مشاهدة الموضوع الأصلي: الحلقة الثالثة: طرق أخرى لاكتشاف السر الباطن
ديوان الثقافة » الدواوين العامة » الديوان الاجتماعي التربوي
أبو كوثر

ديوان الثقافة


ملاحظة: هذا الموضوع تابع لموضوعين آخرين وجب الاطلاع عليهما قبل الشروع في القراءة لاتصالهم الوثيق ببعضهم البعض وإليكم الوصلات (الحلقة الأولى: ما هو الضمير الباطن والضمير الظاهر؟، الحلقة الثانية: طرق إكتشاف السر الباطن).

تعرفنا في الحلقة السابقة على أهم طريقتين للتعرف على السر الباطن أو الضمير الباطن للإنسان ولقد أجمل الإمام علي ذكرهما في قوله: ( ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه)، ويسرنا أن نتابع معكم عرض الطرق الأخرى التي قد تعتبر ثانوية وعملية أكثر من سابقتها.

ولنكمل الحديث عن الطرق المستخدمة لكشف الأسرار الباطنية للإنسان لابد لنا من ذكر التالي:

ديوان الثقافة

3- قوّة الوجدان:

يعتبر الإسلام أن كل فرد من أفراد هذا المجتمع يملك قوة باطنية تميز الخير والشر تسمى الوجدان الأخلاقي وهي قوة فطرية أي أنها جزء لا يتجزأ من بناء الإنسان، وقد ورد ذكر هذه القوة بعدّة أشكال بالقرآن الكريم كقوله:﴿ ونفسٍ وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها ولقد ورد عن الصادق في تفسير هذه الآية قوله: «بين لها ما تأتي وما تترك».

وينقسم الوجدان الأخلاقي إلى قسمين رئيسين هما (الوجدان الفطري) و (الوجدان التربوي)، والتفصيل كالتالي:

الوجدان الفطري يشمل جميع الأمور الخيّرة والشريرة التي تذكرها جميع الأمم والشعوب وهي لا تحتاج إلى معلم بل هي فطرية. وكمثال على ذلك لنفرض طفلاً يملك تفاحة، ويودع تفاحته عند آخر ليذهب إلى غسل يديه ويرجع. إنه يتوقع ـ طبيعياً ـ وينتظر ـ فطرياً ـ أن يسترجع أمانته. فإذا جاء ووجد أن الطفل الآخر قد أكل التفاحة فإنه يتألم ويلومه ويدينه بفعل قبيح. وأما الطفل الذي أكل التفاحة فانه هو الآخر يحس بالتألم، ويضطرب، يصفر وجهه، يحاول الفرار والابتعاد عن ساحة الخطيئة. وكذلك الأطفال المتفرجون فانهم يعتبرون هذا الفعل خطأ، ويدركون بأن الذي أكل التفاحة قد ارتكب فعلاً قبيحاً. هذا الاحساس أو الشعور لا يرتبط بالتعليم والتربية وإنما هو إدراك ينبع من أعماق الفطرة وموجود عند جميع الأطفال.

وفي الجانب الآخر هناك الوجدان الأخلاقي التربوي والذي تتحكم فيه التربية، فنحن على سبيل المثال تعلمنا من الرسول مُثلاً وقيماً كثيرة إكتسبناها بفضل تربية الرسول لنا فلذلك فهي ليست فطرية.

والآن؛ وللتعرف على طريقة عمل الوجدان الأخلاقي في إظهار السر الباطن، نسوق إليكم القصّة التاريخية التالية وهي من روائع قضاء الإمام علي ، وهي كالتالي:

«يحكى أن غلاماً جاء لعمر الخطاب يدعوه للحكم بينه وبين أمه وهو يقول: يا أمير المؤمنين أنها حملتني في بطنها تسعاً وأرضعتني حولين كاملين فلما ترعرعت وعرفت الخير من الشر، ويميني من شمالي طردتني وانتفت مني وزعمت أنها لا تعرفني، فجيء بالأم فأنكرت ذلك وقدمت على قولها 40 شاهداً، وعلى إثر ذلك سيق الغلام إلى السحن لجلده حد المفتري، فلَقي في الطريق أمير المؤمنين علي فقصّ عليه ما حدث، فتدخل أمير المؤمنين لحل القضية وكان تدخله كالتالي:

جاء بالأم وبعد سماعها لشكوى الإبن، سألها عن مدى صحة ما يقول الابن فأجابت بمثل ما أجابت سابقاً وقدمت نفس الشهود على ذلك، فقال أمير المؤمنين : لأقضين اليوم بينكم بقضية هي مرضاة الرب من فوق عرشه. علمينها حبيبي رسول الله .


فقال لها: ألك ولي؟

قالت: نعم! هؤلاء إخوتي .

فقال لأخوتها: أمري فيكم وفي أختكم جائز؟

قالوا: نعم يا بن عم محمد، أمرك فينا وفي أختنا جائز.

فقال علي : أشهد الله وأشهد من حضر من المسلمين أني قد زوجت هذا الغلام من هذه الجارية بأربعمائة درهم والنقد من مالي . يا قنبر: علي بالدراهم. فأتاه قنبر . فصبها في يد الغلام فقال : خذها وصبها في حجر امرأتك ولا تأتنا إلا وبك أثر العرس ـ يعني الغسل ـ فقام الغلام فصب الدراهم في حجر المرأة. ثم تلببها ، وقال لها: قومي .

