جمعتنا
دين و حياة
العدد:136
الخطبة الثانية من صلاة الجمعة في مدينة المحرق – مملكة البحرين – جامع الحياك – 24 ربيع الثاني 1426هـ - 3/6/2005 م.
و التي ألقاها سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي.
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي يخلق ولم يخلق، و يرزق و لا يرزق، ويطعم ولا يطعم، و يميت الأحياء ويحيي الموتى وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، واستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وكفى بالله وكيلا، وأفوض أمري الى الله، ان الله بصير بالعباد، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولن تجد من دونه وليا مرشدا.
ونشكره شكرا كثيرا، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا وحصائد ألسنتنا وزلات أقلامنا وأقدامنا.
وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا وشفيع ذنوبنا محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، ونشهد ان لا إله إلا الله وحد لا شريك له، ونشهد ان محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وعترته الأطيبين الأطهرين...
الموضوعات:
· الوصية بالتقوى
· الإضطهاد البرلماني لمادة الدين
· ملف الأحوال الشخصية سياسي أيضاً
-1-
1- الوصية بالتقوى:
إخواني المؤمنين أخواتي المؤمنات، اوصيكم و نفسي بتقوى الله تعالى، و ان نسعى جميعاً لجلب رضا الله سبحانه و تعالى في أعمالنا و أقوالنا، و ان نسعى لـ التقرب الى الرضوان الإلهي، و ان نسعى لأن نكون كما أرادنا الله و رسوله و أهل بيته الكرام عليه و عليهم أفضل الصلاة و السلام.
الإمام أمير المؤمنين
تحدث إلينا في خطب و كلمات كثيرة عن التقوى، و من جملتها في خطبة المتقين، حيث ذكر لنا جلمة وافرة من صفات المتقين، و التي منها كما يقول عليه أفضل الصلاة و السلام: (يمزج الحلم بالعلم، و القول بالعمل) نهج البلاغة/ الخطبة 193.
من صفات الإنسان المتقي انه يمزج الحلم بالعلم، العلم لوحده ليس مقبول، العلم بلا حلم لا قيمة له، العلم إنما يؤثر في الناس و في هداية الناس إذا كان ممزوجاً بالحلم، نبوة نبينا لم تكن لتؤثر كما أثرت إذا لم يكن على خلق عظيم، قال تعالى:
(و انك لعلى خلق عظيم) القلم/4.
انه صلى الله عليه و آله سلم لم يوفق لإرشاد الناس بمجرد ما علمه الله سبحانه و تعالى و ما كان ينزل عليه من الوحي، بل بذلك مع الخلق العظيم الذي كان يتصف به.
العلم لوحده لا يكفي للإنسان المتقي، بل العلم الممزوج بالحلم هو المطلوب.
و لكن لم قال علي
في صفة الإنسان المتقي: (يمزج الحلم بالعلم)؟ و لم يقل: (يمزج العلم بالحلم)؟
لعله أراد الإمام
ان يشير الى أن الإنسان المتقي لا يكفي فيه ان يكون حليماً، بل مضافاً الى الحلم يجب ان يكون أيضاً عالماً، لأن الحلم غير الممزوج بالعلم لا يصلح الناس، بل يفسد احياناً، فلعل مقصود الإمام
الإشارة الى ان من الصفات المطلوبة في الإنسان حتى يكون متقياً هو ان يكون عالماً، لكن العلم له مراتب، فعلى الأقل يكون عالماً بأحكام دينه، بواجباته و تكاليفه الإلهية، يعرف شيئاً من القرآن و السيرة النبوية، و سيرة أئمة اهل البيت عليه أفضل الصلاة و السلام، الإنسان لا يمكن ان يكون متقياً دون ان ينال حظاً من العلم، فربما مقصود الإمام
لما قال: (يمزج الحلم بالعلم) انه لا يكفي في الإنسان المتقي ان يكون حكيماً فقط، بل لابد ان يكون حليماً و عالماًن يملك مرتبة من العلم، ليس بمستوى التخصص، و لكن على الأقل بقدر بحيث يعرف واجباته و محرماته، و يعرف كيف يقرأ القرآن، و يعرف شيئاً من سيرة و سنة النبي و أهل البيت عليه و عليهم السلام، و لا يكون أعرابياً بحسب المصطلح القرآني، يعرف شيئاً من معالم الدين. فالتقوى بدون العلم لا يتحقق، بل لابد من مزج الحلم بالعلم، فهذه صفة الإنسان المتقي.
