مشاهدة الموضوع الأصلي: شرح لدعاءالامام زين العابدين(ع) في دخول شهر رمضان
ديوان الثقافة » الأرشيف! » الديوان الأدبي » الديوان الرمضاني 1424 هـ
فضليون
شرح سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله
لدعاء الإمام زين العابدين في دخول شهر رمضان المبارك

الحمْدُ لله الذي هدانا لحمدِه، وجَعَلنا من أهلِه، لنكونَ لإحسانِه من الشاكرين، ولِيجزيَنا على ذلكَ جزاءَ المحسنين، والحمدُ لله الذي حبانا بدينِه، واخْتصّنا بملّتِه، وسَبّلَنا في سُبُلِ إحسانِه، لِنَسْلُكَها بمنِّه إلى رضوانِه، حمداً يتقبَّلُهُ منّا ويرضى به عنّا.

* * *

شهر الصيام:

والعنوان الثاني لشهر رمضان هو "شهر الصيام"، الذي أراد الله فيه للإنسان أن يقوم بأداء هذه الفريضة، من أجل أن يؤكد له إنسانيته في مواقع السموّ عن الأجواء المادية التي تشده إلى الأسفل، لأن المطلوب فيه أن يرتفع إلى الأعلى، بأن يكون روحاً ينشر في الجسد بعض روحانيته لينال رضى الله، وليعيش القرب من الله حتى يعيش المعاني الكبيرة الصافية المشرقة من خلاله، لأنه كلما اقترب من الله أكثر، في أجواء شفافية الروح وطهارة الجسد، اقترب من الانفتاح على المسؤولية الكبيرة التي تدعوه إلى أن يحمل في وعيه معنى الخلافة عن الله في إدارة شؤون الحياة من حوله.

إنّ قضية الصيام هي أن تخفِّف ثقل الضغط الجسدي على مواقع الإرادة في شخصيتك... أن لا تثقل الرغبةُ حركتَك نحو أهدافك.. أن لا يسحقك الحرمان الذي تعيشه في بعض ساحات التحدي لتسقط أمامه، لأن إحساسك بالجوع الغذائي أو الجنسي وبالظمأ المحرق للحاجة المخزونة في أعماقك، قد يسقطك أمام الآخرين فتفقد طهرك وتبتعد عن استقامتك، وتموت قضاياك، وتنسحق إنسانيتك.

إن قضية الصيام، هي أن تكون إنسان الله، بدلاً من أن تكون إنسان الشيطان... أن تعرف كيف تعيش سكينة الروح وطمأنينة القلب، بدلاً من أن تحترق بنار الشهوة.. وسعار الأطماع.

أن تشفي روحك حتى تطير إلى الله، وأن يخفّ جسدك حتى يحلّق في آفاق المعنى الكبير الذي يتحمل مسؤولية الحياة كلها، ولعلّ هذا هو الذي يفسر الحديث القدسي: "الصوم لي وأنا أجزي به"(12)..

شهر الإسـلام:

والعنوان الثالث "شهر الإسلام"؛ وقد فسّر البعض كلمة الإسلام بمعناها اللغوي، أي الطاعة والانقياد لكثرة الطاعات في هذا الشهر... ولكن هناك تفسيراً آخر، وهو دين الإسلام، لكون افتراض صومه من خصائص هذه الأمة، فقد ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصادق قال: "إن شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم قبلنا"، وقيل له: فقول الله عزّ وجل: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة:183]. قال: "إنما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم، ففضّل به هذه الأمة وجعل صيامه فرضاً على رسول الله وعلى أمته"(13). وروي عن النبي محمد أنه قال: "رمضان شهر أمتي"، وقيل عن التشبيه في الآية أنه بلحاظ مطلق الصوم.

وقد نلاحظ على ذلك أنّ الظاهر من إضافة الشهر إلى الإسلام، أن للشهر علاقة بالإسلام بمجمله، لا بلحاظ فريضةٍ من فرائض الإسلام المفروضة فيه، مما قد يوحي إلينا بأنّ ذلك مرتبطٌ بنـزول القرآن فيه الذي يمثل الوجه البارز للإسلام في عقيدته وشريعته، وبالحشد الروحي من الصيام والصلاة والدعاء وتلاوة القرآن، الذي أُريد له أن يقوم بدور كبير في إعداد الإنسان المسلم في هذا الشهر للسنة كلها، من خلال ما يمكن أن يحققه البرنامج الرمضاني من تعبئةٍ فكريةٍ وروحيةٍ تترك تأثيراتها على حركة الإسلام في الحياة كلها في جميع فصول السنة... الأمر الذي يجعل منه شهر الإسلام الذي يتحرك فيه الإسلام بكل أبعاده، والله العالم.

شهر الطّهور:

والعنوان الرابع "شهر الطهور"، وذلك من خلال وسائل التطهّر الروحي الذي يبلغه الإنسان فيه، في نقاء الروح والفكر والقلب والحركة العملية من خلال الأجواء الطاهرة التي يعيش فيها الإنسان روحية التقوى وحركتها بين يدي الله، فيتخفّف من كل قذارات المعاصي وأرجاس الانحراف، مما يوحي بأن للطهارة موقعاً كبيراً في حسابات الإسلام، بحيث يريد للزمن في حركة الطاعات فيه أن يكون مدخلاً للحصول على مثل هذه الطهارة في حياة الإنسان، ليكون الإنسان الطاهر هو الهدف في التخطيط الإسلامي على مستوى التشريع والتطبيق.

شهر التمحيص:

والعنوان الخامس "شهر التمحيص"، وهو تخليص الشيء مما فيه من عيب، ومنه قوله تعالى: {وليمحّص ما في قلوبكم} [آل عمران:154]. وربما أريد منه التطهر والتزكية، وربما أريد منه الابتلاء والاختبار، وقد يكون الثاني مقدمةً للأول... وفي ضوء هذا يكون الشهر المبارك مدخلاً للنفاذ إلى داخل الإنسان ليقتلع جذور الفساد فيه، ليحصل على خلاصه الروحي من كل ذلك، أو يكون حركةً في الفكر والمراقبة والمحاسبة، في ما يحركه الإنسان من كل النوازع الذاتية التي قد تطوف به في أجواء متنوعةٍ مما يرهق روحه أو يثقل قلبه أو ينحرف به في سبل الضلال، ليعود الإنسان خفيفاً من تلك الأثقال، متحرراً من كل الأغلال، متوازناً في الخط المستقيم.. وذلك في تلاوة كتاب الله الذي يجد فيه كل مفردات الحق والخير، وفي الانفتاح على الدعاء الذي يصله بالله من أقرب الطرق، وفي صلاته التي تعرج فيها روحه إلى الله في رحلة الإيمان.

