مشاهدة الموضوع الأصلي: الحلقة الثانية: طرق إكتشاف السر الباطن
ديوان الثقافة » الدواوين العامة » الديوان الاجتماعي التربوي
أبو كوثر

ديوان الثقافة

عن أمير المؤمنين : (المرء مخبوءٌ تحت لسانه)


ملاحظة: يفضّل قراءة الحلقة الأولى من الموضوع للأعضاء الذين لم يتابعونا فالحلقتين على اتصال وثيق (الحلقة الأولى: ما هو الضمير الباطن والضمير الظاهر؟).

تعرفنا في الحلقة السابقة على المعنى اللغوي والنفسي للضمير وفرقنا فيه بين الضمير الظاهر والضمير الباطن، وتعرفنا أيضاً على أهمية ما يحويه الضمير الباطن للإنسان حيث أنه يخبّئ الحقائق التي لا يحب إطلاع الآخرين عليها، ومن هنا تكمن أهمية إكتشاف هذا الباطن والاطلاع عليه وتحديد هويته، فكيف يكون ذلك؟!

الفتاة التي تكلمنا عنها في الحلقة السابقة لا تعيش حياة طبيعية، فالضمير الباطن ينعكس بشكل من الأشكال على ظاهر الفتاة بشكل ملفت للنظر، فمن أجل ألا يطلع شخص على أسرار ضميرها الباطن، فان الفتاة تراقب حراكاتها وألفاظها تماماً، وتتكلم بكل حيطة وحذر، وتنفر من الكلمات التي ترتبط بسرها، وتحاول أن لا تستعملها في أحاديثها أصلاً. ومثلاً على ذلك فانها تتألم وتتنفر من كلمات (الحديقة، المائية، الألعاب، البحيرة، البط، الإوز، الأرجوحة) وتتجنب ذكرها دائماً، وعلى ما يقول علماء النفس فان ضميرها الظاهر يضع ضميرها الباطن تحت رقابة شديدة.

تمر سنة أو سنتان على هذا الوضع، ولكن القضية تكسب لوناً جديداً بالتدريج. فمن جهة تصاب الفتاة ـ على أثر الضغط الروحي الدائم، والألم الباطن، والاضطراب والأرق ـ بالاضطراب الفكري، والانزجار النفسي، وتفقد طاقتها بالتدريج. ومن جهة أخرى فإن والديها وأسرتها يرون هذا الوضع الشاذ نتيجة عدم الزواج، ويلحون عليها في أن تتزوج وتنهي كلماتها الباطلة. وهكذا تؤدي هذه المجموعة من العوامل الداخلية والخارجية إلى أن تصاب الفتاة بمرض روحي وتصاب بالجنون في النهاية.

يراجع أهلها الطبيب، ولكن المرض يشتد يوماً فيوماً، وإن الطريق الوحيد للعلاج هو اكتشاف السر الذي تعرفه الفتاة فقط، وهي غير مستعدة لإفشاء ذلك السر بأي ثمن كان. إن اكتشاف الضمير الباطن للفتاة، والوصول إلى سرها الذي يقع تحت رقابة شديدة مهمة شاقة جداً، ويجب الاستفادة من بعض الآثار والعلامات التي تنبع من أعماق روحها في حالات خاصة.

ويمكن أن نكتشف سر الفتاة الباطن بالطرق التالية:

ديوان الثقافة

1- فلتات اللسان:

لما كانت الفتاة تحمل في داخلها خاطرة سوداء وذكريات مرة عن حادثة (الحديقة المائية) وتخاف من انفضاح أمرها بشدة، فهي تصمم على أن لاتتحدث عن (الحديقة المائية) ولا عما شاهدته هناك. وتلاقي لذلك عنتاً شديداً وتراقب نفسها دائماً. ويصادف أن تذهب إلى زيارة عمها بصحبة أبويها، وذلك بمناسبة عودته من زيارة الإمام الرضا . وتذهب العشيرة كلها بصورة تدريجية لزيارته، الغرفة مكتظة بالزائرين، والكل يباركون قدوم الزائر الجديد. وعلى الفتاة أن تتكلم بكلمة أو كلمتين وتحيي عمها بذلك، وفي اللحظة المناسبة، وعندما يلتفت عمها نحوها ترفع صوتها وتقول مع كمال الأدب: لقد شرفت يا عمي العزيز، أهلاً وسهلاً بك، قرت الأعين بك، تقبل الله الزيارة أرجو أن تكون قد استأنست كثيراً بزيارة (الحديقة المائية). العم يبتسم، ثم يتشكر منها ولكنه يقول: أنا لم أذهب إلى (الحديقة المائية) فنحن لسنا بالبحرين بل زرنا (حديقة الحيون) هناك -باغ وحش-، وهنا تضطرب الفتاة وتحس بارتباك شديد وتعتذر من خطأتها.