ثم قال عليه أفضل الصلاة و السلام: (و القول بالعمل)، أي الإنسان المتقي يمزج قوله بالعمل، أي إذا قال للناس شيئاً عمل بقوله، هذه من خصوصيات الإنسان المتقي، فالإنسان المتقي لا يمكن ان يقول من دون ان
يعمل بما يقول.
و فقنا الله سبحانه و تعالى جميعاً للقول و العمل و لمزج الحلم بالعلم، إن شاء الله.
حديثي الثاني في هذه الخطبة اوزعه على مسألتين:
-2-
2- الإضطهاد البرلماني لمادة الدين
المسألة الأولى: تتعلق بقضية التوسع في مناهج مادة الدين في المدارس و الجامعات لتشمل المذهب الجعفري أيضاً، إن هذا الأمر مع انه من الحقوق البديهية الواضحة للوطن و المواطنين يتم تجاهله من قبل المسؤلين، لماذا ؟ و كيف نفسره؟!
هل من تفسير لهذا الشيء سوى انه فرض للهيمنة الطائفية و محاولة لفرض مذهب على أبناء مذهب آخر من خلال حصرية التعليم في مادة الدين ضمن مذهب واحد؟
في العصر الذي نعيش فيه اليوم، في أي بلد يفرض تدريس مذهب الأقلية على الأكثرية؟
لكن الديمقراطية عندنا هكذا تفعل، إن هذا الملف يشكل نموذجاً صارخاً من نماذج التمييز الطائفي و الإضطهاد الديني و العقائدي الذي منعته القوانين الدولية منذ عشرات السنين، لكنه لازال يمارس في بلدنا.
و قد قرأنا في الإعلام ان مجلس النواب رفض في الاسبوع الماضي تدريس مادة الدين وفق المذاهب الخمسة - و منها الجعفري - بحجج لا يدري الإنسان أيبكي لها أم يضحك أم يسترجع بكلمة : (إنا لله و إنا إليه راجعون).
لانهم رفضوا المقترح بحجة ان تدريس المذاهب الخمسة يوجب التعصب الديني، لكن تدريس مذهب واحد لا يوجب تعصباً دينياً ؟!
من هنا أقول: ان هذه الحجج لا يدري الإنسان أيضحك أم يبكي أم يسترجع لها؟
إن النائب الذي صوت للمنع – منع تدريس المذهب الجعفري - و الذي رضى به و الذي سكت عنه – شيعياً كان أم سنياً – كلهم شريك في هذا الإجحاف الطائفي، هل هناك مجال لأن يقال عن هؤلاء – مع إحترامنا لهم – انهم يمثلون الشعب بأسره، هل يجوز الشرع و ميثاق الوطن دخول هؤلاء في البرلمان، و هل يمكن ان يجوز الشرع التصويت لمثل هؤلاء، و هل يمكن إعتبار البرلمان الذي يميل في أكثريته الى مثل هذا القرار برلمانا للشعب و الوطن؟!
ألا يمثل هذا القرار نموذجاً واضحاً للتعصب الديني و الطائفي، و ألا يعد ذلك مصداقاً جلياً للتمييز المذهبي؟!
-3-
3- ملف الأحوال الشخصية ... سياسي أيضاً
المسألة الثانية: ملف الأحوال الشخصية، لقد تحدثنا في مناسبات كثيرة عن هذا الموضوع، قلنا بان الموافقة على ذلك لا تمكن، لأنه يهدد سلامة أحكام الله تعالى، إلا ان تتوافر الضمانات القانونية - غير القابلة للتلاعب بها و الإلتفاف عليها – الضمانات بعدم تحريف مواد القانون الى ما يخالف أحكام الله تعالى، و لا يوجد فعلاً في المنظور أي ضمان قانوني من هذا القبيل.
