بسم الله الرحمن الرحيم
جمعتنا
دين و حياة
العدد:139
الخطبة الثانية من صلاة الجمعة في مدينة المحرق – مملكة البحرين – جامع الحياك – 16 جمادي الأول 1426هـ - 24/6/2005 م.
و التي ألقاها سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي.
الحمد لله رب العالمين ....
وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا و شفيع ذنوبنا محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، ونشهد ان لا إله إلا الله وحد لا شريك له، ونشهد ان محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله الأطيبين الأطهرين...
الموضوعات:
1- الوصية بالتقوى
2- ريبة المجلس الإسلامي الأعلى
-1-
1-الوصية بالتقوى
اوصيكم عباد الله و نفسي بتقوى الله تعالى. في بداية هذه الخطبة نذكر جملة أخرى من الجمل التي ذكرها الإمام أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة و السلام في بيان صفات المتقين في خطبة المتقين المعروفة, قال عليه السلام :
(تراه قريباً أمله , قليلاً زلله ). نهج البلاغة, الخطبة 193.
أي أن الإنسان المتقي قريب الأمل و ليس بعيده, الآمال البعيدة ليست من الصفات المتقين, الإنسان المتقي لن يكون بعيد الأمل, المقصود بقرب الأمل و بعد الأمل إنما هو القرب أو البعد بالنظر الى المصالح الدنيوية و بالنسبة الى عالم المادة و الماديات, و لكن بالنسبة الى شؤون الآخرة و عالم الآخرة يستحسن في الإنسان المؤمن المتقي أن يكون بعيد الأمل على عكس أمور الدنيا و الماديات, ففي الماديات من صفات المتقي أن يكون فيها قريب الأمل, و لا يكون بعيد الأمل.
و بعد الأمل في الماديات كأن يأمل الشخص في حياته أن يبني بدلاً عن دارٍ واحدة أن يبني دارين, أو بدلاً عن دارين يبني دوراً ثلاثة, أو بدلاً... .
أو إذا كان يملك قطعة من الأرض يأمل في أن يملك قطعتين, و إذا كان يملك قطعتين يأمل أن يملك ثلاث, و هكذا.
فتراه ليل نهار يعمل و يخطط و يبرمج لتكثير المال ..., لكن إمامكم امير المؤمنين (عليه السلام ) يقول هذا مخالف للتقوى, فالإنسان المتقي لا يكون بعيد الأمل. أحياناً يلحظ الإنسان أن بعض الأشخاص ليس يملك ثروة يكفيه هو و عياله و أحفاده إلى آخر أعمارهم, بل يملك أكثر من ذلك بكثير, و مع ذلك يعمل ليل نهار لجمع قدر أكبر من المال, فهذا ليس من صفات الإنسان المتقي, فالمتقي لا يكون بهذا الشكل, بل الإنسان المتقي كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): ( قريباً أمله ) , أي إن آماله قريبة, فهي تقتصر على تحصيل عيش كريم لنفسه و عياله فقط و لا يبالغ في الآمال و جمع المال.
بعد الأمل من المخاطر الكبيرة, ففي الحديث المروي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه و اله ) انه قال:
( إن أخوف ما أخاف عليكم إتباع الهوى و طول الأمل ).
أي إنني أخاف عليكم كثيراً من طول الأمل, أي بعده. لماذا ؟
لأن الإنسان كلما بعد أمله و طال و كبر فإنه قد يغض الطرف عن رعاية الضوابط الشرعية و الحلال و الحرام في تحصيل المال, لأنه يريد بناء دور كثيرة مثلاً, و فنادق و عمارات و إلى آخره, و يريد شراء اراضي, و يريد ....., فحينئذٍ قد يجرأ علي الربا و يستصغره, و قد يغتصب حق العامل فلا يدفعه او ينتقصه, فيأكل حقوق الناس حتى يتمكن من الوصول الى الآمال البعيدة.
و دائماً أو غالباً ترى أصحاب الآمال البعيدة يقيسون أنفسهم إلى من هم أكثر مالاً منهم, فدائماً يعيشون أمل الوصول إلى مستوى فلان و فلان في الثروة, فيعزم على الإكثار من العمل, ..... مع أننا أمرنا في روايات أهل البيت ( عليهم السلام) بأن ننظر في امور الدنيا إلى من هو دوننا و في أمر الآخرة إلى من هو فوقنا.
على كل حال, من صفات المتقين أن الإنسان المتقي- كما يقول علي (عليه السلام) – يكون قريب الأمل, و إذا قرب الأمل قل الزلل و الخطأ و إرتكاب الذنوب.
فهناك نسبة طردية, فكلما كان الأمل بعيداً و طويلاً كثر الخطاً و الزلل و كثرت الخطايا, و كلما كان الأمل قريباً قل الخطأ و الزلل و قلت الخطايا, و لذا يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف المتقين, و الإنسان المتقي:
(تراه قريباً أمله, قليلاً زلله), فإذا كان الأمل قريباً كان الزلل قليلاً.