فنادت المرأة: النار النار يا بن عم محمد أتريد أن تزوجني من ولدي؟ هذا والله ولدي، زوجني إخوتي هجيناً فولدت منه هذا. فلما ترعرع وشب أمروني أن أنتفي منه وأطرده هذا والله ولدي، وفؤادي يتغلى أسفاً على ولدي، قال.. ثم أخذت بيد الغلام وانطلقت، ونادى عمر: واعمراه لولا علي لهلك عمر
».

إن التزوج بالأم قبيح ومذموم في الضمير الباطن، وفي الوجدان الأخلاقي التربوي للناس، ولقد استفاد الامام علي في مقام القضاء ولكشف الواقع من قوة الوجدان، واكتشف ضمير المرأة، وحملها على الاعتراف بالواقع الذي حاولت إخفاءه، وإذا كان الوجدان الأخلاقي التربوي مؤثراً لهذه الدرجة في الوقاية من الانحراف فمن البديهي أن تأثير الوجدان الأخلاقي الفطري الذي هو جزء من الفطرة الانسانية في إصلاح المجتمع أشد وأعمق.

ديوان الثقافة

4- تسارع نبض القلب:

وللتعرف على الموضوع ننقل إليكم القصة المعروفة عن (ابن سينا) وهي كالتالي:

« لقد حضر ابن سينا عند مريض كان يخفي في ضميره عشقاً شديداً لا يستطيع إظهاره، أخذ نبضه في يده وطلب ممن كان يعرف أسماء محلات المدينة أن يذكرها واحدة بعد الأخرى، وعندما وصل إلى إسم إحدى المحلات أخذ نبض المريض يدق بسرعة شديدة. فأمر ( إبن سينا ) أن يذكر أسماء أزفة تلك المحلة. ولقد أدى ذكر اسم أحد الأزقة إلى الاسراع في نبض المريض. وأخيراً طلب أن يذكر له أسماء البيوت التي في ذلك الزقاق. وأسماء الساكنين في تلك البيوت، حتى جاء ذكر فتاة، فاشتد نبض المريض بصورة فائقة.. وهناك توجه ( إبن سينا ) إلى الحاضرين وقال لهم: إن هذا المريض يعشق فتاة ذلك البيت وأغرم بها».

لقد توصل ( إبن سينا ) إلى اكتشاف سر المريض عن طريق دقات نبضه واكتشف عشقه وغرامه لتلك الفتاة.

.. الإخوة الأعضاء ..

لقد حاولت جاهداً أن تكون هذه آخر الحلقات
ولكنني لم أوفق لشدّة تشعّب الموضوع وكثرة الأفكار
وأخاف أن يطول المقام بنا فيمل الأعضاء الحلقات

(لا أعلم) ibf_confused.gif

عموماً، ربما تكون الحلقة القادمة هي الأخيرة
وقد راعيت عدم طول الحلقة لكي لا يعزف الأعضاء عن القراءة


نلقاكم في الحلقة الأخيرة بإذن الله..!

مع تحياتي،،

أبو كوثر ph34r.gif
الجارح
ونحــن ننتظــر

خــلاص بعرف شنو يخفــون اخـواني في ضميرهـم yahoo.gif
زهور
رائع بكل ما للكلمة من معنى!
شكراً جزيلاً وننتظر القادم بفارغ الصبر.. rolleyes.gif
كتلة فنون
رائع أخي أبو كوثر
أتشوق للمزيد...

بنتظار الحلقة القادمة على أحر من الجمرhappycrying.gif ...
أطياب
احسنتم اخي على ماكتبتم
ونتظر البقية

وجزيت خيرا
حمّاد


كما يذكر ان الامام عليا اقتدى بهدى الرسول الكريم، اذ قرر الحكم باثبات النسب بالقيافه فى اكثر من قضيه((277)) من دون ان اعثر على ما يويد الاتفاق فى ذلك. وقد علل الامام عله اختلاف لون الوليد عن لون والديه الى مجامعه الاب لامه اثناء حيضها، ففى قضيه عرضت عليه ايام خلافه عمربن الخطاب كان الاب قد نفى ابوته لوليد له اسود، وعندما عرف الامام ان الاب كان يواقع زوجته ايام حيضها، قرر نسبته اليه معللا حكمه هذا بان سواد لون الابن راجع الى عدم طهاره امه اثناء الجماع بها من زوجها حيث كانت حائضه((278)).

وفى قضيه مشابهه جاء رجل بامراته التى ولدت له غلاما ابيض، وهما اسودان. وعندما ساله عن حاله اجاب انه اتاها، وهى طامث. لهذا قرر الامام ان الابن ابنهما، وقال لهما: (فانه ابنكما، وانما غلب الدم النطفه، ولو قد ترك اسود فلما ايفع ابيض)((279)). ثانيا الفراسه:

الفراسه هى من القرائن الموضوعيه التى يفطن اليها من اللجاج والامارات وظواهر الملامح والاشياء، فيستنبط منها امرا ما ويستدل بها احيانا على حقيقه معينه. ولقد ورد ذكرها فى كتاب اللّه العزيز، فى قوله تعالى: (ان فى ذلك لايات للمتوسمين)، فالفراسه مبنيه على العلامات والامارات المرتسمه على الانسان وعلى الحدس، فالمتهم عندما يستجوب قد يتغير وجهه، وقد يتصبب عرقا فى فصل الشتاء بفعل مباغتته، او مفاجاته، بسوال معين. وقد يتلكا فى كلامه او ينعقد لسانه فلا يستطع النطق رغم ظهور محاولات الاجابه..

