مشاهدة الموضوع الأصلي: الحسين (ع) في عمق التاريخ, منقول
ديوان الثقافة » الأرشيف! » الديوان الأدبي » الديوان الحُسيني 1425 هـ
الجوعان
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،


ان احياء ذكر اهل البيت لا ينحصر فى القوالب اللفظية من : انشاد الشعر ، وذكر الفضائل ، واقامة العزاء وغير ذلك ، وان كانت كلها درجة من درجات احياء الذكر .. انما الاحياء الاكمل يتمثل فى ترجمة سيرتهم العملية فى حياتنا الفردية والاجتماعيه .. فان الناس لو اطلعوا على محاسن اقوالهم وتطبيقاتها فى الحياة المعاصرة ، لما وسعهم الا الاتباع العملى ، والولاء الفكري ، والتعلق العاطفى .

ان البكاء - وان كان فى ظاهره يتمثل فى جريان الدموع - الا انه فى الواقع عملية معقدة : لها جذورها فى الفكر والقلب ، ولها آثارها على الجوارح .. اذ ان البكاء حصيلة تفاعلات باطنية متمثله فى : الاعتقاد النظرى بقدسية الجهة التى نبكى على مصائبها ، من جهة انتسابها لمصدر القدسية العظمى فى الوجود ، المتمثلة بقدسية الرب المتعال .. كما انها حصيلة تفاعلات قلبية مرتبطة بذلك الاعتقاد ، فان ما جرى على وليه الحسين يوم عاشوراء ، كان هتكا للرسالة التى ثار الحسين من اجلها ، و هتكا للنبوة اذ كان الحسين طالبا للاصلاح فى امتها ، وهتكا للامامة اذ جرى عليه من المآسي عليه وعلى عياله ما لم يذكر نظيره فى تاريخ البشرية !!.

ان البكاء فى منطق الفرد والامة : موقف يتخذه الانسان الى جانب اليد واللسان ، للتعبير عن رايه فى مفردات الحياة .. وعليه فان البكاء على سيد الشهداء ابداء لنوع استياء من كل صور الظلم التى وقعت على الامة ، بعد غياب المنهج السماوى الذى رسمه الله تعالى لها ، والمتمثل بميراث الكتاب ( الحبل الممدود بين السماء والارض ) وميراث العترة ( الحبل الممدود بين النبي والامة ) .. والاشجار تعرف بثمارها ، ومن المعلوم ان واقعة الطف هى الثمرة المرة للشجرة الخبيثة ، التى جاء وصفها فى القرآن الكريم .

ان الاسلوب الطبيعى لاصلاح الامة يتمثل فى الحديث والموعظة التى يخاطب بها العقول والقلوب ، وهو ما مارسه على والحسن ( عليهما السلام ) .. الا ان الامة وصلت الى درجة من التخدير وموت الارادة ، بحيث اصبحت تنظر الى يزيد اماما لها ، وهو الذى يصفه سيد الشهداء قائلا بعدما كتب يزيد الى الوليد يامره باخذ البيعة منه والا ضرب عنقه :
( انا اهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وبنا فتح الله ، وبنا ختم الله .. ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله !! )
فلم يبق الا اسلوب التضحية بالدم لتستفيق الامة على هول المصيبة التى ابتليت بها ، بعد التراكمات التاريخية للانحراف التدريجي !!

علينا ان ننظر الى خط الامامة كمنهج متكامل فى شتى الابعاد : فها هو الحسين - الذى يمثل حلقة من حل! قات هذه السلسلة المباركة - نراه تارة فى اعلى صور العبودية والتذلل لرب العالمين فى مناجاة يوم عرفة ، التى قل نظيرها فى مناجاة بشر مع ربه .. و نراه تارة فى حالة تثبيت حاكمية الله تعالى على الارض من خلال خطبه السياسية عند خروجه من المدينة .. ونراه تارة داعيا من حوله من اصحابه الى التعلق الروحى بالمبدا الاعلى ، من خلال وصاياه فى ليلة عاشوراء .. فكان لهم دوى كدوى النحل ليلا ، وصرخات كزئير الاسود نهارا !!..