إن الاتيان بكلمة (الحديقة المائية) بدلاً من (حديقة الحيوان) يمكن أن يعد أمراً اعتيادياً جداً في أنظار الناس، وربما يحمل الأمر عندهم على خطأة لفظية، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى عالم نفساني . فإن لكلمة (الحديقة المائية) التي فلتت من لسان الفتاة جذوراً في نفسها. فيجب البحث عن منشأ هذه الكلمة، خصوصاً وأن الفتاة قد تغير لونها وارتبكت بعد أن عرفت أنها أخطأت فإن عينيها المضطربتين ووضعها المرتبك يكشفان عن بركان ثائر في باطنها.

إن الفتاة كانت تريد أن تقول (حديقة الحيوان) ولكن فلتت على لسانها كلمة (الحديقة المائية). ومع الانتباه إلى سوابق الفتاة وأنها تعيش حياتها في اضطراب وتشويش باللفترة غير قصيرة، وأنها مصابة بمرض نفسي وتبتعد عن الزواج وعن ذكره فان الاتيان بتلك الكلمة أمر يسترعي الانتباه فباستطاعة الوالدين أن يكتشفا ضميرها الباطن ويطلعان على سرها المكتوم.

ويختصر الإمام علي هذا الموضوع في قوله: «ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه» لذلك يقول أيضاً: «إن أحببت سلامة نفسك وستر معايبك ، فأقلل كلامك ، وأكثر صمتك».

ديوان الثقافة

تغير سحنات الوجه:

من الممكن التوصل إلى الأسرار الباطنية عن طريق ملاحظة التغيرات الطارئة على سحنات الوجه والحركات غير الاعتيادية التي تصدر منهم في بعض الأحيان. فمثلاً يقرأ أحد أفراد الأسرة صحيفة بصوت عال والكل يصغون إليه، ويصل في الأثناء إلى حادثة فتاة أغفلها شاب وفعل معها كذا وكذا.

إن جميع أفراد الأسرة يتلقون الحادثة بصورة اعتيادية تماماً ويتعجبون منها أو يتأثرون بالمقدار العادي، ولكن الفتاة الآنفة الذكر التي أغفلت وفقدت شرفها وعفافها تضطرب عند سماع القصة المشابهة لقصتها، ويمتقع لونها، وتصاب بالقلق والذهول، لا ترغب في سماع القصة، ولكيلا يطلع الآخرون على قلقها واضطرابها تظهر بمظهر الغافلة عن الحادثة، وتشغل نفسها بشغل آخر في ذلك الوقت، أو تنادي طفلة جيرانهم بصوت عال، وبصورة موجزة فانها تحاول أن تتظاهر بأنها غير مصغية للصحيفة وتتشاغل بشغل آخر، وهي غافلة عن أن هذه الأعمال إنما هي علائم وضعها الشاذ، وهي تكشف بذلك قلقها الباطن.

الخلاصة: إن تغير سحنات الوجه والقيام بالحركات غير الطبيعية والمرتبكة، من أهم وسائل اكتشاف أسرار الأشخاص وضمائرهم الباطنة.

إلى هنا نصل لختام الحلقة الثانية
على أمل اللقاء بكم في الحلقة الثالثة
مع المزيد من الطرق لاكتشاف..


الضمير الباطن!

مع تحياتي،،

أبو كوثر ph34r.gif
عشق روح الله
ابو كوثر

ما احلى قلمك البارع , وكلماتك الجذابة , ومعانيك لها وزن في النفس ومشوقه جدا , وأسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتك. الى الحلقة الثالثة إنشاء الله .