فهذه قرائن تفصح عن اشياء، وقد تدل على حقائق مجهوله احيانا. ويعزز من قيمه مثل هذه القرائن اذا ما عرف المتهم بانه صاحب سوابق اجراميه او تحقيقيه تثير الشبهه مثلا.

ومن السوابق القضائيه التى اعتمد قضاء الامام على فيها على الفراسه نذكر شكوى كان قد تقدم بها احد الفتيان، مدعيا ان امه انكرت بنوتها له، وكانت من قبيله قريش. وعززت انكارها للفتى بشهاده اخوتها مع اربعين نفر من قومها قسامه((280)) وعندما تفرس الامام فى وجهها ووجه الفتى، بادر بمفاجاه من كان حاضرا من ذويها فى مجلس قضائه بالحكم بان امر بعقد قرانها على الفتى، على مهر قدره اربعمائه درهم نقدا، وامر بتسليمه من بيت المال الى الفتى. فهنا لم تتمالك المراه نفسها واعترفت قائله: (ياابن عم محمد، تريد ان تزوجنى من ولدى هذا؟!). ثم اعترفت له بان الذى اجبرها على انكاره هم اخوتها المذكورين((281)) فالامام هنا ما كان ليصل الى اكتشاف هذه الحقيقه لولا دقه فراسته، ولربما لاحظ فى وجه المراه ما ينم على خوفها من اخوتها وابناء عشيرتها، فمن يدرى؟ ثالثا الحالات النفسيه والانفعالات العاطفيه:

وهذه تدخل ضمن قائمه القرائن التى يستدل بها على امر معين، فقد سلف وتطرقنا الى حادث النزاع الذى حصل بين امراتين تدعى كل منهما امومه طفل حديث الولاده من دون بينه، فامر الامام على باحضار منشار لقد الطفل نصفين، لتاخذ كل منهما النصف ولما تنازلت احداهما عن حصتها، رافه بالطفل، ومقابل ان يبقى حيا، اعتبر ذلك قرينه على ان الطفل ابنها وحكم لها به. فانفعالها العاطفى هذا وتنازلها عن حصتها لغريمتها لقاء عدم قد الطفل يمثل قرينه فاعله على كونها هى الام الحقيقيه ولا تفسير آخر له.

ومن الحالات النفسيه نذكر، ايضا، حادث النزاع الذى حصل بين شخصين كل منهما يدعى انه سيد صاحبه، ولم يكن لدى اى منهما ما يثبت ادعاءه، فطلب الامام من قنبر ان يثقب جدارا ثقبين، ثم امر ان يدخل كل منهما راسه فيهما، ثم قال: يا قنبر على بسيف رسول‏اللّه، عجل به، واضرب رقبه العبد منهما، وهنا اخرج احدهما دون الاخر راسه من الثقب بشكل لا شعورى فاستدل بذلك على انه العبد، اما الذى مكث فى الثقب فهو السيد((282)). ، فلولا دافع الخوف من ان يوخذ راسه ظنا منه باكتشاف امره لما اخرج راسه من الثقب بعد شعوره بالخطر -الموهوم‏الذى احدق به.رابعا ما تعارف عليه الناس:يستفيد القاضى مما تعارف عليه الناس فى اصدار الحكم، فامتعه الزوجيه واثاثها، مثلا، لا يصح ان يدرج فى قائمتها السلاح او ادوات مهنه الزوج، لان الشاهد العرفى عليها يشهد بانها للرجل بينما الجواهر والقطع الذهبيه وغيرها مما تتخذه المراه زينه لها يحكم بها للمراه، اذا لم يدحضها ما هو اقوى من قرينه مثل هذا العرف.ومن السوابق القضائيه التى يصح الاستشهاد بها هنا، للامام على، قضيه الرجل الذى ادعى العمى وفقدان حاسه الشم نتيجه ضربه شديده وجهها اليه المشكو منه فى هامته((283)). فكان قضاء الامام فيها الطلب من المشتكى رفع راسه ووجهه امام عين الشمس، فان كانت عينه صحيحه فانه لن يقوى على مواجهه اشعه الشمس من دون اغماضها. اما فقدان الشم فقد طلب الامام بجلب ما هو شديد الرائحه - كالبصل الحار- ووضعه قرب انف المدعى، فان كانت حاسته سليمه فلا بد من ان يظهر تحسسها فيه وفى غدده الدمعيه، فهذا يمثل قرينه على كذب دعواه، ذلك لان المتعارف بين الناس ان عين الانسان الصحيحه لا تستطيع ان تواجه ضوء الشمس، وتبقى مفتوحه، كما ان شده الرائحه تثير حساسيه العين والانف ايضا.

ولنكتف بهذا القدر من الامثله من دون الاسترسال او التوسع الذى يخرجنا عن خطه الكتاب، مع ملاحظه ان هناك صورا اخرى للقرينه، مثل بصمات الاصابع والوشم على الجلد ومساله الحاله الراهنه لموضوع النزاع، اذ قد يكون قرينه على صدق دعوى الخصم، وذلك عملا بما يعرف بمصطلح الاستصحاب المقلوب الذى يعنى سحب حاله الماضى الى واقع الحاضر او ابقاء ما كان على ما كان، وما الى ذلك من امور افاض الفقهاء فى بحثها فى موسوعاتهم الاصوليه، فيمكن لمن شاء مراجعتها.