ان مجالس الحسين تعد بحق جامعة كبرى لها فروعها فى عواصم المدن الكبرى الى الارياف الصغرى .. ومن هنا لا نرى امة متفقهه فى كليات الشريعه - فقها ، وتاريخا ، وسيره - كاتباع مذهب اهل البيت الذين يدخلون هذه الجامعة شهرين فى كل عام ، سواء فى ذلك الصغير الذى لم يبلغ الحلم ، الى الكبير الذى وصل على مشارف نهاية عمره !! .. اوليس هؤلاء الخريجون مدينون لحركة الحسين المباركة ؟! .. هذه الحركة التى لم تكن حركة فى التاريخ ، وانما كانت حركة للتاريخ !!.. هذه ال! ثورة التى تحمل فى طياتها طلبا للحكم الصوري ، وانما كانت تحمل رسالة لتغييير منهج الحياة ، بقراءة صحيحة للاسلام الذى كاد ان يصاب بداء الامم السالفة !!

هناك ارتباط وتجانس بين عشرات ثلاث : العشر الاواخر من شهر رمضان المبارك ، والعشر الاوائل من شهر ذى الحجة الحرام ، والعشر الاوائل من محرم الحرام ، وهى بمجموعها تمثل شهرا كاملا فى كل عام .. علينا ان نتخذ من مجموع هذه العشرات المباركات والموزعة على مدار السنة : محطات لاعادة الصلة بالله تعالى الذى نبتعد عنه خطوة بعد كل معصية ، لنعوض بذلك اميال البعد عنه ، بخطوة جريئه اليه فى كل موسم مصالحة !!.. ولاعادة الصلة بمنهج اهل البيت ، فلو كان لجدهم المصطفى مدينة علم ، فهم الابواب لتلك المدينة دون غيرهم !!.. وان كان لله تعالى بيوت اذن الله تعالى ان يرفع فيها اسمه ، فهم البيوت دون غيرهم !!

ان لله تعالى عقوبات فى الابدان والقلوب وما ضرب العبد بعقوبة اشد من قساوة القلب ! .. ومن المعلوم انه ما جفت الدموع الا لقسوة القلوب ، وما قست القلوب الا لكثرة الذنوب !!.. ان الابتلاء بقسوة القلب في هذه الايام ، علامة غير صحية كاشفة عن خلل فى الجهاز الشعورى للانسان ، فعلى العبد ان يكتشف اسباب ذلك ، والا فان الخسارة فادحة .. وهنيئا لمن راى على صدره وسام النبي المتمثل بالشهادة على الايمان ، حيث اعتبر لقتل الحسين حرارة فى قلوب المؤمنين ، لا تبرد ابدا .. فهل تجد فى قلبك هذه الحرارة الكاشفة عن حياة القلب ؟!.




منقول من أحد المواقع الشيعية




لا يوم كيومك يا ابا عبد الله

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين

اللهم ارزقنا في الدنيا زيارتهم وفي الآخرة شفاعتهم وفرج عنا وعن المؤمنين بحقهم

أمن يجب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء

اللهم بدّل سوء حالنا بحسن حالك يا كريم

اللهم انصر الاسلام والمسلمين

واذل الشرك والظلم والمنافقين
user posted image
الجوعان
صديق





(1)

كربلاء...

ذرذري فتيت الرياحين. وانسجي من حبير البجع، وكنّار الحمام، مكاسر الكفن الأبيض. واحفري الجفن، عميقاً عميقاً، حتى مغارق الدمع، فلقد أقبل الليل، وحنّ جسد الحسِين إلى النوم، جُملةً سماويّة، بين هلالين من جناحي ملاك.

كربلاء...

يا مساحة المرارة، وموشّحة الحزن، وغرَف الغمام العراقيّة، وشبّابة الفُرات التي بُحّت وما شربت، وحارسة المصابيح التي اشتعلتْ بزيت مسارج الجنّة، رققي من حواشي الريح، واملأي الأباريق، ومدّي الوسادة الزينبية، فلقد أقبل الليل، ورجع من كوفة الزمن القديم، رأس الحسين.

هبيني كربلاء أُرِح الحسين على يدي

أنا لست من أنزل الحسين في العراء، من غير ماء وغير حصن. ولست من شكّ سيفه بين منكب الحسين وعنقه. ولست يا كربلاء من قطع الكتف اليُسرى. أنا لست الأبرص بن ذي الجوش، أحزّ بالسيف في عنق الحسين. ولست من أوطأ الجياد عظام صدره. ولست عبيد الله بن زياد، أضرب ثناياه بعصا الملك. ولست جند عمر بن سعد، أطوف بالرأس وهي على الرّمح، في مسالك الكوفة، ولست يزيد بن معاوية، أنكت بقضيب العرش في شفتي الحسين اللتين قبّلتهما شفتا الرسول الكريم، حتى ارتوتا من عبير ريحانة الجنّة.