و لا يصح قياس الوضع في بلدنا على بلاد أخرى توجد فيها آلية قانونية لضمان عدم إنحراف القانون، كما لا يصح الإستشهاد بكلام مسئولي الدول الاخرى لتسويق المشروع في البلد، مع وجود الفارق الذي اشرت اليه.
على انه علينا ان نلتفت ان هذا الملف – اعني ملف الأخوال الشخصية - لم يعد ملفاً قضائياً قانونياً برلمانياً فقط، بل هو ملف سياسي أيضاً، و أرجوا ان لا يفرط فيه أحد بسبب الإفراط في حسن النية، و لنجعل التجارب الماضية أمامنا دائماً للإسترشاد بها في المستقبل و الحال.
إن ملف الأحوال الشخصية، و هكذا ملف الأوقاف، و إصلاح المحاكم الشرعية، و النص الجديد لقانون المجلس الإسلامي الأعلى، كل ذلك من الملفات الأساسية الضاغطة، و هي في نفس الوقت ملفات سياسية فعالة، و حتى إذا توفرت فيها الإستحقاقات - مع أنها غير متوفرة فعلاً - فلا يصح الإستعجال فيها بدون تحقيق مكاسب تحقق العدالة الإجتماعية و السياسية و القانونية و غيرها لجميع أبناء الوطن دون تمييز.
هذا فضلاً عن الملفات الأساسية الاخرى التي تحتاج الى العمل الدؤوب من أجل تحقيق الحق فيها و تأمين العدالة الوطنية في خصوصها، و هي ملفات الدستور، و التمييز الطائفي، و البطالة، و التجنيس و غير ذلك.
و كل ذلك من اجل الوصول الى وطن متنعم بأحكام الإسلام، ديمقراطي حر عادل شفاف حضاري مزدهر، و لكي لا يكون الوطن محكوماً بقوانين مقيدة للحريات كقانون الإرهاب، و مقيدة لعمل الجمعيات السياسية كمقترح قانون الجمعيات السياسية، و مقيدة لعملية النقد و إبداء النظر التقويمي كمحاكمة بعض النشاطات الحقوقيات و بعض الناشطين الحقوقيين.
عباد الله :
(ان الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي، يعظكم لعلكم تذكرون). النحل / 90.
بسم الله الرحمن الرحيم
(قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفواً أحد).
ثم أفضل الصلاة والسلام على عبدالله ورسوله وأمينه وصفيه وحبيبه محمد، و على علي بن أبيطالب، أمير المؤمنين، و وصي رسول رب العالمين، و على الصديقة الطاهرة الشهيدة، فاطمة سيدة نساء العالمين، اللهم وصل على سبطي الرحمة، و إمامي الهدى، الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وصل على أئمة المسلمين علي بن الحسين السجاد، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي الزكي العسكري، وعلى الحجة بن الحسن القائم المهدي.
اللهم عجل له الفرج، وسهل له المخرج، واجعلنا من أنصاره وأعوانه ومن المستشهدين بين يديه.
اللهم و اجعل صلاتنا به مقبولة، و ذنونا به مغفورة، و دعائنا به مستجابا، و اجعل اللهم ارزاقنا به مبسوطة، و همومنا به مكفية، و حوائجنا به مقضية، اللهم اشف مرضى المؤمنين و المؤمنات، سيما من أوصونا بالدعاء، بشفائك العاجل القريب، يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر الإسلام و المسلمين، و اخذل الكفار و المنافقين، اللهم وحد كلمتنا و رص صفوفنا، يا ارحم الراحمين.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، تابع اللهم بيننا و بينهم بالخيرات، انك مجيب الدعوات.
عبادالله: (ان الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي، يعظكم لعلكم تذكرون). النحل / 90.
(إن الله و ملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما). الأحزاب / 56.
يمكنكم مراجعة موقع سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي:
www.alnajati.org
و بإمكانكم مراسلتنا على العنوان التالي:
info@alnajati.org