المبحث السادس المعاينه والكشف:

الكشف على الشخص، او الشى‏ء، ومعاينته من قبل القاضى او الخبير المعين من قبل المحكمه او الخصوم لبيان خبرته -علميه كانت ام فنيه ام ادبيه- فى الواقعه وما يستشفه من معلومات على ضوء خبرته ودرايته بهدف التثبت من ادعاء معين او حقيقه ما، امر نستلهمه من قضاء الامام على من خلال بعض سوابقه((284)) فهذه الوسيله اعتمدها طريقه من طرق الاثبات. ولناخذ مثلا القيافه فهى فى حقيقتها تعتمد على المعاينه والكشف من قبل خبير مختص فى هذا الحقل، لا بل ان القاضى الاسلامى يحتاج الى ان يعاين اثناء سير الدعوى الواقعه الماديه المتنازع عليها وان يكشفها بنفسه، كما ان له ان يعين خبيرا لتقديم خبرته التى يصح للقاضى لا قبولها فحسب بل رفضها اذا ما وجد ما يسوغ ذلك((285))، وهذا هو الاتجاه المعمول به فى التشريعات المعاصره، ويويده الفقه والقضاء((286)). فاذا كان المنطق يقضى بوجوب الكشف على مكان الحادث المتنازع عليه او الذى تمت فيه الواقعه موضوع الدعوى، ولتكن جريمه القتل مثلا كى تضبط الاله المستعمله، او تصوير بصمات الاصابع التى تركها الجانى لعرضها على خبير البصمات، او ضبط المقذوف النارى او الحشوه الفارغه للسلاح المستعمل، بغيه فحصها من قبل خبير الاسلحه الناريه بغرض مطابقتها مع ما يكتشفه الطبيب العدلى فى جسم القتيل، وهو من مستلزمات التحقيق، بغيه جمع الادله وصولا الى كشف حقيقه الحادث، فكيف يتم كل ذلك اذا لم يتم الانتقال الى المكان المذكور ومعاينته؟ واذا كانت مثل تلك الوقائع تحصل فى الحياه اليوميه لبنى البشر واخذت تزداد مع الايام، فان توجه الامام على الى الفحص والاختبار والمعاينه من قبل خبير معين لبيان خبرته ودرايته فى مساله معينه، امر لا غبار عليه. فلقد حدثنا التاريخ عن قضيه اخذت من شريح منتهى عجبه واستغرابه، وذلك عندما جاء اليه احد الاشخاص قائلا: زوجنى ابى على انى انثى، وابتعت جاريه تخدمنى، فافضيت اليها فحملت منى. فعرض شريح القضيه على امير المومنين على‏بن ابى طالب، فقرر تعيين عدلين من المسلمين، وامرهما بالحضور فى بيت خال من السكن، واحضر امراتين للكشف عن عوره ذلك الشخص، وطلب من العدلين مراقبه الامراتين فى مدى تنفيذ ما طلب منهما. وبعد التيقن من ان ذلك الشخص يحمل اعضاء الجنسين وخصائصهما الحقه بمراتب الرجال كون صفه الذكوريه غالبه فيه وجعل حمل الجاريه منه والحقه به((287)). وفى قضيه اخرى((288)) مجملها ان امراه اتهمت بالزنا، وجى‏ء بها الى امير المومنين، فامر النساء بالكشف عليها للوقوف على حقيقه الاتهام المسند اليها، فقلن بعد الكشف والمعاينه انها عذراء لسلامه غشاء بكارتها وهن اعرف بامور جنسنهن وخصائصه. فهذه المعاينه التى توجه الى تقريرها الامام على تمثل دليلا فى قضائه اعتمده فى اثبات براءه تلك المراه من الاتهام الذى نسب اليها.

فالمشاهده اذن تعد من اصول الاثبات عند الامام على سواء اكانت من قبل طبيب شرعى او من غيره من الخبراء، وذلك تبعا لاختلاف الواقعه المراد معاينتها، ولكل خبره خبيرها((289))، حيث ان مجال الخبره يظهر فى عده صور، ففى المسائل الجزائيه نذكر بصمات الاصابع وآثار الاقدام والبقع وآثار الاسلحه ووسائط النقل((290)) وقد يشترك بعضها مع المسائل المدنيه وقد لا يشترك، ومن هذه المسائل الاخيره نذكر آثار تجاوز البناء او شق الترع والمرور، وما اليها، مما يتنازع فى صدده.

المبحث السابع القرعه:

القرعه من الوسائل التى تساعد على كشف الحقوق وحسم النزاع، وقد حدثنا القرآن الكريم عن توجه بعض الانبياء اليها اذ جاء فى قوله تعالى عن زكريا وكفالته لمريم العذراء: (وما كانت لديهم اذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم)، وعن النبى يوسف قال تعالى: (فساءهم فكان من المدحضين). وفى قضاء الرسول الكريم ما يشير الى توجهه اليها فى بعض المنازعات، وكان يقول ما ملخصه:

انما اقضى بينكم بالبينات والايمان، مع ان ثبوت اليمين فى من اخرجته بالقرعه له اولويته، كما جاء فى جواهر الكلام الذى جاء فيه ايضا: (انه لما كانت القرعه تصيب وتخط‏ى‏ء، لهذا يقتضى ان تقوم على النيه الخالصه ووجوب معرفه مواضعها وكيفيتها لان مردها اساسا الى اللّه وبخالص النيه).

