الخطبة الثانية من صلاة الجمعة في المحرق – مملكة البحرين - جامع الحياك – 13/ ربيع الثاني /1427ﻫ - 12/5/2006م .
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين...
وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا، وشفيع ذنوبنا محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين...

الموضوعات
* الوصية بالتقوى
* حرمة رواتب أئمة المساجد
* حقائق ندوة التوافق

1 - الوصية بالتقوى
أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى.

2- حرمة رواتب أئمة المساجد
لقد طرح في الأيام الأخيرة مرة أخرى مسألة رواتب أئمة المساجد التي قررت الحكومة دفعها للأئمة منذ أشهر، وقد بيّنا موقفنا من ذلك خلال الأشهر الماضية وقلنا بوضوح بأن استلام هذه الرواتب حرام شرعاً, ونوضح الآن مرة أخرى أن هذا المشروع يشكل خطراً كبيراً على الدين وإستقلالية الكيان والمؤسسة الدينية التي كانت هي رمز البقاء للدين والمذهب طيلة تاريخ حياته وهي رمز حيويته وعدم غياب علمائه عن موقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولولا هذه الإستقلالية المبنية على الإستقلالية المالية لأصبح الكيان الديني تابعاً لإرادة السلطة السياسية تأتمر بأوامرها وتنتهي عن نواهيها, حرصاً على التدفق المالي الذي ستستفيد السلطة منه عند اللزوم وشعورها بالحاجة إلى الضغط على المؤسسة الدينية حتى تسير في ركب مصالحها.
وقد نشر في الأيام الأخيرة خبراً عن سماحة السيد السيستاني (دام ظله) بحلية أخذ تلك الرواتب, وإنني عن علم وبصيرة أنفي صحة هذا الخبر.
ومن ناحية أخرى إثارة بعض الجرائد في هذه الأيام لهذا الموضوع ومحاولاتها المستمرة لإثبات حلية الأخذ يثير تساؤلات كثيرة حول الهدف من هذا السعي الحثيث, فلا بد للمؤمنين والعلماء من اليقظة التامة والحذر الشديد من الإنزلاق في المصائد الخطيرة, فإن المسألة هي مسألة الدين والمذهب الذي لا بد من التضحية لحفظه وصيانته وإستقلاليته بالنفس والمال, وليست مسألة الدنانير.
هذا هو موقف الشرع في هذا الموضوع, والمؤهل لبيانه وتحديده هم فقهاء الدين وليس الجرائد ومن تحدثوا فيها ممن ليسوا من أهل التخصص.

