع صنع القرار السياسي ولن يوفر لها ، على ارض الواقع ، فرص متكافئة مع الرجل للوصول لتلك المراكز بدلالة انه عندما سبقتنا إلى صناديق الاقتراع في الدول الخليجية أخواتنا في عمان وفي قطر جاءت النتائج مخيبة للآمال ومازالت تجربة البحرين في الانتخابات البلدية والبرلمانية في مايو واكتوبر 2002 شاخصة للعيان لتبرهن على صعوبة إن لم نقل استحالة وصول النساء إلى السلطة عن طريق الانتخاب في الوضع الراهن. ومن هنا فقد أجاز المجتمع الدولي أن يكون هناك تمييز إيجابي يخلق للمرأة ميزة مؤقتة على الرجل عن طريق نظام الكوتا (تخصيص المقاعد) ريثما يمنح المجتمع (عن طريق الدستور) للمرأة الفرصة لإثبات قدراتها و ريثما يتقبل المجتمع وضع المرأة في مواقع صنع القرار.
وقد اجاز المجتمع الدولي ذلك التمييز الايجابي في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965 التي قررت انه لا يعتبر من قبيل التمييز أية تدابير خاصة مؤقتة يكون الغرض منها تأمين التقدم الكافي لبعض الأفراد المحتاجين إلى الحماية لضمان المساواة لهم بالآخرين في التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو ممارستها ، شرط ألا تؤدي تلك التدابير إلى استدامة قيام حقوق مختلفة لهم عن الآخرين.
كما جاء في اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي إنضمت لها البحرين انه لا يعتبر اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة تمييزا ، ولكن يجب ألا يستتبع ذلك الإبقاء على معايير غير متكافئة أو منفصلة ، كما يجب وقف العمل بهذه التدابير متى تحققت أهداف التكافؤ في الفرص والمعاملة. لقد حرمت القوانين التي اصدرتها الحكومة والامير بمراسيم في السبعينات من القرن الماضي المرأة البحرينية من المشاركة في الحياة السياسة وقد ساعد ذلك على تسويغ وقبول وجهة النظر القائلة بعدم جواز او عدم قدرة المرأة على المشاركة في الشؤون السياسية. وبالتالي فقد كان إبعاد المرأة عن المقاعد النيابية والوزارية ليس بالصدفة ولكن نتاج ذلك المفهوم الذي تمخضت عنه ممارسات تأصلت في ضمائر و نفوس العامة التي اعتبرت ان ممارسة المرأة للسياسة من قبيل الامور المنافية لطبيعة الاشياء.
ولما كان من الصعب تغيير ما بالضمائر بين عشية وضحاها فان المجتمع الدولي لجأ الى الاعتراف بنظام الكوتا اي بتخصيص مقاعد للنساء اما بشكل مباشر في المجالس المنتخبة او عن طريق قوانين الاحزاب بفرض ان تكون قوائم الاحزاب الانتخابية تحتوي على نسبة معينة من النساء و المحصلة العملية واحدة في الحالتين وهي ضمان ان تشغل المرأة نسبة معينة من مقاعد المجالس المنتخبة و من ثم فان الرأي القائل بألا مشروعية لنظام الكوتا رأي لا يخلو من التبسيط و يتنافي مع إجماع المجتمع الدولي كما اثبتته الاتفاقيات الدولية التي اشرنا إليها فيما تقدم.