وقد اعتمد على بن ابى طالب القرعه فى بعض قضاياه، فعند مراجعه شذرات من سوابقه نجده قد اخذ بالقرعه فى موطنين:

الاول: فى المسائل المشكله، او القضايا العويصه الغامضه، التى اسفر عنها مبدا (كل امر مجهول فيه القرعه)((291)).

اما الثانى: فينصب على القضايا التى تتعارض فيها البينات والتى لا مرجح شرعيا بينهما.

ففى القضايا الغامضه، ذات الاشكاليه الواضحه، نذكر من سوابقه اليتيمه قضيه الدار التى انهدمت على ساكنيها فى اليمن، ولم يبق من سكانها حيا سوى صبيان احدهما حر والاخر مملوك، ولم يعرف ايهما الحر من المملوك، فاسهم الامام بينهما قرعه فخرج السهم على احدهما، فجعل له المال الذى تركه له اهل الدار واعتق الاخر((292)).

ومن سوابقه نذكر الروايه التى تقول ان الرسول الكريمساله عند عودته من اليمن عن اعجب ما ورد عليه من القضايا، فقال: يا رسول‏اللّه، اتانى قوم قد تبايعوا جاريه فوطئها جميعهم فى طهر واحد فولدت غلاما فاحتجوا فيه كلهم يدعيه، فاسهمت بينهم فجعلته للذى خرج سهمه وضمنته نصيبهم. فقال الرسول: ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا امرهم الى اللّه الا اخرج سهم المحق((293)).اما القضايا التى تعادلت فيها البينات والتى لا مخرج شرعيا لها، ولا مرجح فيها، فمن قضائه فيها انه اتاه رجلان يختصمان بشهود عدل متساوين بالتقابل، فاقرع الامام بينهم على ايهم يصير اليمين، وكان يقول: اللهم رب السماوات السبع، ايهم كان الحق له فاده اليه، ثم يجعل الحق للذى يصير عليه اليمين اذا حلف وفى موثق سماعه((294))، اما فى حاله امتناعه عن الحلف احلف الاخر وقضى له وان نكلا قضى به بينهما((295)). وفى قضيه مماثله((296)) جاء فيها ان رجلين اختصما فى دابه فادعى كل واحد منهما انها له وقدم بينته وكانت البينتان متعادلتين ومتعارضتين، فاقرع بينهما سهمين بعد ان وضع فيهما علامه، ثم قال:

اللهم رب السموات السبع، ورب الاراضين السبع، ورب العرش العظيم عالم الغيب والشهاده، الرحمن الرحيم، ايهما كان صاحب الدابه وهو اولى بها، فاسالك ان تخرج سهمه فخرج سهم احدهما فقضى له بها، وقد استلهم العديد من الفقهاء والاعلام من السلف الصالح من السوابق القضائيه للامام فى هذا الجانب محصلتها بالشكل الذى ادى بهم الى استنباط قاعده فقهيه موداها انه: (لا قسمه فى الشى‏ء المحدود بتعارض البينات بدون قرعه)((297)).

المبحث الثامن الطرق المعتمده على العلم ومستحدثاته:

مما لا جدال فيه ان الاثبات يتطلب استظهار كافه الوقائع التى تودى الى كشف الحقيقه وصولا الى احقاق الحق والعداله.

ومثل هذا الاستظهار يدخل فى باب الواجب الذى على القاضى مراعاته. وحيث ان ما يعرف به الواجب واجب -كما اسلفنا- فان بذل القاضى جهده لغرض كشف حقيقه النزاع المعروض امامه اذ (لا يكتفى بادنى فهم دون اقصاه) لما تحصل لديه من ادله فى مجلس كى يستند اليها فى حكمه الذى سيصدره اذ لا حكم من دون دليل ولا قناعه بلا تعليل امر لا مراء فيه.

والحق ان العمليه القضائيه، عند الامام على، توكد لنا انه لم يال جهدا فى خوض الغمرات لكشف المبهمات والاخذ بايه وسيله متاحه لديه ومقنعه للاثبات حتى لو كانت قد اعتمدت العلوم البحته كالطب والكيمياء او الفيزياء، ما دامت مقبوله شرعيا، حيث كانت تزوده بحلقه ذات قوه اثباتيه بذاتها او انها تقوى حلقه ضعيفه اخرى وتدعمها((298)). فقد سبق واشرنا الى القضيه التى نفى فيها الشيخ افتضاضه لبكاره زوجته الشابه وانكر بالتالى حملها منه، فكان حكمه فيها: ان للمراه ثقبين احدهما للمحيض والاخر للبول، فلعل الشيخ كان ينال منها فسال ماوه فى سم -اى ثقب- المحيض فحملت منه -وهذه حقيقه علميه اثبتها الطب الحديث- لهذا قرر بان الحمل له والولد ولده((299)) والدليل الذى استظهره هنا يقوم على علم الطب، ونقل ابن طاووس فى الملاحم والفتن انه كان لرجل جاريتان، وقد وضعهما فى دار واحده فولدتا فى يوم واحد وتحاكمتا اليه، اذ ولدت احداهما ذكرا والاخرى انثى وادعت كل منهما انها ام الذكر، فوزن حليب كل من المراتين فكان احد الحليبين اخف فقرر لصاحبه اللبن الخفيف بالبنت ولصاحبه اللبن الثقيل بالذكر((300)). ثم اضاف قائلا: ان اللّه حط المراه عن الرجل فجعل عقلها وميراثها دون عقله وميراثه و كذلك لبنها دون لبنه((301)) فقد اعتمد هنا على خصائص حليب الام شانه شان اعتماده على خصائص بياض البيض وما يميزه عن الماده المنويه فى القضيه التى سبق ذكرها، فى مبحث الكفاءه العلميه للقاضى من هذا الكتاب.