وهكذا يوحي هذا العنوان للشهر المبارك بأن الله لا يريد للإنسان أن يعيش الغفلة عن نفسه، فيترك للنوازع الخبيثة أن تسيطر عليها، بل لا بدّ له أن يلاحقها بالمحاسبة والمجاهدة، بكل الوسائل الممكنة التي تصل بالإنسان إلى إخراج كل المشاعر والأفكار الخبيثة منها.

شهر القيام:

والعنوان السادس هو "شهر القيام"؛ والمراد به القيام للصلاة في الليل وللتهجد فيه، في ما سنّه الإسلام في ليالي شهر رمضان من ذلك كلّه، حتى ورد استحباب صلاة ألف ركعة في لياليه زيادة على النوافل المستحبة، بحيث تتوزع على ليالي الشهر في ترتيب معين.. وهذا هو الذي جعل هذا الشهر مميزاً من هذه الجهة بالطريقة التي يتحول فيها القيام إلى عنوان له.. ليكون له الطابع العبادي التهجدي الذي يمنح التخطيط الروحي لبناء الشخصية الإسلامية فيه بعداً واسعاً متنوعاً في ما تتمازج فيه العناصر العبادية في الليل والنهار لتحقق النتائج المطلوبة منه في أكثر من موقع.

ونلتقي في نهاية هذا الفصل بالفقرة التي تتحدث عن نزول القرآن فيه {الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيِّنات من الهدى والفرقان} [البقرة:185] ليكون هذا الحدث العظيم الذي انطلقت من خلاله حركة الإسلام الفكرية في خط المنهج والشريعة والمفهوم.. التي وضع الوحي القرآني قواعدها وأصولها، وحدّد مفرداتها وأوضاعها، عنواناً للقيمة الإسلامية لهذا الشهر، في ما يكتسب الزمن من قيمة كبيرة من خلال الأحداث الواقعة فيه... وقد أراد الإسلام أن يؤكد ذلك، فدعا إلى تلاوة القرآن بشكل واسع في هذا الشهر، حتى جعل تلاوة كتاب الله فيه مساوية لصيامه، كما جاء في الخطبة المروية عن رسول الله في استقبال شهر رمضان: "فاسألوا الله بنياتٍ صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه".

وإذا كان القرآن قد نزل في هذا الشهر المبارك، فلا بد للناس من أن ينفتحوا عليه من خلال الهدى الذي تتضمنه آياته، ومن خلال البيّنات التي تثبّت للإنسان خطوط الهدى التي تدلّ على مواقع النجاة، وتعرّفه كيف يميّز بين الحق والباطل في ما يتعرّف عليه من الفواصل التي تفصل بينهما، فلا بد أن تكون التلاوة في هذا الاتجاه. ولسنا هنا بصدد البحث في طبيعة نزول القرآن في هذا الشهر من حيث نزول بعضه فيه أو نزوله جملة في ما تحدّث به الباحثون، فلذلك مجال آخر(14).

* * *

فأبانَ فضيلتَهُ على سائر الشهورِ بما جعلَ له من الحُرُماتِ الموفورةِ والفضائل المشهورة، فحرَّم فيه ما أحلَّ في غيره إعظاماً، وحَجَرَ فيه المطاعمَ والمشاربَ إكراماً، وجعَلَ له وقتاً بيِّناً لا يجيزُ جلّ وعزّ أن يُقدَّمَ قبلَهُ ولا يقبلُ أن يُؤخَّرَ عنه...

ميـزة شهر رمضان:

وهذه ميزة لشهر رمضان على سائر الشهور، فقد جعل الله له من الحرمات الكاملة التي توحي بقداسته في ما يلتزمه الناس من حدود الله فيه، ومن الفضائل المشهورة في ما جعل له من الخصائص الروحية والعملية، مما يوحي فيه بالخير والفضل الكبير على مستوى النتائج الكبيرة التي يبلغها العاملون فيه في علوّ الدرجة عند الله...

وهكذا حرّم الله فيه المآكل والمشارب واللذات التي لم يحرمها في غيره، كإيحاء بعظمته من خلال ما يستهدفه هذا التحريم من غايات عظيمة على مستوى مصير الإنسان في الدنيا والآخرة، وكمظهر من مظاهر الإكرام له في ما أراد الله للناس أن يتعبّدوا له بذلك، ليكون الالتزام بترك المطاعم والمشارب عبادةً يتقرّبون بها إليه، كما يتقربون بالعبادة إليه، وحدّد له وقتاً معيناً، لا يتسع للتقديم وللتأخير في المساحات الزمنية الأخرى، لأن الله أراد للزمن العمليّ أن يخضع للنظام العام الذي يريده الله للحياة في التزام الناس به وخضوعهم له، حتى يتعرّف الناس في علامات الزمن، علامات الطريق إلى الله...

* * *

ثم فضَّلَ ليلةً واحدةً من لياليه على ليالي ألفِ شهرٍ وسمّاها ليلةَ القدرِ تَنَزَّلُ الروحُ فيها بإذنِ ربِّهم من كلِّ أمر، سلامٌ دائمُ البركةِ حتى طلوعِ الفجرِ على مَن يشاءُ من عبادهِ بما أحكَمَ من قضائِهِ.

* * *

فضل ليلة القدر:

وإذا كان الله قد فضّل شهر رمضان على غيره من الشهور لحكمةٍ يعلمها في تنظيمه لعلاقة الإنسان بالزمن، فقد فضّل الله ليلةً من هذا الشهر على سائر لياليه، فجعل لها ميزةً كبيرةً تتصل بالنظام المنفتح على حياة الناس في التخطيط الإلهي لما يقضي لهم أو يقدّر لحركتهم في الحياة في أعمارهم وأرزاقهم وأوضاعهم العامة والخاصة، من حربٍ أو سلمٍ، أو خصبٍ أو جدبٍ، أو موتٍ أو حياةٍ، أو أمنٍ أو خوفٍ، أو فقرٍ أو غنى... وهكذا كانت هذه الليلة موضعاً لحركة التقدير الإلهي، مما يمكن لنا أن نصطلح عليه ببداية السنة الإلهية التي يتحرك فيها البرنامج التنفيذي للنظام التقديري لحركة الحياة والإنسان.