تحيات عشق روح الله
الجارح
اكمــل ابو كوثــر

موضوع رائـع good.gif

انتظــر...رائـع كلمة قليلة بحقـه

موضوع ليس معقد وسهل الفهــم


...بانتظـار الحــلقة الثـالثة...
حمّاد
الشكر لكم على كتاباتكم الرائعه والجميله وأتمنى لكم الموفقيه والسداد
لين
مــوضوع شيــق جــدا ،،
"أبو كوثر"ســلم قلمــك على هذا الطــرح

وبإنتظار التتممة بشـوق rolleyes.gif
زيـــــنه



من المتابعين

رائع جداً ومفيد

موفقين



زهرة الحياة
الضمير >> أحرفٌ بسيطة لمعناً
ضخماً، ليس بالسهولة الخوض في شروحه ومعانيه
إلا مع قلمٍ فذ . . كقلمك تماماً . .
كتلة فنون
shy.gif طرح شيق إسلوب رائع
موضوع عجيب تشكر أبو كوثر


بنتظار المزيد...
زهرة الربيع
كنت ولا تزال متميز في الطرح

وأنا لا أزال أستمتع بالمتابعة
الأخطل
السلام عليكم
الأخ الكريم أبو كوثر
لمساتك لا يضاف عليها سوى التذوّق ولكني سأمتشق القلم للتأكيد :
بعد اطّلاعي على الموضوع أحب تأكيد ما جئت به بزيادة بعض النقاط لكشف الضمير الباطن
هناك أيضاً الأحلام ، وطريقة تحريك العينين واليدين ، والرسم ، والوصف ، والاستغراب
فهناك من يبدي استغراباً كبيراً من فعل ذلك الشاب بالفتاة إذا كان مر بهذا من قبل وذلك ليضفي
هالة من الاستقامة عليه محاولة منه أو منها في إبعاد الشبهات والتيقين باستقامته / تها .
أو أنها تقول : لا أصدق هل هناك شباب كهذا في هذا الزمن ؟
لقد بدأت أخاف على إخوتي وأخواتي من هذا الزمن ؟
الله يكون في عوننا ويحفظنا .
( جضورتونا ) ومن هذا القبيل .

شيء آـخر :
المثال الوارد في الحلقة الأولى عن إصرار البنت على عدم الكلام عن الحديقة أو تشويه صورة
الرجال والزواج
هو بتعبير أدق ( تكوين عكسي ) من الضمير الباطن يخرج بشكل لا شعوري
أي أن البنت لا تشعر أنها تشوه الصورة وإنما تقول الواقع وهذا تأكيد على اعترافها بما حدث .

أراكم في حلقات أخرى ودام قلمكم الفذ .
الأخطل
وبعد هذا الحديث المفصل للضمير الباطن ومعرفتنا كيف أظهرت تلك الفتاة أفعالها وكيف بدأت
تتكلم بغير وعي عن حادثتها هناك سؤال جريء :
ماهو المحرك لتلك السلوكيات ( أفعال وأقوال ) تلك الفتاة ؟؟
هل هو الضمير ؟ الذي كشفها بشكل لا شعوري ؟
أم العقل ؟ الذي استجاب لتلك الرغبات بصورة ظاهرية ؟
زهور
أعتقد أنه الضمير!
فالضمير كالقلب؛ ينقبض وينبسط..
بعكس العقل، الذي يُمكننا برمجته على طريقة معينة في التفكير!
الأخطل
اقتباس (زهور @ 22-04-2008, 12:11 مساءً)
أعتقد أنه الضمير!
فالضمير كالقلب؛ ينقبض وينبسط..
بعكس العقل، الذي يُمكننا برمجته على طريقة معينة في التفكير!

أحب التوضيح أن الضمير ليس كتلة أو عضو في الجسم الضمير هو الإحساس
و مكان إصدار الشعور أي ليس كالقلب.
س : هل تستطيعين برمجة عقلك على أسلوب تفكير معين ؟
إذا كانت إجابتك نعم : لماذا يقع الإنسان في مشاكل لا يستطيع التفكير في حلها
مع أنه برمج عقله بأسلوب معين للتفكير من المفروض أن تكون هذه البرمجة
مستعدة لأي عرض ومشكل لتقوم بحله ؟
أنت ذكرتِ أن الجواب الضمير وفي نفس الوقت تقولين ان العقل يمكن برمجته
وهذا تناقض . ibf_confused.gif
زهور
أعرف أن الضمير إحساس، ولكن الإحساس ينقبض وينبسط!
مثل الحالة الانفعالية، فقد يكون الشخص سعيداً أو حزيناً..
أي شيء قابل للتغيير..
أما العقل، فهذا من وجهة نظري، ولا أستطيع أن أفرضها على أحد!
على الأقل، هذا ما أعتقد به حالياً..
وربما تتغير قناعتي لاحقاً..
الأخطل
اقتباس (زهور @ 22-04-2008, 01:24 مساءً)
أعرف أن الضمير إحساس، ولكن الإحساس ينقبض وينبسط!
مثل الحالة الانفعالية، فقد يكون الشخص سعيداً أو حزيناً..
أي شيء قابل للتغيير..
أما العقل، فهذا من وجهة نظري، ولا أستطيع أن أفرضها على أحد!
على الأقل، هذا ما أعتقد به حالياً..
وربما تتغير قناعتي لاحقاً..