الفصل الثالث:قرار الحكم عند الامام على المعلوم ان القاضى بعد انتهائه من سماع حجج الخصوم وبيناتهم ودفوعهم، علاوه على طلبات اطراف الدعوى واقوال من له علاقه بها، لا بد من ان تكون قد تكونت لديه قناعه معينه بشان موضوع النزاع فيها، وبانت له حقيقته وبالتالى تكون الدعوى عنده قد تهيات للحسم.

والطريق الطبيعى لحسمها وانهاء الخصومه فيها يكون باصدار قرار حكمه النهائى فيها على نحو ملزم. وهذه هى المهمه الاساسيه والنتيجه التى ينتظرها منه اطراف النزاع، فما هو مفهوم الحكم هذا؟ وما هى عناصره فى المنظور الاسلامى؟ وما هو منهج الامام على فى تنفيذه؟ وفى سبيل الاجابه لا بد من بحث الامر فى جانبين، وهذا ما سيقوم عليه المبحثان التاليان:

المبحث الاول مفهوم الحكم:

يعرف الحكم بانه اخبار عن حكم اللّه تعالى يصدره القاضى فى صيغه قرار يفصل به النزاع المعروض، فتنتهى به الخصومه وتحسم الدعوى((302)) وذلك باحد حلين -كما المحنا- الاول اجابه طلبات المدعى فى ما يسمى بقضاء الالزام او قضاء الاستحقاق وغالب الاحكام هى الزام((303)).

اما الحل الثانى فينصب على رفض طلب المدعى ومنع منازعته للمدعى عليه فى ما يسمى بقضاء الترك او الاطلاق((304)) كالحكم باطلاق المحبوس((305)) -اى الموقوف رهن التحقيق فى المصطلح القانونى المعاصر- لعدم ثبوت الحق عليه او ابقاء صاحب اليد يده على الشى‏ء ومنع منازعته فى ملكيته من قبل المدعى.

ولم يكن فى نهج الامام على شكل معين لصيغه القرار بالحكم، فهو يقوم على تعبير يودى الى احقاق الحق وتنفيذ حكم الشرع فى اسرع وقت ممكن لايصال كل ذى حق الى حقه. ومن خلال استعراض قضايا الامام فان الذى نستدله من شذراته القضائيه وسوابقه العدليه ان قرار الحكم فيها يقوم على العناصر التاليه:

1 - وقائع الدعوى والادله التى تثبت وجودها عبر مجريات المرافعه او التحقيق فان لم تتوفر الادله الكافيه التى تعزز ادعاء المدعى يصار الى يمين المدعى عليه عاده للحسم وانهاء الخصومه.

2 - تكييف تلك الوقائع ووصفها بالوصف الشرعى المناسب، اذ لا تصح الاستنباطات الظنيه كما علمنا.

3 - تطبيق حكم اللّه تعالى على تلك الوقائع اتباعا لقوله تعالى:

(يحكم به ذوا عدل منكم). وتطبيق حكم اللّه هو العدل عينه، وقد سلفت الاشاره الى ما جاء فى وصيه الامام على الى كميل‏بن زياد، وهى: (يا كميل لا تاخذ الا عنا تكن منا)، لان اهل بيت الرسول -والامام على ياتى فى مقدمتهم- هم اقرب موردا واوثق مصدرا لعلم الرسول الامين.

فاستنباط الاحكام النظريه، بوصفها حلولا عمليه لجزئيات القضايا المطروحه فى ساحات القضاء، يقتضى ان تتم على ضوء احكام البارى المستمده من اصولها المعتبره، او من سنه كان الامام اعلم بها من غيره، لهذا وصفه نبى الامه بانه اقضى الامه واعلمها بالفقه والشريعه، لا بل (كان اقدرهم على تطبيق احكامها)((306))، وادقهم فى التعليل والتسبيب، ولعل خير شاهد على عمق تسبيبه للاحكام ان نذكر تعليله النموذجى الوارد فى عقوبه المسكر، اذ جاء فيه: (ان الرجل اذا شرب الخمر سكر واذا اسكر هذى واذا هذى افترى فاجلدوه حد المفترى).

وهذا ما تفيده المصادر التى تطرقت الى قضائه((307)).

المبحث الثانى تنفيذ قرار الحكم:

التنفيذ هو الهدف من الحكم، وبه يتجسد مضمونه الى واقع تنقل فيه الحقوق وتستوفى فيه الحدود، ولما كان قرار الحكم ينصب على احد امرين اما مدنى او جزائى، فلا بد والحاله هذه من بحثهما فى مطلبين مستقلين لاختلاف طبيعه التنفيذ فى كل منهما.