وقد أريد للملائكة وللروح الذي اختلف الرأي في تحديد طبيعته، أن يكون لهم دورٌ في ذلك في ما أوكله الله إليهم من المهمّات المتنوعة الخفية التي لم تُكشف لنا تفاصيلها، كما أريد التركيز على السلام الذي يحيط بأجواء هذه الليلة، في ما يلقيه الملائكة والروح من السلام على مَن يشاء الله من عباده أو في ما يثيره من أجواء السلام الذي يخيّم على القلوب بالطمأنينة والصفاء، ليعيش الناس معها تجربة الروح الخالية من العناصر السلبية التي توحي بالعداوة والبغضاء عندما يتفرغون لعبادة الله في دعائهم وابتهالاتهم وصلاتهم، فيتحول الإنسان من شخصٍ يعيش نوازع الأنانية في ذاته، إلى شخصٍ يعيش رحابة الإنسانية في حياته، كما يتطلّع إلى آفاق الروح التي تنفتح به على كل الناس من حوله عندما يتحسس موقعه منهم في دائرة العبودية لله، ليطلع الفجر عليه، في يومٍ جديد، من أجل البدء بحياةٍ جديدةٍ خاليةٍ من التخطيط السلبي للعلاقات بين الناس، مليئة بالتخطيط الإيجابي في تلك الدائرة، ولينطلق مع الله في قناعةٍ يقينيةٍ بقضاء الله وقدره، وفي رضىً نفسيّ يطمئنه بأنّ الله لا يريد له إلا الخير في ما قسمه له من الرزق ومن الموقع في الحياة، فلا ينفذ إليه الشك في كل ذلك... وبهذا تتأكد علاقة المخلوق بخالقه في نطاق الإيمان المنفتح على الثقة المطلقة به، الأمر الذي يتحول إلى عنصر من عناصر الثبات الفكري والروحي البعيد عن أية حالة من حالات الاهتزاز...

وهذه هي فائدة الأجواء الروحية التي يستغرق فيها الإنسان المؤمن في ليلة القدر ليستفيد من مضمونها المنفتح على الكون والإنسان.

* * *

"اللهمّ صلِّ على محمد وآله، وألهمنا معرفة فضلِه وإجلال حُرمَتِه والتحفُّظَ مما حظرْتَ فيه، وأعِنّا على صِيَامِهِ بكفِّ الجوارح واستعمالِها بما يرضيك، حتى لا نصغيَ بأسماعنا إلى لغوٍ، ولا نسرعَ بأبصارِنا إلى لَهْوٍ، وحتى لا نبسطَ أيديَنا إلى محظورٍ، ولا نخطوَ بأقدامِنا إلى محْجُور، وحتى لا تعيَ بطونُنا إلا ما أحْلَلْتَ، ولا نَنْطِقَ بألسِنَتِنَا إلا بما مثَّلْتَ، ولا نتكلّفَ إلا ما يُدني من ثوابِك، ولا نتعاطى إلا الذي يَقي من عِقَابِك، ثم خلّص ذلك كلَّه من رِياءِ المرائين، وسمعةِ المُسمِعين، لا نُشركُ فيه أحداً دونَك، ولا نبتغي به مراداً سواك...

* * *

بين المعنى المادي للصوم والمعنى الروحي:

وهذا حديثٌ عن عمق الترابط بين الصوم بمعناه المادي الشرعي الذي يتمثل في ترك بعض الأشياء الخاصة من الطعام والشراب والجنس وما أشبه ذلك، وبين الصوم بمعناه الروحي الأخلاقي الذي يمتد ليشمل كل المضمون المنفتح على مفهوم التقوى بكل سعته، مما يجعل الوسيلة في الصوم الفقهي مرتبطة بالهدف في الصوم الإسلامي بكل سعة التشريع في دائرته العملية.

فالمطلوب أولاً ـ من وحي هذه الفقرات ـ أن يلهمنا الله معرفة فضله وإجلال حرمته... ولكن، هل هي المعرفة الفكرية والإجلال الاحتفالي، أم هي المعرفة بالخط العملي الذي يتحول إلى حركةٍ في بناء الشخصية؟... لأنّ الزمن ليس شيئاً حياً ينفذ الإنسان إلى داخله ليتعرف خصائصه الذاتية، بل هو شيءٌ في حركة الوجود التي يمنحها الإنسان معنىً في الشكل والمضمون ليعطيه بعض الملامح الجميلة أو الخبيثة من نشاطه السلبي أو الإيجابي، في ما يأخذ به من وحي الرسالات، أو في ما ينطلق به في وعي الفكرة في الذات، ولذلك فلا معنى للمعرفة إلا من خلال المضمون الإنساني الحركي في الزمن الذي لا بد أن يتعرفه الإنسان في مسؤولية الزمن في ضرورة تجسيده في شيءٍ من ذلك، وعلى ضوء ذلك نفهم أنّ الإجلال ليس شيئاً يتحرك في الطقس التقليدي، بل هو شيءٌ يتحرك في عظمة الدور في داخل حركته...

وهكذا ينبغي للإنسان ان يعيش شهر رمضان في الدور، وفي المسؤولية، وفي فترة العمر المسؤول في رحلته إلى الله في داخل هذا الشهر، ليكون دخوله إليه عن وعي يلهمه معناه، ليعرف كيف يحتويه في الدائرة الإسلامية الحيّة المتحركة في كل اتجاه للحياة من حوله.

والمطلوب ثانياً ـ من وحي هذا الدعاء ـ التحرز عن التعدي على حدود الله، في ما حرم الله على عباده تجاوزه، من الأمور التي لا مصلحة فيها للحياة وللإنسان، مما أنذر الله عباده بالعقوبة على ممارستها، وهذا هو الذي يلخص كل الخطوط التي يتحرك فيها الإنسان في هذا الشهر في جانبها السلبي الذي يتمثل في المحرمات، وفي جانبها الإيجابي الذي يتمثل في الواجبات... وهذا هو الذي نتابع عناوينه في الفقرات الآتية، التي يرتفع فيها النداء من أعماق القلب المؤمن الخاشع الذي يخشى من السقوط في التجربة تحت تأثير ضغط المادة أو الغريزة أو البيئة أو نحو ذلك مما قد ينحرف بالإنسان عن الخط المستقيم، فيبادر إلى طلب المعونة من الله، ليتوازن الإنسان في حركته، لتنطلق الإرادة من جانب، وتنـزل عليه الألطاف الإلهية من جانب آخر.

