حسني كنت خفيفا فصرت سخيفا

لغرض التماس المبررات الكامنة وراء التصريحات الأخيرة للرئيس حسني مبارك ، التي حكم فيها - على الشيعة العراقيين خصوصا ، وعلى الشيعة في جميع أوطانهم الأخرى عموما - بقوة الولاء لإيران ، وضعف ولائهم لأوطانهم ينبغي اولا أن نضع هذه التصريحات – الأحكام – في احد مجالات المعرفة الإنسانية . واعتقد انه يحسن بنا أن نبتعد عن مجال المعرفة بتاريخ الفرق والطوائف والأديان . بداهة أن الحديث واللقاء الذي قدمته الفضائية العربية كان حديثا سياسيا ، و بداهة أن حسني ليس بجاهل بتاريخها تمام الجهل ، و إلا فانه يعرف تمام المعرفة أن القاهرة عاصمة بلاده مصر قد أسسها الشيعة الفاطميون ، وليس احد من سواهم قد قام بذلك التاسيس ، ويعرف أيضا أن في مصر وحدها اليوم ما يزيد على مليون شيعي – كما ذكرت بعض المؤسسات من داخل مصر – المجلس الأعلى لرعاية شيعة أهل البيت - لا يستطيع احد أن يطعن بوطنيتهم وانتمائهم لمصر .
إن المجال الصحيح لتلكم التصريحات هو المجال السياسي اللعين . المجال الذي أصبح عند الحكام العرب مباءة للفساد والإفساد ، ومرتعا للتهم والطعن واللعن ، إلى غير ذلك من أساليب الشذوذ والانحراف من التي يجيدون استخدامها ويحسنون صنعها .
لذا يجب أن نبحث في المجال السياسي عن مبررات هذا التصريح الأحمق ، التصريح الذي نقل حسني – في نظر أكثر العراقيين - من مرتبة الخفيف في عهد أكثر الحكام العرب حمقا وتفاهة – عهد صدام هبل القومجيين ومعبودهم – إلى مرتبة السخيف في عهد العراقيين الجديد .
ومن البداهة – ايضا - أن نجد الإنسان متوترا قد اخذ القلق منه مأخذا كبيرا حينما تتعرض أنانيته ومصالحه الخاصة إلى مخاطر جدية ، تهددهما بالزوال والأفول .
وتأسيسا عليه أرى أن من المناسب هنا أن نلتمس مبررات تصريح السخيف – حسني – في المخاوف التي يثيرها - في نفسه ، و نفوس بعض الحكام العرب - نجاح العراقيين في بناء دولتهم الجديدة ، ونجاحهم في صناعة النظام السياسي الجديد ، الذي يكفل لهم حياة حرة كريمة ، وان نجد تجليات هذه المخاوف في تصريحاتهم المثيرة للفتن ، وفي أعمالهم القذرة المساندة للعمليات الإرهابية التي تجري في العراق اليوم .
وينضم إلى فريق السخفاء سخيف أخر ذلك هو سعود الفيصل – وزير الخارجية السعودية - الذي أصر بشكل ملفت للنظر - في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع وزير الخارجية الأسباني يوم أمس - على أن ما يجري في العراق اليوم إنما هو حرب أهلية ، وتصريحه هذا يكشف عن رغبة دفينة في نفسه ، تلك هي انه يتمنى - لخوفه من العراق الجديد القادم - أن تحصل حرب أهلية في العراق ، تدرا عنه المخاوف التي تهدد متعته ، ومتعة آل سعود في لذاذات السلطان والصولجان في مكة والحجاز . و إلا فانه يعرف تمام المعرفة بان القتل والذبح والتفخيخ إنما يجري على الهوية ، ومن قبل التكفريين الذين يصدرونهم إلى العراق ، و من قبل ازلام النظام البائد ، وأتباعهم من الطائفيين السياسيين بقصد إشعال الحرب الأهلية ، التي لم تشتعل لحد اليوم مما أثار فيه الحنق والغيظ ، فأعلن اشتعالها عنادا ورغبة قذرة مريضة يعيشها لن تتحقق له بإذن الله . ومما يكشف عن وجود هذه الرغبة القذرة هو محاربتهم للإرهاب داخل بلدانهم ما وسعتهم الحرب إلى ذلك من سبيل ، وسكوتهم بل ودعمهم للإرهاب في العراق ما وسعهم الدعم إليه من سبيل ، نعم انه الخوف حد الفزع من خروج العراق من مأزقه إلى بر العافية والأمان ، عراق لا ينوء بحمل بأوزار الديكتاتورية اللعينة كما ينوء بحملها الشعوب العربية في أوطانها ، عراق كل شيء فيه واضح ومكشوف بلا دهاليز مظلمة ولا صفقات تآمر تعقد تحت جنح الظلام ، مثل تلك التي داب النظام السياسي العربي على انتهاجها حتى اصبحت جزء من تكوينه وبنيته .
إن الموقف الجميل الرافض لتصريحات السخيف حسني الذي أعلنه جميع الفرقاء السياسيين العراقيين ، إلا من شذ منهم - الذين قد لاقت تصريحات السخيف في نفسه رواجا وقبولا وفرحا واستبشارا - إن هذا الموقف الجميل ليكشف عن وحدة العراقيين ، وعن وطنيتهم الرائعة ، وتمسك بعضهم ببعض إزاء المتربصين بالعراق وبالعراقيين الدوائر ، عليهم دائرة السوء ، ولعنة العراقيين الشرفاء .
إن مخاوف النظام العربي من العراق الجديد لم تعد بخافية على احد متابع لمنهجه السياسي ، وعارف بطبيعته الديكتاتورية ، ونزعته الشمولية ، وهشاشة أسس وجوده ، وعمالته للقوى الأجنبية – الاميريكية والفرنسية والإنكليزية و ... - ولم يعد بخاف - أيضا - أن رياح التغيير السياسي القادمة من العراق سوف تضرب النظام العربي عموما ، والجوار الإقليمي للعراق خصوصا في أسس شرعية وجوده ، إن وجدت أسس شرعية له . أن هذه المخاوف يثيرها ويحفزها فيه- النظام السياسي العربي - هذا العقد المبرم بين جميع العراقيين ، والذي مفاده أن يشترك جميعهم في صناعة وتكوين العراق الجديد ، عراق ينعم به العراقيون بالكرامة وبالعز ة والرفاه ، أما اؤلئك الرافضون لهذا العراق المشرق فلهم البحر يشربون منه حتى يرتون .

علي عبد الهادي / العراق