
بَائِعَةُ الكِبرِيت.. شَاعِثَةُ الرأسِ المُشّقَر.. نَاحِلَةَ الهَيكَل.. مُتأكِلَةِ القَدَمِينِ بإسْفَلتِ الحَياة..
كَلَّ صَباحٍ تُقَلِدُ جِيدَهَا دِثَارَ البُؤسِ المُتَهَالِك.. تَحْمِلُ سَلَةَ الأعْوَادِ كالكَنْزِ إلا يَنْزَلِقَ أو يَتَهَاوَى فَكُلُهُ أُكْسِجينْ..
تَطْوِي الأرْجَاءَ سَعْيِاً تَبْحَثُ عَنْ مَنْ يُهدِيهَا قَدحَةَ دِفء.. تُسَكِنُ رَجَفَاتِ أرْنَبَةَ أنْفِهَا المُتَوَهِجِ حُمَرَة..
تَطْبَعُ الإبْتِسَامَةِ عَلَى فَكِهَا المُتَخَشِب.. تَشِعُ بَراءَة تُلِيّنُ أَحْجَرَ القُلُوب.. لَكِنَهَا قَد تَتَكَسَرُ عَلَى أعْتَابِ مَنْ لا يَمْلِكُ نَبض..!
كَالذِين مَروا عِنْدَ أقْدَامِهَا المُنْهَكَةِ بِلَيلَةِ شِتَاءٌ مُسْتَهْجِنَة.. حَبِلَتْ بالثَلْجِ أشْهُرٍ حَتَى حَانَ المُخَاض..
قَذَفَتْ ما تَشَرْنَقَ بِينَ أرْحَامِهَا بِهَمَجِيةٍ غَيرُ مُحَذَرٍ مِنْ عَاقِبَتِهَا مُسْبَقَاً.. مُتَجَاهِلَةً غُصنُ الوَردِ الغَافِي تَحْتَ أسْتَارِهَا..
تَغَلْغَلَتُهُ القَرَصَاتُ المُوجِعَةُ لَكِنْ لا مَفَرْ.. فَحَتَى كَنْزُهُ الغَالِي خَانَ العِشْرَةَ وأسْتَسْلَمَ مُتَكَومَاً بَعْضَهُ عَلَى بَعْض..
بَعْضُ حَفَنَاتُ رَمَادٍ كَانَ كُبرِيت.. خَلَعَ أسْوَدَهُ وأكتَسَى حُلَةَ البَياضِ كالمَوتَى أحَاطَهَا.. أفِْتَرَشَتْ بَيَاضَ المِيلادِ تُطْفِئُ بُكِلِ زَفْرَةٍ شَمْعَةَ عُمْرِ زُهُورِهَا..
وَحِينَ بَلَغَتْ شمْعَةَ الإنْعِتَاقِ مِنْ عَالَمِ الذَر.. أُهْدِيَّتْ أُمْنِية.. تَلَتْكَ فِيهَا تَشَهُدٌ أَخِير..
أيَّا سيّدَ الرُوحِ.. قَد تَكَالَبَ البَردُ عَلَى ألويةِ جَسَدِي.. أصْرَعَهَا فَخَرَتْ تَشْحَذُ القُوَةَ مِنْ إيمَانِكَ بِرُوحِهَا..
أثْقَبْتُ أَصَابِعِي بَعْدَ كَبَارِيتِي ألْمَحُ سَنَاكْ.. أُخَلِلُ مَسَامَاتِيَّ دِفئك.. أَسْتَحضِرُ إرْتِمَاءاتِي بِينَ أحْضَانِك..
وأَنْتَ تُمْطِرُنِي بِوَابِل قُبَلاتِكَ حَتَى تُنَاثِرُنِي خَجَلاً فأَبْتَعِدْ.. ويا لَيتَنِي لَمْ أَبْتَعِدْ..
رُوحَ رُوحِي.. يَجْتَثِينِي الحَنِينُ إليكَ كُلَّ إسْتِيقَاظ.. فَأهْرَعُ أتَرَاكَضُ أَبْحَثُ عَنْ أشْبَاهِكَ الأربِعِينَّ بِين غَمَائِمُ الوُجُوه..
أَحْتَاجُكَ الآن لِتُعِيد نَبْضَ الحَياة بي.. أشْتَهِيكَ دِفْأً يَمْلأُنِي حَرَارَةِ تَصْهِرُ البَيَاضِ مِني.. لِمَاءٍ رَقْرَاقٍ يَنْسَكِبُ فيَّ..
هِيَّ أُمْنِيةٌ أَخِيرَةَ.. تَضِمُ أرْجَائِي فِيك.. فَيا تُرَى ألا تَزَالُ أَرْكَانَكِ تَحْتَمِلُ رُكُوعَاتِي | تَهَجُدَاتِي إليك..؟؟