وهذا ما تمثله هذه الفقرة: "وأعِنّا على صيامه بكفّ الجوارح عن معاصيك واستعمالها بما يرضيك"، فإنها توحي بأنّ الصوم يأخذ مضمونه الحقيقي في حياة الناس الإيمانية العبادية المنفتحة على الله بالالتزام الحقيقي الذي لا يهتز في مواقع الاهتزاز الفكري والعملي، فلا تنفذ معصية الله إلى أعضاء الإنسان في قوله وفعله، بل تقف مع طاعة الله التي يتحرك فيها الجسد بكل حركاته، ليكون الإنسان في ذلك إنسان الله، الذي ينتمي إليه ولا ينتمي إلى الشيطان، وليكون عبد الله الخاضع له في كل أموره...

وهذا ما تعبر عنه الفقرات التالية:

"حتى لا نصغي بأسماعنا إلى لغو" وهو الكلام الذي لا يعتدّ به، وهو الذي لا يَرِد عن رؤية وفكر، فقد يشتمل على ما لا يرضي الله وما لا ينفع الناس، أو على ما يفسد حياتهم، أو ما يبتعد بهم عن الخط المستقيم في الفكر والمنهج والعمل... وهذا هو ما يريد الإسلام للإنسان أن يبتعد عنه ويرتفع بشخصيته عن الأخذ به... وقد يكون الإصغاء إليه وسيلةً من وسائل الأنس به والانجذاب إليه، مما قد يترك تأثيراً عميقاً في شخصية الإنسان حيث يتحول إلى شخص يمارس اللغو وينطبع به.

"ولا نسرع بأبصارنا إلى لهو" يجتذب العين فيسحرها، ويأخذ القلب فيملكه، ويطبع حياة الإنسان بطابعه ليكون الإنسان اللاهي البعيد عن الله الذي يستغرق في الصورة الحلوة هنا، واللمسة المغرية هناك، والأوضاع المثيرة في موقع آخر، فيخلد إلى الأرض في زخارفها ومغرياتها وشهواتها، فلا يرتفع إلى آفاق السموّ الروحي الباحثة عن الله، ولا ينطلق إلى مواقع المسؤولية المنفتحة على مواقع رضاه، وبذلك يفقد توازنه، ويبتعد عن إنسانيته، ويتحول إلى شخص عبثي في ما هو العبث اللاهي في الحياة.

"وحتى لا نبسط أيدينا إلى محظور"، لأن الله جعل لليدين دوراً في تحريك حياة الإنسان نحو القضايا التي تمثل حاجاته في بناء جسده في ما يحتاجه من الغذاء والكساء ونحو ذلك، أو التي تمثل حاجاته في بناء روحه، أو في رعاية حياة الناس من حوله في ما أحلّه الله له من ذلك كله... ولم يرخّص له أن يستعملها في تناول الحرام، أو في إفساد حياة الناس أو حياته وتهديدها أو إرباكها في ما لا يرضى له به... وفي ضوء ذلك، لا بد للإنسان من أن يفكر بأن لا يحرك يديه في الأمور المحظورة، على جميع المستويات، حتى لا تكونا أداتين لمعصية الله، وبالتالي لهلاك الإنسان في مصيره المحتوم في عذاب جهنم من خلال غضب الله...

"ولا نخطو بأقدامنا إلى محجور"، فقد حجر الله علينا، من الوجهة الشرعية، أن نتحرك في الساحات التي تتجمع فيها الأوضاع المنفتحة على الفساد والإجرام والخيانة وغيرها من المعاصي، أو أن نأخذ بالوسائل التي تقودنا إلى ذلك، أو ننطلق إلى الأهداف التي لا يحبّها الله لعباده، ولذلك ينبغي للإنسان أن يستغرق في التأمل في خطواته في حركة رجليه، ليحدد الطرق المحلّلة أو المحرّمة، وليعرف الغايات التي يبلغها في ما يبني له حياته ومصيره، أو في ما يهدم وجوده ونجاته.

"وحتى لا تعي بطوننا إلا ما أحللت" من الطعام والشراب، فقد أحلّ الله للإنسان بعض الطعام والشراب وحرّم بعضاً آخر، وأراد له أن لا يجعل بطنه وعاءً إلا للحلال منها مما يصلح أمر جسده أو توازن عقله أو صفاء روحه في ما يؤثر عليه من ذلك كله.

"ولا تنطق ألسنتنا إلا بما مثّلت"، أي بما حدّثت، أو بما أكّدت من الحجة مما ينسجم مع الحق، ويبتعد عن الباطل، ويلتقي بالصدق، وينفصل عن الكذب، وينفع الناس ولا يضرهم، ويرفع مستواهم، ويقوّي وجودهم، ويفتح لهم أبواب الخير ويغلق عنهم أبواب الشر، ويدفع بهم إلى ساحة الحرية ويبعدهم عن ساحة العبودية، ويمنحهم العزة والكرامة... فقد أراد الله للإنسان أن يحرّك لسانه بالكلمات الطيّبة المنفتحة على مواقع رضى الله في ما فيه مصلحة الإنسان الحقيقية في العمق، وأن يمسكه عن الكلمات الخبيثة المغلقة عن مواقع رضاه، ولذلك كان لا بد له أن يفكر بالمستوى العالي من الانضباط الدقيق في الخط الفاصل بين الحرام والحلال، في ما يربي نفسه عليه، أو في ما يسأل الله العون عليه.

"ولا نتكلّف إلا ما يدني من ثوابك ولا نتعاطى إلا الذي يقي من عقابك"، لأن الله قد جعل للإنسان أن يبذل جهده في ما يملكه من الطاقة الحركية التي تمثل المعاناة والمشقّة في الأعمال التي يقوم بها في المجالات التي تؤدي به إلى السعادة التي ينال بها ثواب الله، وتبتعد به عن الشقاء الذي ينال به عقابه، لأنّ المفترض في الجهد الإنساني أن يتحرك في النجاة من الهلاك، وفي الوصول إلى مواقع السلامة.

