دين و حياة
العدد:143
الخطبة الثانية من صلاة الجمعة في مدينة المحرق – مملكة البحرين – جامع الحياك – 29/جمادي الثاني 1426هـ - 5/8/2005 م.
و التي ألقاها سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي.
الحمد لله رب العالمين ...
و أفضل الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا و شفيع ذنوبنا محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين ...
الموضوعات:
• الوصية بالتقوى
• نجاح مشروع التعطيل و كشف الحقيقة
• مخاطر قانون الجمعيات السياسية
1- الوصية بالتقوى: أوصيكم عباد الله و نفسي بتقوى الله تعالى، و السعي من أجل الإتصاف بصفات المتقين التي بينها لنا أمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة و السلام) في خطبته المعروفة خطبة المتقين. و في سياق ذكرنا لهذه الصفات التي ذكرها أمير المؤمنين (عليه اأفضل الصلاة والسلام) و صلنا إلى هذه الفقرة من كلامه
التي يقول فيها:(حريزاً دينه). نهج البلاغة/ الخطبة 193.
فمن جملة الصفات التي يذكرها علي (عليه السلام) للمتقين، إن الإنسان المتقي (حريزاً دينه)، أي محافظ – أشد الحفظ – لدينه، الإنسان المؤمن المتقي يجدر به أن يكون حريزاً لدينه كما هو حريز لماله، هذا أقل ما يجب، فبقدر ما يكون حريصاً على حفظ ماله يحب أن يكون حريصاً على حفظ دينه، بل المطلوب أكثر من ذلك، فالإنسان المؤمن المسلم التقي ينبغي فيه أن يكون حريزاً و حريصاً على دينه أكثر من حرزه لماله ، فإذا وجد الإنسان في نفسه ما يخالف ذلك فهذا دليل على أنه لا يعيش حالة إيمانية تقوائية نقية خالصة صحيحة.
فالإنسان المؤمن - كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) – حريز لدينه، أي محافظ على دينه، كما هو محافظ على ماله.
فينبغي لنا كمؤمنين و متقين أن نعيش أشد الحرص لحفظ ديننا و تقوانا، أي للإلتزام بأحكام و شريعة الله سبحانه و تعالى.
و حديثنا الثاني في هذه الخطبة أوزعه على نقطتين.
2- النقطة الأولى: نجاح مشروع التعطيل و كشف الحقيقة
إننا نؤكد أن مشروع تعطيل صلاة الجمعة و الجماعة الذي حصل في الأسبوع الماضي كان ناجحاً إلى أبعد الحدود، و ذلك بفضل الله تعالى، و الدليل على ذلك ردود الأفعال التي حصلت من بعض الأطراف، مستنكرة هذا العمل تارة، و معتبرة له مخالفاً للفقه الإسلامي و سيرة النبي
و أئمة أهل البيت
و السلف الصالح تارة أخرى، و متهمة إياه بالإنطلاق عن مصالح شخصية و طائفية تارة ثالثة، إلى آخر الأقاويل الباطلة التي ذكروها.و قد غفلوا عن أن البحث في شرعية أو عدم شرعية هذا الأمر خاص بالفقهاء و ليس لغير المتخصص أن يفتي فيه بعدم الشرعية، فالموقف التعطيلي لم يصدر إرتجالاً و إنما صدر عن دراسة فقهية و سياسية واعية. و كيف يكون التعطيل غير شرعي و قد فعله بعض مراجعنا العظام، و فعله إخواننا السنة في العراق قبل فترة، و تاريخ المسلمين مملؤٌ بالشواهد على حصول ذلك في سيرة المسلمين عند إقتضاء الضرورة بحسب تشخيصهم، و الواقع أن صلب الموضوع و جوهر الحقيقة يعرفه الكل، فالمسألة عند هؤلاء الذين تنادوا: ( واسلاماه، واجمعتاه، واصلاتاه ...) ليست مسألة أن هذا العمل شرعي أم لا، و إنما هذا مجرد غطاء، و حقيقة الأمر أن هذا النمط من الإحتجاج أزعجهم سياسياً فجاءؤا من نافذة الشرع، و إلاّ فإذا كان هؤلاء – من شخص أو مؤسسة – يهمهم الدفاع عن قيم الدين و أحكام الشرع و المصلحة الوطنية و قلع الحالة الطائفية من البلد، فلماذا لم يصرحوا و لا مرة أنه: ( يا وزارة التربية، إن ما تعملينه من تدريس لمادة الدين وفق مذهب واحد أمر طائفي لا يوافق المصلحة الوطنية) بل وقفوا بتصريحاتهم أو سكوتهم في صف الوزارة؟!
و إذا كان يهمهم أمر الدين و أحكام الشرع فلماذا لم يصدر هؤلاء الأشخاص و المؤسسات و لا مرة واحدة بياناً أو تصريحاً يستنكرون فيه و يدعون الى محاربة حالة الفساد الأخلاقي الذي يزداد إنتشاراً في البلد؟
و لماذا لم يستنكروا حفلات المثليين التي أقيمت قبل فترة في البلد؟!
إذا كان يهمهم مصلحة الدين و الدفاع عن حقوق المواطنين فلماذا لم يتحدثوا و لا بكلمة دفاعاً عن حقوق العاطلين؟!
