بسم الله الرحمن الرحيم

جمعتنا
دين و حياة

العدد:135

الخطبة الثانية من صلاة الجمعة في مدينة المحرق – مملكة البحرين – جامع الحياك – 17 ربيع الثاني 1426هـ - 27/5/2005 م.

و التي ألقاها سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي.

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي يخلق ولم يخلق، و يرزق و لا يرزق، ويطعم ولا يطعم، و يميت الأحياء ويحيي الموتى وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، واستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وكفى بالله وكيلا، وأفوض أمري الى الله، ان الله بصير بالعباد، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولن تجد من دونه وليا مرشدا.

ونشكره شكرا كثيرا، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا وحصائد ألسنتنا وزلات أقلامنا وأقدامنا.

وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا وشفيع ذنوبنا محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، ونشهد ان لا إله إلا الله وحد لا شريك له، ونشهد ان محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وعترته الأطيبين الأطهرين...

الموضوعات:

• الوصية بالتقوى
• العدالة الإجتماعية و البرلمان، و دور عالم الدين و المثقف


1- الوصية بالتقوى:

عباد الله: لا تنسوا التقوى و اجعلوها رأس الامور و اساس الحياة، و اسعوا لتربية النفس و الأهل عليها، فهي الصلاح و الإصلاح، البسوا لباس أهل التقوى و اتصفوا بصفاتهم، و من جملتها كما يقول علي (عليه السلام):

( قرة عينه فيما لا يزول، و زهادته فيما لا يبقى ). نهج البلاغة / 193.

هكذا يكون الإنسان المتقي، ما معنى قرت العين؟

الجواب: ان قرة العين يعني الفرح والسرور، و لما يقال في اللغة: ( قرَت عين فلان ...) فمعناه: ان عينه بَرُدَت، بإعتبار ان دمعة السرور باردة و دمعة الحزن و الألم حارة، و ذلك من آيات الله سبحانه و تعالى، حيث جعل دمعة الفرح في برودتها متناسبة مع الحالة، حالة الفرح، و جعل دمعة الحزن و الألم في حرارتها أيضاً متناسبة مع الحالة، حالة الألم و الحزن.

قال تعالى: ( سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق). فصلت / 53.

هذه من آيات الله سبحانه و تعالى.

على كل حال، قرت العين يعني الفرح و السرور، أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الصفة من صفات المتقين يقول: ( قرت عينه...) يعني قرت عين الإنسان المتقي (فيما لا يزول) أي أن فرح الإنسان المتقي يكون فيما لا يزول، أي في الأشياء الباقية غير الفانية، يفرح بصلاته، لأن الصلاة إذا كانت لله فهذا شيء باقي لا يفني، المال يفنى، لا يفرح بأنه إمتلك قصراً، لا، لأن القصر له أمد محدود و بعداً سيؤل الى الخراب أو ينتقل الى الغير، قرت عين المتقي ليس في المال، بل فيما لا يزول، أي في الأشياء غير الفانية، في الأشياء الباقية، مثل الأعمال الصالحة، في العبادات، الطاعات، إذا تذكر المتقي طاعاته فرح و ابتهج منها، إذا توفق لعمل خيري إبتهجت نفسه، تبتهج نفسه من الأشياء الباقية لا من الأشياء الفانية، إذا توفق للطاعة، إذا توفق لعون الضعيف حينئذ يبتهج قلبه، حينئذ دمعات الفرح تنهال من عينيه، هكذا يكون الإنسان المتقي، إذا شعر بانه نال رضى الله سبحانه و تعالى حينئذ تقر عينه، حينئذ يكون فرحه، حينئذ يكون سروره.

و قد جاء في ما روي عن علي (عليه السلام) أنه قال له رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يوم الخيبر:

(لان يهدي الله بك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس). بحار الأنوار، ج 32، ص 448.

أي إذا توفقت لأن تهدي إنساناً واحداً فذلك خير ممّا طلعت عليه الشمس، أي خير من جميع الثروة الموجودة – من ذهب و فضة و نفط و ... كل الثروات – في المنظومة الشمسية برمتها، و ليس خصوص ثروات الكرة الأرضية، لأنه قال: (خير ممّا طلعت عليه الشمس)، و الشمس لا تطلع على الكرة الأرضية فحسب بل على كل المنظومة، كل هذه الثروة التي لا يمكن لنا تقديرها لا تسوى ان يتوفق الإنسان لهداية إنسان، لماذا، ما السر؟


لأن التوفيق لهداية إنسان توفيق لعمل لله ، عمل يبقى و لا يفنى، و لكن هذه الثروة كلها ستفنى، و لذا قال : (لأن يهدي الله بك رجلاً... )، فهو في مقام تشجيع أمير المؤمنين فيما أمره به، من هداية الناس، توجيه الناس، إرشاد الناس، أي إجعل قلبك قوياً، فإنك إذا توفقت لهداية إنسان واحد فهذا خير مما طلعت عليه الشمس.