"ثم خلّصْ ذلك كلّه من رياء المرائين وسمعة المسمعين، لا نشرك فيه أحداً دونك، ولا نبتغي به مراداً سواك"، فقد أراد الله للإنسان أن يعيش في نطاق التوحيد الخالص الذي يوحي بصفاء العمل في عمق النية الدافعة له، فلا يكون مشوباً بالرياء الذي يمثل الاستغراق الذاتي في الحصول على مدح الناس له، وثقتهم به، ورضاهم عنه، ولا يكون مشدوداً إلى الحصول على السمعة الطيبة لديهم، لأنّ معنى ذلك هو انفتاح العبادة على الناس لا على الله، مما يعني الشرك الخفي في ما يراقب به الإنسان الناس إلى جانب الله... في مضمون العبادة الخاضعة لحركة القلب التي تحدد مسار حركة الجسد.

وهكذا نجد في هذا الفصل، أنّ الصوم ليس مجرد حالة ماديةٍ سلبيةٍ في ما هي اللذة الغذائية أو الجنسية، بل هو حالةٌ روحية وعملية على مستوى الالتزام الأخلاقي الشرعي الذي يمثّل صوم الجسد عن كلّ ما حرمه الله، وقد جاء في الحديث المأثور عن الإمام جعفر الصادق: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك، (وعدد أشياء غير هذا) وقال: لا يكون يوم صومك كيوم فطرك"(15). وفي كلمة أخرى له: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك من الحرام والقبيح، ودع المراء وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصائم ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك".

* * *

اللهمّ صلِّ على محمد وآل محمد، وقِفْنا فيه على مواقيتِ الصّلواتِ الخمس، بحدودها التي حدَّدْتَ، وفروضِها التي فرضْتَ، ووظائِفِها التي وظَّفْتَ، وأوقاتِها التي وقّتَّ، وأنزِلْنا فيها منزلةَ المصيبين لمنازلها، الحافظينَ لأركانِها، المؤدّين لها في أوقاتِها، على ما سنَّه عبدُك ورسولُك صلواتُك عليه وآلِهِ، في ركوعِها وسجودِها وجميعِ فواضِلِها، على أتمِّ الطَّهورِ وأسبَغِه، وأبْيَنِ الخشوعِ وأبلغِه...

* * *

أداء الواجبـات بشروطـها:

وهذه جولةٌ ابتهاليةٌ في آفاق الصلوات المفروضة في كل يوم، التي تمثل القاعدة التي يرتكز عليها التطلع الروحي إلى آفاق الله، والعروج الفكري إلى مواقع رحمته، والانفتاح القلبي على كل ساحات قدسه.. حيث يتحدّث الإنسان من خلالها إلى ربه في مناجاته وتسبيحه وتكبيره وحمده وتهليله، ويقف بين يديه خاشعاً في قيامه وركوعه وسجوده.. وليعيش في نهاياتها السلام على النبي وعلى جميع عباد الله الصالحين.. لتكون برنامجاً روحياً عملياً متحركاً مع آناء الليل وأطراف النهار، فتتحول إلى حزامٍ روحيّ يحيط بالإنسان في جميع أوضاعه ليقيه من الانحراف عن الخطّ المستقيم.

إنه الابتهال الخاشع إلى الله أن يوفّق الإنسان للإخلاص للصلاة بجميع حدودها الزمنية والعملية، حتى ترتفع بروحه إلى الله من خلال كل منازلها ومواقعها وفواضلها وطهورها الذي يجمع إلى طهارة الروح طهارة الجسد، لتنفتح الصلاة المفروضة على الصوم المفروض فتزيده روحانيةً وعبوديةً لله فتقربه إلى خط التقوى الذي هو الهدف الكبير للصوم، كما هو الهدف الكبير لجميع العبادات.

* * *

ووفِّقنا لأن نَصِلَ أرحامَنَا بالبرِّ والصِّلَةِ، وأن نتعاهدَ جيرانَنا بالإفضالِ والعَطِيَّة، وأن نخلِّصَ أموالَنا من التَّبِعاتِ، وأن نطهِّرَها بإخراجِ الزكواتِ، وأن نراجعَ مَن هاجَرَنا، وأن نُنْصِفَ مَن ظَلَمَنا، وأن نُسالِمَ مَن عَادَانا، حاشا مَنْ عُودِيَ فيكَ ولك، فإنَّه العدوُّ الذي لا نُواليه، والحزبُ الذي لا نُصافيه، وأن نتقربَ إليك فيه منَ الأعمالِ الزاكيةِ بما تُطهِّرُنا فيهِ من الذنوب، وتَعْصِمُنا فيه مما نستأنفُ من العيوب، حتى لا يورِدَ عليك أحدٌ من ملائكتِكَ إلا دونَ ما نورِدَ من أبوابِ الطاعةِ لك، وأنواعِ القُربةِ إليك...

مضامين إنسانية:

وهذا نداء من قلب الحياة لاجتذاب التوفيق الإلهي في حركة المسؤولية في نطاق بعض المواقف المتصلة بالعلاقات الإنسانية وبالمبادرات المالية الخيِّرة، وبالأعمال الزكية التي تفتح للإنسان أبواب الرحمة الإلهية، ليكون هذا الشهر المبارك شهر تصحيح العلاقات على الخط الذي يحبه الله ويرضاه، وتحريك الطاقات في ساحات الإنفاق على الفئات المحرومة أو الجهات الخيِّرة، وتوجيه الأعمال في اتجاه الحصول على غفران الذنوب، وعلى العصمة من العيوب.

وهذا هو الذي يجعله منطلقاً للمضمون الإنساني في حركة المسؤولية في الإنسان، كما هو منطلق في تحريك المضمون الروحي في حركة العبادة في حياته، ليرتفعا به إلى المستوى الأعلى في رضوان الله.

صلة الرحم:

"ووفِّقْنا لأن نَصِلَ أرحامَنا بالبرِّ والصِّلَة"، والأرحام جزء من الخلايا الاجتماعية التي تتحرك في الواقع الإنساني لتربط علاقات الإنسان بالآخرين في دائرة التوازن المسؤول، فهم أقرب الناس إليه في قرابة الدم، مما يجعل من العاطفة التي تشده إليهم حالةً طبيعية، وهم الأكثر اتصالاً بحياته في ما يمكن أن تصطدم فيه المواقف والمصالح والمشاعر، الأمر الذي قد يخلق لوناً من ألوان التماس اليومي بفعل الاحتكاك الدائم، ويؤدي إلى إثارة المشاكل والتعقيدات في داخل هذا المجتمع الصغير المتشابك الأوضاع والعلاقات..

