مشاهدة الموضوع الأصلي: الصيام
ديوان الثقافة » الأرشيف! » الديوان الأدبي » الديوان الرمضاني 1424 هـ
بلبل
ورد في الرواية عن الإمام الصادق : "أما العلة في الصيام فليستوي به الغني والفقير، ذلك لأن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير، لأن الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله عز وجل أن يسوي بين خلقه وأن يذيق الغني مس الجوع والألم، ليرق على الضعيف ويرحم الجائع". وفي رواية أخرى عن الإمام الرضا يقول فيها: "... فإن قال: لِمَ أُمروا بالصوم؟ قيل: لكي يعرفوا ألم الجوع والعطش، فيستدلوا على فقر الآخر، وليكون الصائم خاشعاً ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتسباً لما أصابه من الجوع والعطش، فيستوجب الثواب، مع ما فيه من انكسار عن الشهوات، وليكون ذلك واعظاً لهم في العاجل، ورائضاً لهم على أداء ما كلفهم ودليلاً في الآجل، وليعرفوا شدة مبلغ ذلك على أهل الفقر والمسكنة في الدنيا، فيؤدوا اليهم ما افترض الله تعالى في أموالهم..".

من هاتين الروايتين نستفيد أن من أهم فوائد الصوم في الدنيا ومن آثاره الإيجابية على المجتمع الاسلامي هو "التضامن الاجتماعي"، بمعنى أن الله قسَّم الأرزاق بين العباد، فمنهم من صار غنياً، ومنهم من يحصل على مقدار مؤونته، ومنهم من لا يتمكن من تأمين الحد الأدنى لمعيشته ولإعالة من هو مسؤول عنهم، ومنهم قد لا يتمكن أصلاً من العمل لعاهة أو مرض أو عذر شرعي، وبالتالي تكون حاله أسوأ من كل فئات الناس.

من هنا، عندما أوجب الله تعالى الصيام على جميع المكلفين، غنيهم وميسورهم وفقيرهم ومسكينهم، وساوى بين جميعهم في هذه الفريضة الإلهية، فسوف يعانون جميعاً من ألم الجوع والعطش للفترة المحددة كل يوم من الفجر الى الغروب، وهذا ما يدفع بالغني الى التفكير في حال الفقراء والمساكين الذين حتى مع عدم الصيام لا يجدون ما يسدون به رمق حياتهم، وهذا ما يدفع بالغني من موقع الأخوة الدينية الى أن يمد يد العون الى الفقير أو المسكين ليساعده على تأمين الحد الأدنى مما هو بحاجة إليه، فيكون قد ساعد الفقير على عدم الانزلاق الى مسالك غير مرغوبة شرعاً لتحصيل قوته وقوت عياله، وليحصل على الأجر والثواب من الله يوم القيامة، لأنه سدَّ حاجة إنسان مؤمن ومحتاج.

ولهذا ورد في عدد من الروايات استحباب هذا الفعل من القادرين على إعالة إخوانهم من المؤمنين، خصوصاً في شهر رمضان المبارك، ليعيش الجميع في رحاب أيامه ولياليه حالة من التآخي والتقارب الاجتماعي، لأنه قد لا تتيسر هذه الحالة في غير هذا الشهر الكريم بسبب انشغال كل انسان بعمله وشؤونه الخاصة التي قد يغرق فيها، فينسى معها الآخرين.

وهذه الفكرة، فكرة "التضامن الاجتماعي" المستفادة من هذه الروايات، يمكن ان يعمل بعض المؤمنين الواعين على تحويلها الى عمل منظَّم ومنسَّق على شكل مؤسسة خيرية أو ما شابه، بحيث يأخذ هذا البعض على عاتقه مسؤولية جمع التبرعات ليس في شهر رمضان فقط، بل على امتداد أيام السنة، والعمل على إقامة ولائم إفطار للمحتاجين والفقراء والمساكين في كل مكان يوجد فيه هؤلاء، على أن يكون الاعتماد الأساس على الأغنياء القادرين على تمويل مثل هذا المشروع الخيري الذي يعود بالنفع الدنيوي على الفقراء، وبالنفع الأخروي على الأغنياء.

مضافاً الى هذه الفائدة من صوم الأغنياء، تشير الرواية الثانية خصوصاً الى عبرة أخرى، هي أن يتذكر الأغنياء من خلال صومهم جوع وعطش يوم القيامة، حيث الموقف الرهيب والمهيب أمام رب العزة والقدرة المطلقة، ليعلموا أن الدنيا زائلة وفانية، وأن عليهم أن يعملوا على براءة ذمتهم عبر دفع حقوق الناس من أموالهم التي جعلها الله بين أيديهم من خمس وزكاة وما شابه ذلك، لأن براءة ذمتهم من تلك الحقوق هي وسيلة من وسائل نيل المغفرة والرحمة من الله عز وجل، مضافاً الى أنها تعين المؤمن الغني على عدم الارتباط بالدنيا والتعلق بها والانجذاب اليها بسبب المغريات التي يمكّن المال الموجود عند الأغنياء من الحصول عليها.

ويضاف الى ذلك أن صوم الأغنياء وما يحدثه فيهم من ألم الجوع والعطش هو خير معين لهم على أداء الفرائض الدينية وعلى القيام بتكاليف الله تعالى الواجبة عليهم، كما هي حال الفقراء والمساكين والمستضعفين من عباد الله عز وجل.

ينير الصوم في نفس الإنسان المشاعر الإنسانية النبيلة التي تجعله يعيش الإحساس بمعاناة الآخرين وعذاباتهم إذا كان ممن أنعم الله عليهم، فيستيقظ في نفوس القادرين الضمير الإنساني الحي الذي يدفعهم الى السعي لرفع معاناة إخوانهم الفقراء، وهذه المسألة من أهم الدوافع والحِكَمِ الإلهية لفريضة الصوم العبادية والاجتماعية في آن معاً.


تحياتي
بلبل
نور القمر
مرحباااااا

مشكور اخي البلبل على هذا الموضوع
وتقبل خالص تحياتي

نور القمر wub.gif
لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ الصيام - ديوان الثقافة