المطلب الاول تنفيذ القضايا المدنيه:

يتم تنفيذ الحكم، فى المسائل المدنيه، بارجاع عين المدعى به فى حاله وجوده او ابقائه بيد حائزه((308)) اما اذا كانت العين فى يد الخصمين معا، ولكل منهما ادعاء فى ملكيتها من دون بينه، فان الامام كان يميل الى تحليفهما على نحو ما اوضحنا فى مبحث اليمين. والتنفيذ فى هذه الحالات يطلق عليه فى مصطلح الفقه القانونى المعاصر التنفيذ العينى.

اما اذا استهلك الشى‏ء المدعى به فان تنفيذ الحكم فيه يتحول الى البدل، وهو نوعان: بدل مثلى كالحبوب وبدل قيمى كالفاكهه التى انتهى موسمها.

وفى حاله امتناع المحكوم من تنفيذ الحكم، فان كان هذا الامتناع بسبب الاعسار فكان الامام يتعامل معه حسب حكم الايه الكريمه (وان كان ذو عسره فنظره الى ميسره)((309)) وبخلافه فانه كان يامر بحبسه -شان المدين الموسر تماما- اما عند تحقق اعساره او افلاسه فكان يطلق سراحه حتى يستفيد مالا((310)).

اما بصدد ما اذا كان المحكوم عليه غائبا، فمن المتعذر تنفيذ الحكم عليه لمجهوليه محل اقامته او لهروبه، وذلك عدا العقارات. ولكن فى حاله ما اذا كان له كفيل فان الامام عليا كان يقضى بحبس هذا الكفيل وسيله للضغط لاحضار مكفوله((311)). المطلب الثانى تنفيذ القضايا الجزائيه:

من خلال مراجعه سريعه للسوابق القضائيه للامام على، نجد ان منهجه فى تنفيذ الاحكام الجزائيه يتم بشكل فورى، باستثناء الجرائم الحديه التى يتولى الحكم فيها غيره. فقد علمنا انه طلب من قاضيه شريح‏بن الحارث عدم تنفيذ ايه عقوبه حديه الا بعد عرضها عليه، وذلك لجسامه العقوبه وخطوره الجريمه الحديه التى يجب عدم تعديها او الاعتداء عليها او تعطيلها بعد ثبوتها((312)). هذا فضلا عما اكتشفه من حصول اخطاء جسيمه فى بعض مفردات قضاء شريح التى نقضها الامام وصحح بعضها.

ومن المبادى‏ء المهمه المستنبطه، من قضاء الامام، انه لم يعاقب عن الجريمه الواحده باكثر من العقوبه المقرره لها شرعا، سواء اكانت هذه الجريمه حديه ام من جرائم القصاص والديه الا اذا اكتنفتها ظروف مشدده كحاله السكر ايام شهر رمضان المبارك مثلا((313)).

اما فى ما يخص الجرائم غير مقدره العقوبه، وهى الجرائم التعزيريه فان امر العقوبه فيها متروك لولى الامر وللقاضى الذى له سلطه تقرير العقوبه التى يراها مناسبه لكل جريمه تعزيريه على حده، وذلك وفقا لظروفها وظروف مرتكبها وما اكتنفها او اكتنف فاعلها من ملابسات. لهذا تصح المعاقبه عليها باكثر من عقوبه واحده، فقد قرر الامام مثلا فى شاهد الزور الغريب ارجاعه الى منطقه سكناه، فى حين قرر فى شاهد زور سوقى ان يطاف به فى السوق ثم امر بحبسه اياما، ثم اخلى بعدها سبيله((314)).

اما فى جرائم الاشتراك، ففى قضيه قتل، قرر الامام حكمه باعدام القاتل الاصلى، قصاصا، فى حين ان مساعده الذى كان دوره يتمثل بالامساك بالمجنى عليه تسهيلا للجانى فى قتله، فقد امر بحبسه مدى الحياه((315))، وفى هذا الحكم دقه متناهيه فى تطبيقه لاحكام البارى، فقد اقتص من القاتل بما يماثل فعله، اما شريكه الذى ساعده فى الجريمه فلم يقتله قتلا فوريا انما قتله قتلا بطيئا حيث قرر حبسه حتى الموت((316)). ، وهذه عقوبه تعزيريه مناسبه حقا لفعله الجنائى.

والاصل، فى قضاء الامام، فوريه تنفيذ العقوبات، وخصوصا فى الحدود من دون اى تاخير او امهال، والا فلا يحكم عند عدم كفايه الدليل، اذ قضى فى ثلاثه شهدوا على رجل بالزنا -كما المحنا- فسال عن الشاهد الرابع اكمالا لنصاب الشهاده، وعندما عرف منهم تاخيره اصدر قراره الفورى العادل:

(حدوهم فليس فى الحدود نظره ساعه)، كما جاء فى الوسائل، حيث اقام عليهم حد القذف، كما قضى بعدم جواز الكفاله فى الجرائم الحديه، حيث جاء فى احد قراراته: (لا كفاله فى حد)((317)). الا ان قاعده فوريه تنفيذ العقوبه فى المسائل الجزائيه ترد عليها استثناءات كما تدلنا على ذلك سوابق الامام على، ومنها:

ا- جاء، فى فروع الكافى وغيره((318)) من المصادر ان الامام لم يسمح باقامه الحد على المريض حتى يبرا من مرضه، فى العديد من القضايا، نذكر منها حادث المدان الذى جلب اليه وجسمه مصاب بالقروح، فقرر بصدده: (اتركوه حتى يبرا ثم اقيموا عليه الحد)، ولم يسبقه الى هذا سابق فيكون بهذا قد جسد الجانب الانسانى للعقوبه فى ابهى صوره.