هبيني كربلاء أرح رأس الحسين على يدي.

هبيني سراويلهُ اليمانيّة التي مزّقها كي لا يقتسمها من بعده القتلة. هبيني جبّة الخزّ، والعمامة، وورق النيل الذي اختضبت به تقاسيم الحسين.

ويا لعطش عبد الله الرضي، وقد مرى الهجيرُ عرقه، وهدلت رباعيّة أطرافه، وتقطّرت هنانة خاصرتيه، ورنّقت عيناه، ورمح جلده، وتخّ نفسه، وبحّ صوته، ودير به مغشياً عليه، فرفعه الحسين بين يديه، وخاطب الواقفين دون ماء الفرات: يا أهل الكوفة، خافوا الله واسقوا هذا الطفل. إذا كنتُ أنا في اعتباركم أستوجب الموت، فما ذنبُ هذا الطفل الصغير؟ يا قوم، خافوا الله، واذكروا عذاب يوم أليم.

أراكِ لا تنسين يا كربلاء، كيف صاحَ به أحدُ الجند، خذِ اسقهِ، وأوترَ القوس، ورمى الطفل بسهمٍ اختلجت عليه أحشاؤه. فهبيني كربلاء ارح رأس طفل الحسين على يديّ.

هبني ذؤابتيه، المرسلتين، وخلاخيل قدميه، ومشملته، وقميصه المشقوق، والعقد، والعودَ، والبكاء الذي ما ترسّل من بين أجفانه، مخافة أن يتملّح فمه، إذا ما لامست قطرات دمعه شفتيه.

(2)

عندما يحمّل الرّجال رؤوسهم هم العالم، ويصفو دمهم زيتاً للحقيقة، وتتوثّب في سواعدهم جياد المعارك العلويّة، يمرّ في خاطري الحسين بن علي، مقدّساً في رسالة، جنّةً في جسد، سدرةً في منتهى، شهيد عقيدة باعها بربّه واشتراها بدنياه.

إنه الومض القدسي

أقعد الجنّة عمّن أقعد القلب عن الهدى. وأذلّت كفّهُ كفّ من أعزّ القبض عن العطيّة. وحبس ديمة الرّخاء عمّن اطلق في المساكين مزنة البلوى. وقاوم بقوّة الحق قوّة المنافق واللّص والرّاشي. وأمرّ نهايةً للمفسدين اعذوذبت بدايتها. فارسل في الظّالمين ريحاً وناراً ململمتين على شتات هشيم. وأيبس عظم من للعراة عليه بردة الخيلاء. وألهب جوف من للجياع عنده طبقٌ حرام. وسرّق من جاء بيت الرّزق من غير بابه. ورهن النفس بثقل ما فعلت. وأرسل في أصلابه واعتدال ظهره انحناءة التوبة. وغضّ العين عمّا لا يحلّ لها. وأشعل في سراج الصدر فتيلة الحكمة. وأنبت في روحه الصبر كل على بثّ وكل اسىً. واستقلّ في جنب ربّه، زينته تقواه، خادمه يداه، ولأنّه ما أعار دنياه طرف آخرته، باع نفساً تموتُ غداً بنفسٍ لا تموت.

(3)

هناك تداخلٌ حتى الذوبان، بين رأس يوحنا على طبق، ورأس الحسين على رُمح. بين زينبات الحسين، ومريمات المسيح. وإن الشهوات التي في أعماق هيرودس، هي ذاتها الشهوات التي في أعماق يزيد. وأن الرّاقصة التي طالبت بقطع رأس يوحنا، هي ذاتها الدّولة التي طالبت بقطع رأس الحسين. الدّولة والرّاقصة. الرّاقصة الدّولة. الدّولة الرّاقصة.

إنها رمز قاطع المنارات، قاطع الرؤوس رأس الأنبياء، رأس الرّائين، رأس الثوّار، رأس المفكرين، رأس الفلاسفة، رأس الحريّة، رأس السّنبلة، ورأس الحمام الأبيض، والزيتون المُبارك.

(4)

لو دخلت عاشوراء يد القضاء، لما اختل ميزان قاضٍ. ولو هبّت على خفق رايةٍ، لما أذل وطن. ولو لامست وسادة حاكم، لمنعته من صلف النعاس، ولو استوت على سرير خلافة، لمّا عرفت التاريخ قراصنة الأرض، ولصوص الأمم، وشذاذ آفاق الممالك، والمشعبذة، والطغاة، والسحرة.