و إذا كان يهمهم محاربة الطائفية فلماذا لم يتحدثوا بشأن أنه لماذا في مدينة حمد يوجد لإخواننا ما يزيد على العشرين مسجداً و لا يوجد لأتباع أهل البيت
إلاّ أربعة مساجد ؟و لماذا لا يستنكرون على بعض الصحف التي تسوق للفساد من خلال ما تبثه من صور خالعة، و لماذا لم يستنكروا إهانة كبار مراجع المسلمين في هذه الجرائد؟
و أين هؤلاء مما يجري الآن في بعض الفنادق من حفلات المجون و الفسق، و اين هم مما يحصل في بعض المجمعات التجارية من أجواء تشجع على الفساد، و أين هم من بيع الخمور في البلد؟!
لماذا لم يتحدثوا في ذلك بشيء ؟ و لماذا لم يحتجوا على ما يباع في الأسواق من أشرطة و أقراص مضغوطة تبث الخلاعة بين الشباب و الشابات، و لماذا لم يحتجوا على نزع اللوحات الدينية، ألم يكن في وجود اللوحات نصرة لدين الله تعالى؟! و أين هؤلاء من الأشرطة و الكتيبات الطائفية التي توزع في جميع مناطق البلد و التي تكفر أتباع أهل البيت
و تفسقهم ؟ ! لماذا لم يعترضوا على ذلك، و لماذا لم يدينوه، و لماذا لم يقولوا هذا عمل مخالف للشرع؟!
هل لأن هذه الامور كلها توافق الدين و سيرة السلف الصالح، أم لعدم وجود توجيه من السياسية الرسمية بالإستنكار؟
إننا نتسائل متى صدر عن هؤلاء موقف إسلامي مستقل عن السياسات الرسمية؟ دلونا على موقف واحد، فإذا كان لا يوجد ذلك فما هو تفسيره ؟! هل لأن كل السياسات الرسمية الإجتماعية و الإقتصادية و الثقافية و الإدارية و البلدية و غيرها مطابقة للشرع؟!
كيف إندفع في هذا اليوم إخواننا هؤلاء للدفاع عن الدين في هذه الحركة الإحتجاجية، فأخذوا يقولون هذا لا يوافق الفقه، و لا يوافق سيرة السلف الصالح و لا يوافق سيرة أهل البيت
، ....، لماذا لم يتذكروا الفقه و سيرة السلف الصالح و سيرة أهل البيت
إلاّ في هذه الحركة الإحتجاجية؟!أليس ذلك دليل على أن هؤلاء الأشخاص و المؤسسات ليسوا إلاّ أداة لتوجيه السياسات الرسمية، ألا فالعجب كل العجب بين جمادي و رجب، أهكذا تدافعون عن دين الله تعالى و أحكامه؟! فإذا كان هذا هو المرجع الأعلى للشأن الديني في البلد فعلى الإسلام السلام !
3 - النقطة الثانية: مخاطر قانون الجمعيات السياسية
إن المراقب يلحظ إن هناك حركة قوية في هذه الأيام من أطراف مختلفة – بما في ذلك أطراف نثق في نواياها - لتسويق قانون الجمعيات، و تهوين أخطاره، إنني أقول لإخواني و أعزائي في جميع الجمعيات: القانون يهدد حرية العمل السياسي الديمقراطي في البلد، و كل جمعية تقبل به فلتقرأ على نفسها الفاتحة، و لتعتبر نفسها منتهية، و لتعلم أنها ساهمت بذلك في صدور قوانين أشد خطورة كقانون المسيرات و التجمعات و كقانون الإرهاب، و لتعتبر أنها بذلك ضيقت على المواطنين حريتهم الشخصية و السياسية، و ليعلم إخواننا أن هذا سيل، و السيل يمنع بمنع أوله و إلاّ فإذا جرى فإنه سيجرف ما في طريقه، بالأمس هذه القوانين كانت تصدر عن الجهة التنفيذية و اليوم تصدر عن المجلسين، لم يختلف الحال، الفكر و الخط و الإستراجية و الجوهر واحد.
القبول بهذا القانون هدم لما بني، و حرق لما أسس، و نكران لنضال المواطنين من أجل حرية حقيقية و ليس مظاهر ديكورية، فهل هذا ما أراده الناس؟! لا يصح القبول بما يضيع جهود و تضحيات و خسائر الوطن و المواطنين، لا مجال للقبول بهذا القانون دون إجراء تعديلات و إصلاحات جوهرية عليه.
المجلس الذي لا قيمة عنده لآراء الجمعيات و عموم الناس و حقوقهم السياسية، لا قيمة لقوانينه، و لا يمكن أن تكون قراراته و قوانينه معبرة عن آراء الناس و طموحاتهم، و لا أن يكون مدركاً لآمال الناس و آلامهم، و لا أن يعيش همومهم و أحلامهم.
كيف نؤمن بهذا المجلس و هو يتراكض لإقرار حق التقاعد لنوابه إلى آخر العمر بأرقام مجحفة لميزانية الوطن المستحصل من أموال الفقراء و الضعفاء من أبناء الوطن، مع أنهم – في أحسن الفروض – لم يخدموا الوطن إلا أربع سنين، لكنه – هذا المجلس - لا يفعل شيئاً لمعالجة البطالة و الفقر و تدني أجور القطاع الخاص و العام، و يطالب لنوابه ألف و خمسمائة دينار – أو ما يقرب منه – كحق تقاعدي إلى آخر العمر لنوابه، و لا يطالب بثلاثمائة دينار كحد أدنى لأجور العمال في القطاع الخاص و العام، ماذا فعلوا لغلاء أسعار الأراضي و السكن و غير ذلك من مصائب و ويلات المواطنين ؟!
عبادالله: ( ان الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي، يعظكم لعلكم تذكرون). النحل / 90....