إذاً الإنسان المتقي قرت عينه فيما لا يزول، و زهادته فيما لا يبقى، فبالنسبة للأشياء التي لا تبقى مثل الأموال و القصور و ما الى ذلك لا قرت عين للإنسان المتقي فيها، لا فرح له فيها، لا سرور له فيها، بل زهادته فيها، هو زاهد في ذلك، و زهادته فيما لا يبقى، فالأشياء الفانية - سواءً أكانت من المباحات أم كانت من المحرمات - الإنسان المتقي زاهد فيها، لأن اللذات المحرمة لها ثواني اودقائق اوساعات معدودة ثم تنتهي، كل هذه اللذات بجميع أنواعها لها دقائق محدودة ثم تنتهي، تزول و تفنى، و لا يبقى إلاّ الندم فقط، الإنسان المتقي زهادته فيما لا يبقى، فرحه و سروره فيما يبقى، في كل شيء يقربه الى الله، فيما ينال به رضا الله سبحانه و تعالى.

-2-

2- العدالة الإجتماعية و البرلمان، و دور عالم الدين و المثقف

و كلمتنا الثانية في هذه الخطبة اننا نريد ان نقول: إننا لا نتعب و لا نمل و لا نكل من النصيحة بما فيه مصلحة هذا الوطن الذي يجب ان يكون آمناً و مستقراً و متنعماً بالنعم و مطمئنا بالإيمان و الإسلام، كما لم يمل القرآن من تكرار النصيحة بالتقوى في عشرات الآيات من الكتاب العزيز، و في ذلك لنا درس و عبرة و تربية.

إن نصيحتنا هي: أن الوطن بحاجة الى عدالة إجتماعية حقيقية، الوطن بحاجة الى إلغاء مبدأ التمييز الطائفي الذي يبدوا و كأنه كالسرطان المتفشي و الذي يزداد تفشياً في جسم هذا الوطن، إذا كانت هناك عدالة و إذا لم يكن هناك تمييز طائفي فربما لم تكن هناك حاجة الى برلمان، لكن متى و في أية أمة و في أي بلد أمكن تحقيق العدالة مع فرض التمييز بين المواطنين، و هل العدالة إلاّ المساواة بين المواطنين في الفرص و تفسيم الثروة و المسؤليات و المناصب، و هل يمكن تحقيق المساواة إلاّ بوجود القوانين التي تحقق هذه المساواة و تجرم التمييز و تعاقب عليه، و إلاّ بوجود جهاز قوي يراقب أداء المسؤلين في تطبيق القوانين و يعاقب المتخلف منهم و المتعدي على القانون، و هل يمكن وجود هاتين الدعامتين – أعني بذلك القوانين العادلة و جهاز المراقبة و المحاسبة و المعاقبة – هل يمكن وجود هاتين الدعامتين إلاّ من خلال ان يحكم الشعب نفسه بنفسه و أن تصدر القوانين العادلة عنه من خلال برلمان يتمثل فيه الشعب بجميع فئآته و مذاهبه و قومياته بشكل عادل، و البرلمان إنما يكون ممثلاً للشعب بشكل عادل إذا كانت الدوائر الإنتخابية عادلة، و الشعب إنما يحكم نفسه من خلال البرلمان إذا كان ما يقره من القوانين نافذاً لا ما إذا كانت هذه القوانين قابلة للرد و الرفض من خلال مجلس آخر لم ينتخبه الشعب.

لكننا في البلد دوائرنا الإنتخابية غير عادلة، و الكل يعرف هذا الشئ، الجانب الرسمي و الشعبي، و الشعب بجميع فئآته، و برلماننا ليست له الكلمة الأخيرة في صياغة القوانين، فأين البرلمان الذي يحقق العدالة ؟

في ظل هذا الوضع الفاقد العدالة و الذي يتفشى فيه سرطان التمييز الطائفي، هل يمكن ان يستمر الوضع على ما هو عليه، أي ان يكون مبدأ التمييز هو الحاكم و البرلمان العادل لا وجود له، و في ظل ما تبدوا هنا أو هناك من إشارات و دلالات على ان لا قناعة لدى الجانب الرسمي لإصلاح الدستور و الدوائر الإنتخابية بما يحقق العدالة المطلوبة،على الرغم مما قدمته المعارضة من تنازلات في هذا المجال.

و على الرغم مما ستودي اليه حالة التمييز الطائفي من تأسيد لطائفة على طائفة اخرى، كما نلحظ ذلك في مواقع كثيرة و من خلال سلوكيات عديدة، و شعور لدى الطائفة الاخرى بالظلامة القاتمة التي تدفعها للنهوض بكل ما تملك للدفاع عن كيانها و وجودها، في ظل هذه الصورة الظلامية هل سيستمر الوضع على إستقراره أم سيتوجه الى الإحتقان تدريجياً و الى الصدام لاحقاً و الى الفتنة الطائفية ربما ثالثاً ؟ !