3- حقائق ندوة التوافق
إننا شاركنا في ليلة الأحد الماضية في ندوة في عراد تحت عنوان (نحو آفاق أرحب في التواصل والتوافق الوطني) وكان الهدف من ذلك:
أولاً: التواصل مع إخواننا السنة من خلال المشاركة في مجالسهم وندواتهم المباركة والكريمة, وذلك تدعيماً منا للوحدة الإسلامية والوطنية التي نؤمن بها أشد الإيمان, ونعتبرها مسألة إستراتيجية وحيوية للدين وكرامة الأمة والإسلام, كما هي حيوية للوطن وإستقلاله وكرامته وإستقراره و تقدمه.
ثانياً: بيان رؤيتنا في مسألة الوحدة الإسلامية والوطنية, وتوضيح مقومات هذه الوحدة وفلسفة الحاجة إليها, وبيان آلية الوصول إليها وتحقيقها.
وقد أوضحت هناك أن الوحدة الإسلامية لا يمكن أن تتحقق دون الإيمان باُصول أربعة هي:
الأصل الأول: أن نعترف ونؤمن ونقبل بأن كل من يتشهد بالشهادتين مسلم ولا نكفره ولا نعتبره مشركاً مهما كانت عقائده الفرعية في المسائل المختلفة, مثل مسألة السجود على التربة, أو التوسل بـ الأنبياء والأئمة , أو التكتف في الصلاة, أو غير ذلك. هذا هو الأصل الأول.
والأصل الثاني: أن لكل مسلم الحق في أن يتعبد الله تعالى بالطريقة التي يؤمن بها, فأحدهم يتكتف في الصلاة والآخر يرى ضرورة أن يكون السجود على التربة, وأحدهم يرى صحة الإستشفاع بالأنبياء والأئمة المعصومين والآخر ينفي ذلك, إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.
فمن يريد مصادرة حق الآخرين في كيفية التعبد يكذب في دعواه الوحدة الإسلامية.
والأصل الثالث: أن لكل مسلم الحق في أن يحدد لنفسه معتقداته الفرعية غير مسألة الشهادتين, كما في مسألة الخلافة بعد رسول الله وغير ذلك من القضايا.
والأصل الرابع: أن لكل مسلم - شيعياً كان أو سنياً - الحق في نشر تراثه الديني والمذهبي, والدفاع العلمي الهادئ عن متبنياته المذهبية, ودعوة الآخرين إلى مذهبه لكن كل ذلك بالوسائل العلمية والهادئة, ولا يصح منع أي طرف من نشر تراثه المذهبي والديني. فلا يصح للسني أن يمنع الشيعي من نشر تراثه المذهبي كما لا يصح للشيعي أن يمنع السني من نشر تراثه المذهبي, هذه هي الاُصول الأربعة.
والخلاصة: أن الوحدة الإسلامية إنما يمكن أن تكون واقعاً لا خيالاً ومجاملات إذا كان كل طرف مستعداً لقبول الطرف الآخر بكل ما يؤمن به من معتقدات وطقوس وعبادات وعقائد فرعية ومفاهيم وغير ذلك, وإنما المهم أن يتشهد بالشهادتين. فإذا كان أحد الطرفين يشترط على الآخر أن يتخلى أولاً عن بعض أصوله لكي يمشي معه في خط الوحدة الإسلامية فهذه ليست وحدة إسلامية بل هو كذب على الناس.
الوحدة الإسلامية هي أن تقول صريحاً أن من يتشهد بالشهادتين فهو مسلم.
وبناءً عليه فمن يكفر من يتشهد بالشهادتين, كما لا حظنا هذا التكفير في صفحات بعض الجرائد في هذا اليوم والأيام الماضية, حيث كفروا من يقول بتحريف القرآن, فهذا الذي يكفر من يتشهد بالشهادتين من المسلمين لأنه يقول بتحريف القرآن يتبين جلياً أنه لا يؤمن بالوحدة الإسلامية ولا بـ آيات القرآن التي أمرت بوحدة المسلمين, بل يظهر من المكفر أنه لا يؤمن بأن آيات الوحدة من القرآن الكريم بل يعتقد أنها ليست من القرآن, وأن في القرآن الموجود ما ليس من القرآن وأن القرآن الموجود محرف, فهذا الذي يكفرمن يقول بالشهادتين يتبين أنه هو قائل بتحريف الكتاب, لأن القرآن مشتمل على آيات صريحة تدعو إلى الوحدة الإسلامية.
القرآن أمرنا بالوحدة الإسلامية, كيف تتحقق هذه الوحدة, هل بتكفير المسلمين؟!
وعلى كل حال, من جملة الأمثلة التي ذكرتها في تلك الندوة لـ العقائد الفرعية كان مثال مسألة تحريف القرآن, فذكرنا ذلك كمجرد مثال بمعنى أن من القضايا الفرعية التي إختلف فيها المسلمون مسألة تحريف الكتاب, بمعنى أن هناك بعض العلماء من الشيعة - وهم أقلية - يقولون بتحريف الكتاب.
وقد ذكرت في الندوة أنهم أقلية - والمحاضرة مسجلة - لكن لاحقاً نقلوا عني في بعض الجرائد أنني قلت في الندوة بأن رأي الشيعة هو التحريف مع أنني لم أقل ذلك, هذا هو التحريف, أنتم تطبقون التحريف عملياً!
وكذلك بعض علماء السنة يقولون بذلك وهم أقلية أيضاً, لكننا لا نعتقد بكفر من يعتقد بالتحريف بل نقول هو مسلم هو مسلم.
لكن بناءً على دعوى التكفير التي أطلقت هذه الأيام في الجرائد فعلمائنا الذين قالو بتحريف الكتاب كفار!!!!! وعلماء السنة الذين يقولون - بعضهم - بتحريف الكتاب كفار!!!!!!
أنا لا أعلم أنه كيف يمكن التوفيق بين الدعوة إلى الوحدة الإسلامية وبين تكفير الناس الذي ينشر في الجرائد في هذه الأيام؟! إن دعاوى التكفير التي تنشر الآن في الجرائد دعاوى فتنة, هؤلاء يريدون أن يحرقون البلد, لأن من يبدأ بتكفير الناس سيتبع تكفيره بأشياء أخرى, وإذا كانت الحكومة حقاً حريصة على وحدة هذا البلد وأمنه وإستقراره فالواجب منع هؤلاء المكفرين من تكفير الناس ونشر تكفيرهم في الجرائد.
والخلاصة: أن حديثنا عن التحريف في تلك الندوة لم يتجاوز حد ذكره كمثال للعقائد الفرعية, لكن بعد إنتهاء تلك الندوة ومن صباح اليوم التالي إبتدأت بعض الجرائد المحلية بنقل بعض ما قلناه في تلك الندوة بشكل غير صحيح.
وقد كتب أحدهم في صباح هذا اليوم في بعض الجرائد أنه ما غرض فلان من إثارة هذه المسألة في هذا الوقت بالذات؟
لكنني أقول في جوابه: ومن أثار هذه المسألة؟ من ناحيتنا في تلك الندوة لم نذكر ذلك إلا كمثال فرعي من بين مجموعة من الأمثلة, وإنما الذي أثار المسألة هم أنتم ولسنا نحن.
على كل حال, أنا لا أريد الإنجرار خلف هذه الموضوعات التي يشم منها رائحة الفتنة, وإنما ذكرت هذه التوضيحات هنا منعاً من تحريف حقائق الندوة وحتى تكون الحقيقة واضحة.
ومرة اُخرى أؤكد بأن غالبية علماء الشيعة يقولون بعدم تحريف الكتاب, ورأيي الشخصي أيضاً عدم تحريف الكتاب, ولا يوجد في العلماء المعاصرين من الشيعة من يقول بتحريف الكتاب والأغلبية الساحقة والقاطعة من علماء الشيعة يقولون بعدم تحريف الكتاب ولكن هناك أقلية من العلماء غير المعاصرين قالوا بذلك, كما أن هذه الأقلية في إخواننا السنة أيضاً موجودة.
عباد الله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ، وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ)...