وهذا هو الذي جعل التخطيط الأخلاقي الإسلامي يمنح العلاقة بالأرحام وضعاً روحياً يمتص كل النتائج السلبية التي قد تحدث في داخل الوضع المعقّد في شبكة العلاقات، بحيث يفكر الإنسان بالنتائج الإلهية على مستوى صلة الأرحام في إيجابيات المغفرة والثواب وطول العمر وسعة الرزق، أو على مستوى قطيعة الأرحام في سلبيات الغضب الإلهي والعقاب الأخروي، وقصر العمر وضيق الرزق، فلا تعود العلاقة بالأرحام سلباً أو إيجاباً، مجرد علاقةٍ شخصيةٍ أو عائليةٍ، في ما هي العلاقات الاجتماعية العادية، بل تتحول إلى حالةٍ سلوكيةٍ في ما هو الخط الإلهي الذي يؤكّد للإنسان المؤمن علاقاته بأقربائه في دائرة المسؤولية المتصلة بنتائجها بقضية المصير في الدنيا والآخرة.

وفي ضوء ذلك، يمكن حلّ كثير من التعقيدات والسيطرة على بعض المشاكل من خلال العنصر الروحي في إخلاص الإنسان لربه بدلاً من العنصر الذاتي في علاقة الإنسان بأرحامه، لتتحرك الإرادة الإيجابية في اتجاه صلة الأرحام بالبرّ والعطية من موقع الارتباط برضوان الله، لا بنوازع الذات.

وقد وردت الأحاديث الكثيرة المنفتحة على آيات الله في الحضّ على وصل ما أمرالله به أن يوصل من حيث الوصول إلى رضوان الله، وفي المنع عن قطع ما أمر الله به أن يوصل، لئلا يقع الإنسان في موارد غضب الله، وقد جاء في خطبة النبي التي استقبل بها شهر رمضان الأمر بصلة الأرحام فيه والتأكيد على أنّ مَن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه.

تعهّد الجيران:

"وأن نتعاهد جيرانَنا بالإفضالِ والعطيَّة"، والجيران، كالأرحام في طبيعة العلاقة الوثيقة المتصلة بالحياة اليومية الدائمة في لقاء الجيران بعضهم ببعض، وفي ما يقتضيه ذلك من كثرة السلبيات الناشئة في المصالح المتشابكة والأوضاع المعقدة، والحساسيات الدقيقة والعلاقات المتنوعة، الأمر الذي لا يمكن السيطرة عليه بالحلول العاديّة المرتكزة على الأوضاع المادية في دائرة العلاقات الإنسانية.

ولذلك كان التخطيط الأخلاقي الإسلامي ينطلق من التركيز على حسن الجوار بالإحسان إلى الجيران بالإفضال والعطية، وتحمّل الأذى منهم، وبناء العلاقات بهم على أساس العفو والتسامح طلباً لرضى الله، ليكون العنصر الروحي الباحث عن مواقع القرب من الله هو الأساس في احتواء كل السلبيات.

وقد نصّ القرآن على الإحسان إلى الجار، قال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب مَن كان مختالاً فخوراً} [النساء:36].

قيل: معنى "الجار ذي القربى"، القريب ذو النسب، والجار الجنب الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقيل: الجار ذو القربى منك بالإسلام والجار الجنب المشرك البعيد في الدين، فقد روي عن النبي أنه قال: "الجيران ثلاثة، فمنهم من له ثلاثة حقوق؛ حق الإسلام وحق الجوار وحق القرابة، ومنهم من له حقان؛ حق الإسلام وحق الجوار، ومنهم من له حق واحد؛ الكافر له حق الجوار"(16).

وقد جاء في الحديث عن رسول الله: "ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"(17).

تزكيـة الأموال:

"وأن نخلص أموالنا من التبعات وأن نطهرها بإخراج الزكوات"، المال مسؤولية في دائرة الملكية التي هي وظيفة فردية واجتماعية شرعية، فقد جعل الله له حدوداً في أسباب الملكة والسلطنة، وفي حركة التصرف وفي طبيعة العلاقات بالآخرين، في ما يتصل بأوضاعهم المالية المتصلة به، وبماله.. ولا بد للإنسان المؤمن الذي يخضع في حياته لأحكام الله من أن يخلّص ماله من التبعات، وهي الحقوق المتعلقة به لله وللناس.

وللزكاة حقٌ متعلقٌ بالمال، في ما افترضه الله على عباده من إخراجها منه بطريقةٍ معينةٍ، وفي حدودٍ محدودة باعتبارها سبيلاً لتطهير المال، كما ورد في قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة:103]، وهي من الفرائض المؤكدة التي دعت إليها الآيات القرآنية الكثيرة، كما وردت الأحاديث التي تهدد مانع الزكاة بدخول النار.

وهكذا يريد الله للإنسان المؤمن أن يعيش هذا الهمّ الكبير في مسؤولية المال في تخليصه من كل الحقوق اللازمة له، وفي تطهيره بإخراج الزكاة منه، ليقف عند حدود الله في نطاق العطاء المسؤول الذي يؤكد للإنسان إنسانيته في انفتاحه على الناس، كما يؤكد له عبوديته التي يتعبد فيها لله.

الدفع بالتي هي أحسن:

"وأن نراجع مَن هاجَرنا"، فنبادله في هجرانه لنا انفتاحاً عليه وعودةً إلى صحبته، ورجوعاً إلى مواقع العلاقة الحميمة القديمة به. "وأن ننصفَ مَن ظلمنا" بأن نسير معه في طبيعة المسألة التي تتصل بظلامتنا عنده بالعدل، فلا نميل عن حدود الحقّ معه، ولا نعمل على معاملته بردود الفعل النفسية المليئة بالغيظ وبالحاجة إلى التشفّي، وبإثارة الحميّة الذاتية.. وهذا هو الخط الشرعي في زمام المبادرة، فلا نقابل ظلم ظالم لنا بأن نظلمه، بل أن نأخذ منه حقنا من دون زيادة، انطلاقاً من العقل الهادىء المتّزن الخاضع للشرع، البعيد عن نوازع الذات المنفعلة الغاضبة.

"وأن نسالم مَن عادانا"، فنغلّب جانب المسالمة على جانب المحاربة، على أساس المصلحة العامة الحيّة في ما نأخذ به من أسباب ذلك، من أجل أن نفسح في المجال له للتراجع عن عداوته، وذلك من خلال التوجيه الإلهي الذي أراد لنا أن يكون عملنا، في نطاق المشاكل الطارئة مع الآخرين، هادفاً إلى تحويل الأعداء إلى أصدقاء، وذلك قوله تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم} [فصلت:34].