ب- وقضى، رضوان اللّه عليه، بعدم اقامه الحد على الحامل حتى تضع حملها، فقد جاء فى ارشاد الشيخ المفيد ان الخليفه عمر استشار عليا فى حكم اصدره باحدى الحوامل، وهو يقضى بالرجم لثبوت الادله ضدها، فكان جواب الامام هو وجوب تاخير تنفيذ الحد بحقها حتى تلد، معللا قراره هذا ببلاغته المعهوده:

(هب ان لك سبيلا عليها فاى سبيل على ما فى بطنها، واللّه تعالى يقول: ولا تزر وازره وزر اخرى. فقال عمر: لا عشت لمعضله لا يكون لها ابو الحسن)((319)).وهناك سوابق عديده مماثله له تشير الى تاخير تنفيذ الحد على الحامل حتى تضع حملها شريطه عدم الاضرار بالوليد، فان خيف عليه وجب ايضا تاخير تنفيذ الحد بحق امه الى حين فطامه حفاظا على حياته((320)). اى انه، فضلا عن نظرته الانسانيه العميقه ازاء الوليد، طبق مدلول الايه الكريمه (ولا تزر وازره وزر اخرى) بشكل حى فى العمليه القضائيه التى لم تجنح التشريعات الوضعيه الا اخيرا الى الاخذ به، وهو ما يطلق عليه، فى التعبير المعاصر، مبدا (شخصيه العقوبه)، فكل يواخذ بجريرته لا بجريره غيره((321)).

ج- وقضى، ايضا، بوجوب عدم اقامه الحد على الجانى فى ارض العدو((322)) مسببا حكمه هذا بالقول: (لا اقيم على رجل حدا بارض العدو حتى يخرج منها مخافه ان تحمله الحميه فيلحق بالعدو)، كما جاء فى باب الحدود من كتاب الوسائل.

واخيرا، لا يخفى ما فى فوريه تنفيذ الاحكام، بوصفها قاعده عامه، من حكمه، وتتضح هذه الحكمه بشكل اكثر فى حقوق اللّه تعالى وحدوده لعدم الشفاعه فيها او المهادنه. اما فى حقوق العباد((323)) فيتوقف تنفيذها على طلب المدعى او صاحب الحق، فان عدوله يعنى عدم التنفيذ((324)) لان التراضى يمنع العقوبه عاده، مع ملاحظه ان تنفيذ العقوبات لا يصح فى الجامع او المسجد((325)).

الفصل الرابع:ملاحق فى العمليه القضائيه

للامام على بن ابى طالب عرف المسلمون، الى جانب القضاء العادى الذى تطرقنا اليه فى الفصول السابقه، نوعين آخرين من القضاء هما: قضاء المظالم وقضاء الحسبه، وعند تصفح مطاوى العمليه القضائيه للامام على فان المتامل فيها سيظفر بكنوز جواهره، لا فى القضاء العادى فحسب بل فى هذين القضاءين ايضا. لهذا وجدت ضروره للتطرق اليهما، وذلك
لين
حلقـة مميز كسابقـتيــها ،،
بوركَ قلمـك أبو كوثر

ننتظر الحلقة القادمة بشــوق clap.gif
طفولة
اقتباس
لقد حاولت جاهداً أن تكون هذه آخر الحلقات
ولكنني لم أوفق لشدّة تشعّب الموضوع وكثرة الأفكار
وأخاف أن يطول المقام بنا فيمل الأعضاء الحلقات


نحن لم ولن نمل مواضيع مفيدة هكذا crazy.gif

ننتظر الأجزاء القادمة ongue.gif
عشق روح الله
ابو كوثر

الحب موصول اليكم على مواضيعك الرائعة والغير ممله , ولا تحاول جاهدا ان تكون اخر الحلقات , حتى تعطي الموضوع حقه , ( اذا عمل احدكم عملا عليه ان يتقنه )

تحيات عشق روح الله
DIGITAL
موفقين وننتظر الباقي wavetowel2.gif
أبو كوثر
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


.. الإخوة الأعضاء الكرام ..

"الجارح"

بل.. بل.. راحوا فيها..!
بس حاسب لا تتهمهم بشغلات هم بريئين منها

"زهور"

الرائع هو تواجد قرّاء أمثالكم

"كتلة فنون"

الحلقة قادمة بإذن الله..!

"أطياب"

سعيد بتواجدكِ من جديد معنا بالديوان
وستكون لنا لقاءات بالجديد والمفيد بإذن الله

"حمّاد"

شكراً للإضافة..

"لين"

الشوق دافعنا لتقديم المزيد والمزيد..!

"طفولة"

أتمنى أن لا تملوا بالفعل
ومتابعتكم ولو بالقراءة رائعة

"عشق روح الله"

ستكونُ كذلك إن شاء الله..
شكراً لإطرائك الذي لا أستحق!

"DIGITAL"

كرر المرور، وستجد المزيد.!


مع تحياتي،،

أبو كوثر ph34r.gif
لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ الحلقة الثالثة: طرق أخرى لاكتشاف السر الباطن - ديوان الثقافة