dark
5-12-2005, 09:24 مساءً
كنت وأهلي ورفاقي نسكن تلك القرية الصغيرة التي تكثر فيها التلال والرمال، وقد عشنا في تلك القرية على مر الأيام. وكانت لي ورفاقي شجرة ذات ظلال وافرة، نستظل تحت أغصانها ونروي حكاياتنا لبعض وننسى المشقة والتعب، حيث كنا نجتمع تحتها عند كل ظهيرة أي بعد إنتهاءنا من أعمال الحفر والبناء، وكل من يرانا يلاحظ آثار التعب والإنهاك على وجوهنا الصغيرة، ولكنهم لا يستطيعون فعل شيئ ليعدلوا من أحوالنا. مرت السنوات ونحن على هذه الحال نجتمع تحت ظلال تلك الشجرة التي شاخ بها الزمان، ولم تتبدل عليها الأحوال، فهي لا تزال تلك الأم الحنون ذات الحضن الدافئ لأبناءها.
وبعد أن أصبحنا رجالا جاءنا مالم يكن في الحسبان، نعم انها هي، تلك الحمقاء الشنيعة العنيفه، مرهبة الأطفال، عدوة الكبار، انها الحرب بشحمها ولحمها أتت على ديارنا، تنهش في لحومنا ولحوم أطفالنا الواحد تلو الآخر، لم يستطع الجميع أن يصمد، فلاذ العديد بالفرار إلى مناطق نائية، وكنت أنا واحدا منهم طبعا، كنت شديد الخوف على أهلي وأولادي، لا أريد لهم أن يعيشو حياة الذل والهوان، الحطام والدمار من حولهم، كنت أرجو الحياة السعيده، الهانئة الرغيدة، بالرغم من أنني لم أرد لحظة أن أفارق هذه القرية التي عشت فيها أجمل ذكريات حياتي- على الرغم من صعوبتها- ولكن الأقدار تفعل ما تشاء. قبل كل شيئ ودعت كل من يقطن الأرجاء بمن فيهم الشجرة الغالية على قلبي، إنها هي من بقت صامده في ظل كل هذا القصف والطغيان.
مرت السنين والأيام وعادت المياه لمجاريها، وعدنا لن أقول عدنا كما يعود الطفل لحضن أمه، بل سأقول عدنا كما يعود كل إنسان إلى تربته، نعم هكذا عدنا، بعد أن شمل الدمار كل أرجاء المكان وجعل الأحياء والأموات سيان. كيف عدت أنا بعد طول الغياب؟؟ كنت أسير وخطاي تسبقني الواحدة تلو الأخرى، والقلب يزيد في الخفقان كلما زاد اقترابي من المكان،ولكنني في لحظة أقف بلا حراك، لقد توقفت لوهله عند التله، وكنت أبحث عن شيئ يذكرني بالحياة، يعطيني الأمل الذي جئت لأزرعه في هذه الأنحاء، نعم، إنها هي، شجرتي محبوبتي، مهد الذكريات، لم يعد للقرية ملامح، فكل البيوت خربت، وكل الآثار اندثرت، لم يبق سواك يا حبيبتي واقفة بعد كل هذه السنين، لم يغيرك الدهر ولم يمح من ملامحك شيئا. ولكن فجأة، ماذا أرى؟ماذا يفعلون؟ انهم يقومون بقطع همزة الوصل التي بقت تربطني وقريتي الصغيرة، هرولت مسرعا لأمنعهم من ذلك ولكن دون جدوى فهم مصرون على ذلك، ما بالي أنا لأجادلهم،فقد هربت طول تلك السنين، لم أجابه ولم أواجه، ترك أرضي لغيري ليحصدها، فما بالي اليوم بعد أن استتبت الأمور آتي لأمنع أهل الدار من التصرف فيما حافظوا عليه، بينما أنا كنت فارا ومختبئا. في هذه اللحظه استعدت كل ذكرياتي، وتراجعت خطاي إلى الخلف، وعدت أدراجي من حيث أتيت، فالمكان لم يعد مكاني، فكيف لي أن أعبش هنا بعد أن رحل كل من رحل، ولم يعد الأمل هو الأمل ولا الرجاء هو الرجاء، ولكنني بعد أن خسرت كل شيئ ، تعلمت أن أجابه وأواجه من أجل حقي،لا أن أنسحب من أول أزمة تقف أمام طريقي.