الموقف الصلب:

"..حاشا مَنْ عُوديَ فيك ولك، فإنه العدوّ الذي لا نواليه، والحزب الذي لا نصافيه"، وهذا هو الاستثناء الإسلامي للمسألة الأخلاقية القائمة على أساس تقديم التنازلات الشعورية والعملية لمصلحة تحويل العدوّ إلى صديق، فإنّ ذلك داخل في نطاق العلاقات الشخصية في المشاكل الخاصة أو العامة المتحركة في الدائرة الاجتماعية..

أما في المسائل المتصلة بالموقف الرسالي الذي ينطلق فيه أعداء الرسالة وأعداء الله ليثيروا المشاكل في ساحة الرسالة، وليطلقوا التحديات في مواجهة أولياء الله، من أجل إضعاف الموقف، وهزيمة الموقع، سواء تمثّل وجودهم في جماعات متناثرة، أو في أحزاب منظمة.. أما في هذه المسائل، فلا بد من الحسم في الموقف، لأن المسألة ليست مسألة مشاعر يراد تبريدها أو مشاكل معقّدة يُراد حلّها، بل هي مسألة رسالة يراد حمايتها، ومجتمعٍ يراد تقويته، وخطةٍ يراد إسقاطها، ولذلك فلا بد من الموقف الحاسم الذي يراقب العواطف الذاتية والانفعالات النفسية التي قد تجعل الإنسان خاضعاً للمؤثرات السريعة التي قد تفتح القلب لأعداء الله في لحظة ضعف شعوري.

وهذا هو الذي ينبغي للإنسان المسلم أن يستوعبه في وعيه الرسالي العملي، ليجعل عواطفه خاضعةً لحركة رسالته في مسألة السلامة العامة للرسالة من الذين يكيدون لها ويتربصون بها الدوائر مستغلّين بعض نقاط الضعف لدى الطيّبين من أتباعها، فلا مجال للتسامح العاطفي في هذا المجال.

ولكن.. هل يعني ذلك أن يتحرك الرساليون عشوائياً في ردة الفعل السلبية ضدهم ليتحركوا في فوضى انفعاليةٍ، أم أنّ عليهم أن يحرسوا أنفسهم من الانفتاح الروحي أو العاطفي عليهم لئلا يسقطوا أمامهم.. ليتابعوا السعي نحو تركيز الموقف بدقة؟

إنّ القضية تتحرك في الخيار الثاني، لأنّ التحرك لا بد أن يخضع للتخطيط الواعي في مصلحة الرسالة، ليكون الأسلوب مدروساً والأجواء متوازنة والحسابات دقيقة، لأنّ أيّ خطأ في الحسابات قد يسيء إلى الموقف كله.

* * *

وأن نتقرَّب إليكَ من الأعمالِ الزاكيةِ بما تطهِّرُنا فيه من الذنوب، وتعصمُنا فيه مما نستأنفُ من العيوب، حتى لا يوردَ عليك أحدٌ من ملائكَتِكَ إلا دون ما نورد من أبوابِ الطاعةِ لك وأنواعِ القربةِ إليك.

العمل دليل الصدق:

ثم تأتي الفكرة العامة التي تلاحق الشخصية الإنسانية في طهارتها الروحية، وفي سلامتها الأخلاقية.. فلا بد للإنسان من أن يدخل في برنامج عملي، يختار فيه الأعمال الزاكية التي تتميز بمواقع القرب من الله، لتترك تأثيرها الإيجابي في إيجاد حالة روحية تتميز بالقوة العاصمة التي تتطهر فيها الشخصية من ضغط الذنوب عليها، وتبتعد عن العيوب التي تثقل حركة الإنسان عن السير في الاتجاه السليم.. وفي ضوء ذلك نعرف أن مسألة التصحيح السلوكي لا تتحدد بالتوبة الفكرية أو الشعورية، بل لا بد من أن تتمثل بالممارسة العملية المضادة التي تصدم ضغط الانحراف بقوة الاستقامة، فينطلق العمل في خط الله، فيرتفع منه إلى الله، في تقارير الملائكة، المستوى الذي يقلّ عنه عمل الملائكة من خلال ما نبلغه من الدرجة العالية في مواضع رضاك.

* * *

اللهمّ إني أسألك بحقِّ هذا الشهر، وبحقِّ مَن تعبَّدَ لك فيه مِنَ ابتدائِه إلى وقتِ فنائِه، من مَلَكٍ قرَّبتَه أو نبيٍّ أرسلتَه أو عبدٍ صالحٍ اختصصتَه، أن تصلّيَ على محمِدٍ وآلِهِ، وأهِّلْنَا فيه لما وعدْتَ فيهِ أولياءَك من كرامتِك، وأوجب لنا فيه ما أوجبتَ لأهلِ المبالغةِ في طاعتِكَ، واجعلنا في نَظْمِ مَن استحقَّ الرفيعَ الأعلى برحمتك...

التطلّع إلى مواقع القرب:

...وإذا كان القلب ينفتح على الخير في هذا الشهر لتتكامل كل عناصر الحق في داخل الشخصية الإنسانية المؤمنة، فإنه يخضع ويرقّ ويبتهل ويرتفع بكل عمق الصوت الإلهي في روحه.. ويتوسل بحق هذا الشهر وبحق كل المتعبدين لله فيه من الملائكة والأنبياء والصالحين، أن يؤهّله فيه لكرامته الإلهية التي تجمع كل الرحمة والرضوان، وأن يوجب له كل الفيوضات والألطاف التي تنساب من عطفه الإلهي عليه وعلى كل الذين استغرق وجوده كل وجدانهم الروحي العملي حتى بلغ الدرجة العليا من طاعته، وأن يمنحه الارتفاع إلى مواقع الذين ارتفعت درجاتهم إلى الرفيع الأعلى من خلال رحمته..

إنه الابتهال الخاشع الذي لا يتطلع إلى عمله الذي يقدمه بين يديه ليستحق عطاء ربه، بل يتطلع إلى كل مواقع القرب من الله في الزمن الذي منحه الله معنى القداسة في روحانيته، وفي الملائكة والمقرّبين من الأنبياء والصالحين، ليقدمهم شفعاء بين يدي الله، وذلك في ما جعله الله لهم من الحق، من خلال إخلاصهم وطاعتهم له.. ولكن رحمة الله وراء ذلك، لأن رحمته تمتد إلى كل عباده من دون حاجةٍ إلى شفيع، غير أنه ـ سبحانه ـ يمنح بعض عباده شرف الشفاعة ليكرمهم بذلك، وليشفّعهم في من ارتضاه من خلقه.