و من يكون بعيد الأمل كثير الإشتغال بتحصيل المال لامحالة يكون حضوره في مجالس الذكر و الدعاء و العبادة و صلوات الجماعة و غيرها أيضاً قليلاً و ضعيفاً, لأنه ليل نهار يعمل لجمع المال فلا يبقى عنده وقت للحضور في هذه المجالس. و كل هذه الأمور بالنتيجة مؤثرة علي تقدير في صلاح الإنسان, و على تقدير آخر في فساده.
على كل حال, نسال الله سبحانه و تعالى أن يوفقنا لإصلاح النفس – إن شاء الله تعالى – في هذا المجال.
-2-
2- ريبة المجلس الإسلامي الأعلى
و كلمتي الثانية تتعلق بالقانون الجديد للمجلس الإسلامي الأعلى, في فترة عمر مجلس النواب و مجلس الشورى التي تقرب من ثلاث سنين لم نجد و لا قانوناً واحداً تم التسريع في إقراره بهذه السرعة اللافتة مثلما حصل في إقرار قانون المجلس الأعلى, و قد أصرت الحكومة على تمريره السريع إلى درجة أن بعض الجرائد المحلية كتبت في الأسبوع الماضي ان الحكومة تقاتل من أجل إقراره...) وقد جاء في إشارات بعض المسؤلين في الأسبوع الماضي في موقف الدفاع عن القانون في مجلس الشورى, جاء- ما مؤداه - ان ذلك تم خوفاً من تراجع الأطراف الموافقة عليه عن قرارها, و هو القانون الذي تحفظنا عليه و سجلنا عليه تحفظات ست, وأصدر مكتبنا فيه بيانات عدة لأهمية المسألة, و قلنا بأن نصوص هذا القانون مريبة و سرعة إقراره زاد الريبة فيه و أكدها, و كل هذا المشهد الذي حصل من أوله إلى هذا المرحلة أكد لنا وأوضح جملة في الأمور يجب التذكير بأهمها:
أولا: أن هذا البرلمان و مجلس الشورى لم يعملا في هذا القانون- بل و في كثير من المواقف القانونية الأخرى- إلاّ كجهاز تنفيذي من أجهزة الدولة, و تأكد أن ما تطلب الحكومة من المجلسين إقراره فلن يخالفوا, و هذا لا يمكن أن يساعد على تحسين صورة المجلسين كسلطة تشريعية.
ثانياً: أن سرعة إقرار القانون اللافته في المجلسين أوقفت الكثيرين من الناس وأكدت لهم مواقع الريبة في هذا القانون, إذ انهم لم يعهدوا في الماضي ان تقاتل الحكومة من أجل قانون إلاًّ إذا كانت مصلحتها فيه هي الأقوى إذا ما قيست بمصلحة الجانب الأهلي في القانون, فكيف لا تحصل لهم الريبة فيه؟! و ما الذي حصل في هذا القانون و ما هي الغنائم التي حصلت عليها الحكومة مما جعلتها تقاتل من اجله؟!
إننا جميعاً أيها الإخوة المؤمنون و الأخوات المؤمنات بحاجة شديدة الى وقفة تأمل و مراجعة و محاسبة, واننا بحاجة إلى قراءة جديدة للموضوع لإستخلاص العبر منها, سدد الله تعالى خطانا جميعاً إلى ما فيه الخير و الصلاح.
ثالثاً:إن كيفية تعامل السلطة الرسمية المحترمة مع وجهات النظر المختلفة التي طرحت في الجانب الأهلي حول مشروع هذا القانون, والمنحى الأحادي الذي اعتمدته في التعامل كشف عن ان السلطة تبحث في الرؤى و الأوراق لتختار الأقرب الى رؤاها, لكن ذلك دل ّعلى ان السلطة لا تمتلك قدرة دقيقة على التحليل و كيفية التوازن و دراسة نتائج المنحى الاُحادي المذكور على الملفات العالقة الاُخرى, مثل قانون الأحوال الشخصية, و الأوقاف و غيرهما, حيث ان المنهج الاُحادي جعل الأطراف في موقف لا يبعث علي الراحة, مما أصبح سبباً لتعقيد الملفات العالقة أكثر مما مضى و عدم سهولة الإتفاق بشأنها مع الأطراف التي يهمها جميعاً مصلحة الدين و الوطن و وحدة الكلمة و الموقف و سلامته و قوته, و عدم حصول الغبن فيها, لأن المحافظة على هذه القيم و المهمات هي المسؤلية الأهم في نظر و موقف جميع الأطراف.
عبادالله: ( ان الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي، يعظكم لعلكم تذكرون). النحل / 90.
بسم الله الرحمن الرحيم
(قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفواً أحد).
.....
عبادالله: ( ان الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي، يعظكم لعلكم تذكرون). النحل / 90.
و صلى اللهم على محمد و آله الطاهرين .