ثلاثٌ وسبعون رأساً، ورأس الحسين طليعتُها، منارةٌ خلفها منائر، دخلت البلاد اليزيدي على سنّ ثلاثةٍ وسبعين رمحاً، فهل لشمسٍ بعد أن تشرِق، ولفرات بعد أن ينساب، ولريح بعد أن تهب، لطائر بعدُ أن يسحب جناحيه، ولنبتِ بعد أنّ يُمرِع، ولقضاء بعد أن يعدل، ولحكم بعد أن يستوي، ولدين بعدُ أن يشيع، ولسلام بعد أن يسود، إلاّ ومعه قضيةُ ثلاث وسبعين رأساً، قضت في سبيل ثبات الحق.

إن مسيحيّتي أيها السادة، لن تكتمل ناقصاً منها الحسين. وإن أي دين سماوياً كان أم غير سماوي، لا يتضمن مرتبة حسينيّة، إنما هو دينُ كثيرُ الأرض قليل الجنّة. وإن أي حق، لا بد من أن يضيّع، إن لم تكن وسيلتُه حسينيّة، فأما الحقّ، وأما الشهادة.

ولندع صفين، ولندع التحكيم، ولندع الغيلة، ولندع الفتنة، ولندع من بعدُ حصار القسطنطينية، ولندع حرب الأيقونات في بلاد الروم، ولندع خوف يزيدٍ من العراق في يد الحسين، فإن في عمق ذهاب الحسين إلى العراق، ليس ما دار في رأس يزيد فقط، وإن في عمق أنّ الحسين ما رجع من العراق، ليس سيفاً للحسين سُلّ وما غُمِد، فقط، هناكَ صوتٌ ما، صوتٌ من أعماق السماء، نادى الحسين، فسار إليه.

كلّ ما هو ومضٌ قدسي، سيرتُه في الأرض، إنّ المكان الذي تركه، إنما تركه اقتراباً من الجنة. فإذا رجع إليه، لا لحكمةٍ، ابتعد بدلاً من أن يقترب. من هنا، كانت عاشوراء فصلاً من فصول ذهاب الحسين إلى الجنّة لا إلى العراق. وهو لو رجع، لسلمت رأسه، ولكنّه، لكان عاش بيدين، لا في تلك الحق، ولا في هذه الجنة.

وإن النبي الكريم، إذا روّت شفتيه، وهو على الأرض، شفتا الحسين من ريحانة الجنّة، فإن شفتي الحسين، وهو في الجنّة، ترويان شفتي النبي من رائحة الشهادة والحق. ولعلّ توزن رائحة الرّيحان في الجنة، برائحة الحقّ والشّهادة على الأرض.

أما الإمام المكرّم وجهه، فلم يكن فرحُه والحسينُ الطفلُ في حضنه، بأعظم من فرَحه، وليس في حضنه من الحسين إلاّ رأس الحسين. إذا انتقل الحسينُ من الطفولة البريئة في المشهد الأوّل، إلى الومض المقدس في المشهد الثاني.

الحقُّ والشّهادة

من كربلاء حتى الجنوب، الجنوب المشبع بهما، لأنّه مشبعٌ بالحسين. ويا لوطنِ يلتقي فيه حقّاً السماء والأرض. وشهادتا الدّين والدّنيا. فلا يُضيّع الجنوب أصحابه، لأنّهم عندئذٍ يكونون قد رجعوا إلى حيث لم يرجع الحسين، ويكونون قد سلمت رؤوسهم، وعاشوا بيدين، ولكن، لا في تلك الحقُّ، ولا في الجنّة.

(5)

كربلاء

يا مساحة المرارة، وموشّحة الحزن، وغرف الغمام العراقيّة، وشبّابة الفرات التي بُحّت وما شربت، وحارسة المصابيح التي اشتعلت بزيت مسارج الجنة، خُذي الدّفء من وجه رباب، والحنان من فؤاد سكينة، ومن فاطمة الذّراع العفّ، ومن زينب رقّة الأخت، ورقّقي حواشي الرّيح، واملأي الأباريق، ولكن، لا تمدّي الوسادة الزينبية، وإنما هبيني، لمرة، ارح رأس الحسين على يدي.



ماجورين


ت ح ت المجهر
لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ الحسين (ع) في عمق التاريخ, منقول - ديوان الثقافة