بنفسج الضباب


تقافزت السنابل ... واستوى الربيع ... تهايجت الفراشات في زوايا الأشجار المتعبة .. النسيم يرسل رذاذه عبر النافذة؛ ليغازل بذلك أشياء الغرفة ... مذياع هرم وصورة مسيجة بإطار مخملي ... وجه ذو ملامح قاسية صلبة _ تختصر زمنا بعيدا ... الأيدي المسحوقة بأصابع امتلأت بلوثة الحياة المرملة وتستشعر بأظافرها مساحة من الشعر الغليظ .. فمها المترهل يرسل القبلات المتعاقبة .
_هل تغربلين الحلم يا زينب ؟؟
_الحلم يتسطر عبر ظلام دامس لا بصيص أمل يرتجى منه يا أمي ...
_ أه ... أحلام .. كانت بالأمس القريب تثقل كاهل أبيك..
تضحك .. تتمايل .. تثور ثم تهدأ _ انتهى أبي ...ولم يأت الحلم ..
_ضمتتك إلى صدري ... كنت أرقب أجنحة الفراشات ..كم هي جميلة يا صغيرتي ..
_تصفحت وجه أبي ... تفرسته جيدا ... لا أتذكر أنه قد ضمك ... أو بادر بالمحاولة ... ولكن أتذكر حلمه الأزلي ... الربيع ... أجل كان يحلم بالربيع ..
_مات ... وهو يحلم بالربيع!!!

_أي ربيع ... لقد ولى كما ولت اشياؤنا ... أحبابنا ... أحلامنا .. أطفالنا ... وأزواجنا ؟؟
اكتست الغرفة بأنين الأرامل .. صور .. وأحلام .. وأمنيات ... عالم يملؤها الورد الذابل ... والروائح المسجى على أرصفة الضباب ... الدخان يشوش الصورة .. يخل بسياجها ... ؛ ليبعث الحلم من جديد ..
_ تذكرين العرس يا زينب ؟؟ عرسك !!
_ أين عرسي من بين الأعراس ؟؟
_ خضابك لونه احمر ...
_ وقلب أبي.. بستان أخضر .. تلطخ بالضباب ..
_ أجل حفظت الدرس .. وسطرت صفحة الحياة .. لانلت أبشر لرسالته ...أعلم الدرس .. لقنتك إياه يا زينب ...
_لكن الضباب يدنو .. يعتم الصورة .. فلم نعد نسمع غير صهيل الجمر ... والأصوات المخنوقة ترتجي الخلاص... عودي الغض تكسر تأرملت و أنا لأأفقه معنى أن تتزوج الفتاة ... وتلتقي برجل آخر غير أبيها ..
_هناك من بعيد تهحينا معا أبجدية الأمل ... كان يقول لي .. إن الأزهار ستفتح وستغدو بلادي جنة .. وستجهض ألسنة النيران ... حلمي يفوق كل شيء .. هل تعتقدين أنه مجرد حلم ؟؟
_ بالحلم نحقق أمنياتنا ..
_أحلم أن استنشقت الهواء النقي ... أحلم أن يزور قلبي الفرح ... أحلم أن يأتي العيد وأزين زينب ...أحلم أن أضحك من أعماق قلبي ...أحلم أن أمسك القلم وأخطط فوق جدران وطني أنشودة يرددها الأطفال... الأطفال أجل الأطفال...
_ أنشودة الأمل ؟؟ كم هي جميلة ...
الصمت يقترب ... ينتشر .. والأحلام تخبو .. والدمار ينتصر والخبر المتقصف لا يسد الأفواه الجائعة ... والزيتون شارف على الانتهاء ... ولم يبقى من المشهد إلا بقايا هشيم .. تناثرت رائحة الختم وتلاش الربيع ... اختلطت صورته بصورة الواقع ... فلا حلم ولا أمال ... الفراشات تتطاير من هول الفزع ... واتشحت باللون الرمادي .. فعمرها كعمر الفرح ... والربيع حلم بعيد ... ولكن هل سيأتي الربيع مرة أخرى ... هل يصرع الخريف الأعمار ويزيح الضباب عن البنفسج ... حلم الربيع .. وحلم الفراشة .. وحلم البنفسج وأحلامنا ... آمال أما آن لها أن تتحقق ....؟؟؟؟



تأليف / خالي الاستاذ إبراهيم