إنني لا احب ان اكون متشائماً، و لا احب ان أقرأ آيات اليأس و التشاءم لكم، و لكن العاقل عندما يتأمل و يدرس الخارطة يرى بوضوح أن الجانب الرسمي حصر مسار القطار في طريق واحدة، و هو مسار صعوبة ضبط الوضع.

إن إصلاح الوضع لا يمكن بالنصيحة فقط، بل يحتاج إلى إرادة سياسية شجاعة و قوانين عادلة و صارمة و قرارت حكيمة لإصلاح الوضع، مهما قيل في الإعلام و في تصريحات المسؤلين بشأن العدالة الطائفية فلا ينفع عندما يذهب المواطن في الدوائر و يعيش في واقع البلد ليرى بأم عينيه كيف يتم التعامل معه بالتمييز.

أحياناً يقول البعض: إن علماء الدين و المثقفين الملتزمين هم اللذين يهيجون الناس، لكنني أقول: و هل فقد الناس عقولهم و هل أصبحوا عميان العقول و القلوب فلا يعرفون و لا يدركون كيف يتم التعامل معهم في المواقع الرسمية، إن عالم الدين و المثقف الملتزم يعبر عن آلام الناس و يذكربخطورة بقاء هذه الآلام بلا معالجة، و لا يمكن ان يكون دور عالم الدين و المثقف الملتزم دور الأفيون المخدر، و إلاّ كان مقصراً في أداء الأمانة، هل المطلوب ان يكون مخدراً للشعوب، أم أن يكون ساكتاً متفرجاً لايهمه جوع الآخرين إذا كان شبعاناً و لا مرض الآخرين إذا كان صحيحاً، و لا سكن الآخرين في الصناديق و البيوت الخربة و شقق الإيجار التي تشبه أقفاص الطيور إذا كان هو منعماً بالسكن في البيوت الفارهة المريحة؟

أم أن المطلوب من عالم الدين و المثقف ان يصفق للسياسات الرسمية أياً كانت؟

إن عالم الدين و المثقف الملتزم يسعى لإصلاح الوضع و لتقديم النصيحة و لايكل و لا يمل عن ذلك، و انني اليوم ابين بوضوح ان ضبط الشارع المظلوم أصبح صعباً و الحل و العلاج بيد السلطة الرسمية، و لتطمئن السلطة بأن هذا الإصلاح لا يضرها في شيء بل سيعطيها محبوبية في الداخل، و صورة جميلة على المستوى الإقليمي والدولي في الخارج، و سيقف الناس مع كل قرار رسمي حكيم عادل و يشكرون ذلك، اننا نود ان تستعجل السلطة – في الوقت القليل المتبقي – لإصلاح الدستور و الدوائر الإنتخابية و رفع التمييز الطائفي لكي تنفتح قلوب كافة المواطنين على المشاركة الواسعة في الإنتخابات البرلمانية القادمة.

عباد الله :

(ان الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي، يعظكم لعلكم تذكرون). النحل / 90.

بسم الله الرحمن الرحيم

(قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد و لم يولد، و لم يكن له كفواً أحد).

ثم أفضل الصلاة والسلام على عبدالله ورسوله وأمينه وصفيه وحبيبه محمد، و على علي بن أبيطالب، أمير المؤمنين، و وصي رسول رب العالمين، و على الصديقة الطاهرة الشهيدة، فاطمة سيدة نساء العالمين، اللهم وصل على سبطي الرحمة، و إمامي الهدى، الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وصل على أئمة المسلمين علي بن الحسين السجاد، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي الزكي العسكري، وعلى الحجة بن الحسن القائم المهدي.

اللهم عجل له الفرج، وسهل له المخرج، واجعلنا من أنصاره وأعوانه ومن المستشهدين بين يديه.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، تابع اللهم بيننا و بينهم بالخيرات، انك مجيب الدعوات. اللهم اجعل النور في أبصارنا، و البصيرة في ديننا، و اليقين في قلوبنا، والإخلاص في أعمالنا، والسعة في ارزاقنا، و ذكرك بالليل و النهار على ألسنتنا، و الشكر لك أبداً ما أبقيتنا، اللهم لا تجدنا حيث نهيتنا، و بارك لنا فيما أعطيتنا، و ارحمنا إذا توفيتنا، انك على كل شيء قدير.

عبادالله: (ان الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي، يعظكم لعلكم تذكرون). النحل / 90.

(إن الله و ملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما). الأحزاب / 56.

يمكنكم مراجعة موقع سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي:

www.alnajati.org

و بإمكانكم مراسلتنا على العنوان التالي:

info@alnajati.org