
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
-صدق الله العلي العظيم-
يتألف الإنسان من عنصرين: عنصر الروح وعنصر الجسد، والعنصران متلازمان ما دامت الحياة تدبُ في قلب الإنسان ولا يفرقهما إلا الموت، ولكل عنصرِ من العناصر حاجاته وخصائصه؛ فالجسد له حاجات فسيولوجية كالأكل والشرب والكساء وما شاكل من ضروريات الحياة ويمكننا القول أن الجسد يعشق الماديات ويحتاجها، أما النفس على الضفة المقابلة فتحتاج المعرفة والحرية والعدل وراحة البال وما إلى ذلك من القيم الروحية والنفسية المختلفة.
وعندما يحاول أحدنا أن يقترب بعدسة المجهر للتعرف على حقيقية الروح وأبعادها المختلفة، فإنه وبلا شك سيعود خالي الوفاض، وكيف لا يكون ذلك والله جل وعلا يقول في محكم كتابه: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾؛ لذلك فإنّ كل ما يتعلق بالروح هو أمرٌ غامض صعب الإدراك ورسائله غير مُلتقطة بمستقبلات الحواس الخمس التي يمتلكها الإنسان.
ومن أسرار الروح باطنها وهو الضمير الذي لا يمكن اكتشافه بسهولة حيث أن الأخير يكون عرضة للتغير بما يحويه المحيط والمجتمع تارة، والانفعالات والاضطرابات النفسية تارة أخرى. ولو رجعنا للمعجم للبحث عن معنى الضمير لوجدنا له عدّة معانِ، ما يهمنا منها هو التالي:
- جمع: ضَمَائِرُ. [ض م ر]: مَا يُضْمِرُهُ الإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ وَيَصْعُبُ الوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالقِيَمِ سَلْباً أَوْ إِيجَاباً.
- حِسٌّ باطنيٌّ يدرِك به المرء الخيرَ والشَّرَّ والحسن والقبيح من الأقوال والأفعال.
والضمير في علم النفس وفي قاموس العلماء النفسيين نوعان: ضميرٌ باطن وضميرٌ ظاهر، ولتسهيل مفهوم الضميرَيْن أنقل لكم القصّة التالية:

تصوروا أسرة متوسطة مسلمة عاشت حياتها في طهارة وشرف، فالزنا والاستهتار يعدان عملاً شنيعاً في أنظار أفراد الأسرة. ولم يسبق لهم أن دنسوا أذيالهم بتلك الجريمة. تتعارف فتاة من هذه الأسرة مع شاب بصورة سرية، وبعد عدة لقاءات عادية يتفقان على أن يقضيا نهاراً كاملاً معاً.
تخرج الفتاة بحجة التذاكر في الدروس والذهاب إلى بيت إحدى زميلاتها وتذهب مع رفيقها للنزهة إلى (الحديقة المائية)، يتنزهان لساعتين أو ثلاث، ويتلذذان بمشاهدة المناظر الطبيعية الجميلة... وعند الظهر يذهبان إلى بيت ما للاستراحة وتناول طعام الغذاء.
المحيط الهادئ وانعدام الرقيب عليهما يهيجان عواطف الشباب و ـ بصورة موجزة ـ ينال وطره من الفتاة . وبالرغم من أن الفتاة لم تكن تملك فكراً هادئاً من أول الصباح وكانت تحس بالقلق في باطنها، لكن فقدان بكارتها سبب لها انهيار شديد، ولكن الآوان قد فات، وقد وقع ما كان واجباً أن لا يقع. وعند المغرب يرجعان إلى المدينة.
كان غياب الفتاة هذا اليوم للمطالعة والتذاكر العلمي في الظاهر، ولكن قد وقع في الباطن اتصال غير مشروع. إن الفتاة تحس باضطراب شديد من جراء عملها هذا، وتشعر بأن شرفها مهدد بالخطر، فإن أفشي سرها فإن ذلك سيجر لها فضيحة عظيمة. إنها تفكر، وتخطط ، وتصمم في النهاية ـ خلاصاً من الفضيحة ـ أن لا تتزوج مدى العمر وتحتفظ بهذا السر، و تصحبه معها إلى القبر، ولتنفيذ خطتها هذه تبدأ بالتمهيد للموضوع، تتحدث عن مشاكل الزواج أحياناً.
ثم لا يمضي بضعة أشهر حتى يجيء إليها من يطلب يدها . الفتاة تختفي عن الخاطبات ، وتخبر أبويها وأفراد أسرتها عن امتناعها عن الزواج وتتحدث عن تصميمات دائماً: لا أتزوج، الرجال غير أوفياء، لا يوجد رجل في مجتمعنا. لماذا أتزوج؟ لماذا أرمي بنفسي في دوامة المشاكل والآلام؟ وما أكثر الفتيات اللاتي تزوجن ورجعن بعد عدة أشهر إلى بيوت آبائهن، حوامل، وقضين حياة ملؤها الكدر والأسى. إني لا أرمي بنفسي في هوة الشقاء والتعاسة أبداً ! وتكثر من الحديث عن أمثال هذه القضايا وتستشهد ضمناً بحياة بعض الفتيات.
ولكنه يوجد في باطن الفتاة ضمير مستتر آخر تكتمه عن كل أحد. ولكنها حين تختلي بنفسها أو تذهب إلى الفراش تتحدث إلى نفسها: ما أشأم ذلك اليوم ! لماذا ألقيت بنفسي في هذه المخاطر؟ كيف أديت بنفسي إلى الشقاء والتهلكة كيف أعيش عمري وحيدة محرومة من لذة الحياة الزوجية؟ تتحدث مع نفسها عن الماضي دائماً وتظهر الندم والأسف باستمرار، وقد تهمي الدموع لذلك !!.

يوجد في باطن هذه الفتاة ضميران: أحدهما ظاهر والآخر ضمير باطن.
لقد رتبت الأحاديث في ضميرها الظاهر وأينما جلست تتحدث قائلة: لا أتزوج، الرجال غير أوفياء، لا يوجد رجل في مجتمعنا أصلاً، لا أسبب الشقاء لنفسي، وما شاكل ذلك من الأحاديث..
أما في ضميرها الباطن فتوجد أشياء لا ترضى بأن تخبر عنها أحداً. وهي المطلعة عليها فحسب. لماذا خرجت للنزهة؟ لماذا عاشرت رفيق السوء؟ لماذا أشقيت نفسي مدى العمر؟ وما شاكل ذلك..
الآن،،
كيف يمكننا إكتشاف ضمير الفتاة الباطن؟!
هل يمكننا ذلك؟!
لقائنا في الحلقة القادمة بإذن الله...!
مع تحياتي،،
أبو كوثر