هل عقلك يقف عن عمله أو يقل عمله ؟
إذا كان الجواب لا : فلماذا لا تستطيعين التفكير وأنتِ متخمة بالأكل
أو ناعسة للنوم أو مريضة بوجع في الرأس أو الجسم ؟؟
وإذا كان الجواب نعم : فالعقل قابل للتغير كالقناعة تماماً قابلة للتغير
إذا تناولها المنطق وصحح إشكالاتها .

الرجوع إلى الضمير يتطلب تفكيراً والتفكير موضعه العقل وفي نفس
الوقت التفكير السليم يحتاج ضميراً حياً لأن معدوم الضمير يكون تفكيره
غير مقبول ويظهر ذلك في أفعاله وسلوكه .
فالمسألة هنا تكامل بين وظيفتين التفكير والشعور وليس الإحساس لأن
هناك فرق بين الشعور والإحساس .
زهور
اقتباس
بعكس العقل، الذي يُمكننا برمجته على طريقة معينة في التفكير!

تفسيري لكتابة هذه الجملة:
ظننت أن العقل يمكن برمجته وذلك بسبب ملاحظتي هذه:
إذا لبست الأم العباءة، فهم الطفل الرضيع أن الأم ستخرج الآن!
فبالتالي هناك ارتباط شرطي بين الفعلين، وهذا ما دفعني للإعتقاد بأن العقل يمكن برمجته، والبرمجة هنا قابلة للتغير..

اقتباس
الرجوع إلى الضمير يتطلب تفكيراً والتفكير موضعه العقل وفي نفس
الوقت التفكير السليم يحتاج ضميراً حياً لأن معدوم الضمير يكون تفكيره
غير مقبول ويظهر ذلك في أفعاله وسلوكه .

لدي استفسار، هل الشخص الذي يفكر تفكيراً سليماً يكون ذلك شرطاً لحياة ضميره؟!
والاستفسار الآخر، لماذا يموت الضمير؟! هل بسبب الأفعال والسلوكيات الغير مقبولة؟!


اقتباس
فالمسألة هنا تكامل بين وظيفتين التفكير والشعور وليس الإحساس لأن
هناك فرق بين الشعور والإحساس .

أحتاج لمعرفة هذه المصطلحات: التفكير، الشعور، الإحساس وذلك للربط الجيد بين الكلام.
أبو كوثر
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الإخوة الأعضاء..

بارك الله هذا التواجد الذي أخجلني بالفعل..
وأتمنى أن أستطيع تقديم الأفضل والأفضل دوماً..
لأنّ قراءة كمثل قرائتكم وتحليلكم ومداخلاتكم جديرة بالاحترام والتبجيل..


وبالرجوع إلى تساؤلات الأخت زهور، سأنقل لكِ بعض أقوال الإمام علي ستساعدك على إجابة بعض الأسئلة التي أوردتها بمشاركتكِ، وهي كالتالي:

- من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.

- صلاح السرائر برهان صحّة البصائر.

- إن الله سبحانه يُدخل بصدق النيّة والسريرة الصالحة من يشاء من عباده الجنّة.

- إنما أنتم إخوان على دين الله ما فرّق بينكم إلا خُبث السرائر وسوء الضمائر.

وستكون لي عودة قريبة جداً بالجزء الثالث وقد يكون الأخير "حسب الطلب" smile.gif..

مع تحياتي،،

أبوكوثر ph34r.gif
زهور
الأخ أبو كوثر، إذا كان الأمر حسب طلبنا، فإني أرغب بالمزيد.. smile.gif
شكراً لمشاركتك الهادفة..
أطياب
احسنتم اخي على كتابة الموضوع الرائع

ونشكر اناملكم التي كتبت الموضوع لقد قرات الحلقتين

وهي بمنتهي الروعة التي تكشف لنا عن الباطن والظاهر

وننتظر الحلقة الثالثة
لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ الحلقة الثانية: طرق إكتشاف السر الباطن - ديوان الثقافة