في فناء منزلنا القديم، و بينا كنّا نلعب و نلهوا مع أقراننا، و سماء البراءة تحتضننا كالنجوم ، سمعت صوت باب إحدى السيارات يُغلق قريباً من باب بيتنا، و إذا بي أرى أصابعاً ممتدتاً من خارج البيت تمسك بالباب من الداخل، و كانت هذه الأصابع مائلةً إلى القصر و سمينة شيئاً ما، لم اصدق نفسي حينما شاهدت هذه الأصابع التي طالما مسحت على رأسي و التي طالما تسملت منها ما تتمناه و تتطلبه نفسي، نعم إن هذه الأصابع لم تتوانى في لحظة من اللحظات عن تلبية أي طلب لي، فهي تقاسي الحرارة و البرودة و الخشونة و كل ذلك من أجلي أنا.
فتح الباب، و اذا برجل يرتدي زي الوزارة - الخاكي -الذي يدل على عمّالها و فلاحيها، وغترته على رأسه و تتلامع فوق ذلك الوجه الذي اخترقته عرضاً تقاطيع الكدح- قطرات العرق كانها حبات لؤلؤ، فما كاد يرانا حتى تلاشت ملامح التعب و حرارة الشمس و عناء المواصلات من وجهه الشريف، و ابتسم ابتسامة الربيع حينما يستقبل الزهور، نعم فنحن كذلك ما إن لاح لنا هذا الشاخص، وبيديه التي لا تأتي فارغة.. بعض الأكياس التي تحتوي(الكباب و الچباتي و السمبوسة و الزلابية و الخنفروش) حتى تراكضنا نحوه هاتفين بكل شوق و محبة; أبي أبي أبي..
نعم إنه أبي، أنه سر وجودي، نعم فإن هذه الدنيا بجميع زبارجها و بكل ما يمكن لي تصوره لا تساوي شيئاً قبال أبي الذي جاع ليشبعني، و تعب ليريحني، و تعرّى ليكسوني.
أبي..
والله إن العبرة تأخذني، و أنا أكتب هذا الهباء المنثور الذي لا يساوي لحظة من لحظات عنائك في سبيل
رعايتي، بالله عليك من أنت يا أبي؟ أي رجل أنت؟ أتراني سأحبّ أحداً مثلك؟ آه آه آه
ماذا يقول المرء بعد أن سحقته عجلات الزمن.. هل لذلك الماضي من رجوع؟؟....
أبي..
أنا هنا،
أناديك..
هل تسمعني؟
أبي.. هل تسمعني؟
و الله إني لم افارقك لحظةً، فهل ستأتي يوماً لتعيد لي ما ابعده الزمن؟ أبي إليّ إليّ فأنا أفاخر الدنيا.. كل الدنيا.. لأنك أنت أبي لا سواك.