* * *

اللهم صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمد، وجَنِّبْنا الإلحادَ في توحيدك، والتقصيرَ في تمجيدِك، والشكّ في دينِكَ، والعمى عن سبيلِكَ، والإغفالَ لحرمَتِكَ، والانخداع لعدوِّكَ الشيطان الرجيم..

الابتهال لمواجهة الانحرافات:

وهذه جولة جديدة في أجواء السلبيات العقيدية والعملية التي يمكن أن تحدث للإنسان لتنحرف به عن الخط المستقيم في وعي العقيدة، أو في استقامة العمل، فقد يخضع لشبهة فكرية يهتز فيها يقينه بتوحيد الله، فتميل به نحو خط الشرك، وقد يستسلم لحالة نفسية صعبة تسلب منه طمأنينته وسكينته الروحية المنفتحة على الله.. وقد يفقد إحساسه بعظمة الله فيقصّر في تمجيده في ما هو الذكر لله بصفاته وأسمائه الحسنى وآلائه العليا فيبتعد بذلك عن مواقع الإخلاص له.. وقد تطوف بالقلب ظلالٌ من الشكّ في دين الله وهو الإسلام، من خلال ما يداخله من الأحاسيس والانفعالات، وقد يزول إشراق البصيرة في وجدانه ليتحول إلى ظلمة تعميه عن تلمّس السبيل السويّ الذي يؤدي به إلى الله في مواقع رضوانه، وقد يغفل حرمة الله من حسابه، فيسيء إلى سموّ قدسه وعظمة جلاله، فيتصرف في أفعاله وأقواله تصرّف المتمرّد الجاهل، وينتهك حرمة ربّه في ذلك كله، وقد ينخدع بالشيطان الرجيم في أمانيّه وغروره وتزيينه وتثبيطه وتهاويله، فيمتد في طريقه إلى غاياته الخبيثة، ويلتقي بمعصية الله في أوضاعه، فيسقط في هاوية الهلاك.. وهنا تنطلق الابتهالات الروحية في نداء خاشع يستعطف الله أن يجنّبه ذلك كله، لتسلم روحه من كل التهاويل التي تبتعد بها عن صفاء العقيدة واستقامة الطريقة.

* * *

اللهم صلِّ على محمد وآلِه، وإذا كان لك في كلِّ ليلةٍ من ليالي شهرِنا هذا رقابٌ يعتِقُها عفوُك ويهَبُها صَفْحُك، فاجعلْ رقابَنا من تلك الرِّقاب، واجعلنا لشهرِنا من خيرِ أهلٍ وأصحاب..

إنها دعوات العباد الذين يشعرون بثقل الخطابا على رقابهم حتى كأنّ النار تطل عليهم لتملكهم، كما يملك صاحب الحق مورد حقّه، فيتعلقون بوعد الله لهم بأن يعتق في هذا الشهر رقاباً خاطئة من النار، ويبتهلون إليه أن يجعل رقابهم من تلك الرقاب، وأن يوثّق صلتهم بهذا الشهر كما لو كانوا من أهله وأصحابه في نتائج الخير والمغفرة التي خصّ الله بها أيامه ولياليه.

* * *

اللهمّ صلِّ على محمد وآله، وامْحَق ذنوبَنا معَ امِّحاقِ هلالِه، واسلَخْ عنّا تبعاتِنا معَ انسلاخِ أيامه، حتى ينقضيَ عنّا وقد صفّيتَنا فيه من الخطيئات، وأخلصتَنا فيه من السيِّئات...

اللهمّ صلِّ على محمد وآلِه، وإن مِلْنا فيه فعدِّلنا، وإن زِغْنا فيه فقوِّمْنا، وإن اشتملَ علينا عدوُّك الشيطانُ فاستَنقِذْنا منه..

قلـق المصـير:

إنه استيحاء الكلمة في عنوان الزمن للكلمة في مسؤولية العمل، فسينمحق هلاله، ويذهب وجهه ونوره للناظرين.. عندما يغيب في قلب الظلام، فهل يمحق الله ذنوبنا، آنذاك، فلا يبقى لنا ذنب في أفق مصيرنا في الحياة؟! وستنسلخ أيامه من دائرة الوجود لتفسح في المجال لأيام أخرى في شهر آخر، فهل تنسلخ معه النتائج السلبية لأعمالنا السيّئة في ما ينتظرنا من عقوبة، فلا نتحمل مسؤوليتها غداً بين يدي الله.. لنعيش صفاء الشخصية فلا تعكرها الخطايا، ولا تشوّهها السيّئات؟!

إنه قلق المصير الذي يشغل فكر الإنسان المؤمن في ما يستقبله في الآخرة.

ثم يخشى هذا الإنسان أن تتجمع العناصر القلقة لتميل به عن الحق أو لتنحرف به عن خط الاستقامة، فيطلب من ربه أن يعدّله إذا مال، وأن يقوّمه إذا زاغ الخط.. وإذا ذكر الشيطان الذي هو عدوّ الله وعدوّ الإنسان، وخاف منه على نفسه عندما يشتمل على كيانه في ما يمكن أن يسيطر عليه بغروره وخداعه، فإنه يبتهل إلى الله أن يستنقذه منه، لأنه ـ وحده ـ المهيمن علىكل شيء.

إنه الإنسان الباحث عن السلامة في المصير، والاستقامة في الخط، والبعد عن الانحراف، والخلاص من الذنوب.. المؤمل بالله في ذلك كله.

* * *

اللهمّ اشْحَنْهُ بعِبادتِنا إيّاك، وزيِّن أوقاتَهُ بطاعتِنا لك، وأعِنّا في نهاره على صيامِه، وفي ليله على الصلاة والتضرُّعِ إليكَ والخشوعِ لك والذِّلّةِ بين يديكَ، حتى لا يشهدَ نهارُهُ علينا بغفلة، ولا ليلُهُ بتفريط.

اللهمّ واجعلنا في سائرِ الشهورِ والأيامِ كذلك ما عمّرتنا...

الزمـن شاهد حـي:

.. ويعود الإنسان المؤمن إلى نفسه، وإلى هذا الشهر الذي جعله الله فرصة له للتعبئة الروحية المنطلقة من خلال الإقبال على الله والانفتاح على عبادته.. ولهذا فإنه يبتهل إلى الله ويستعين به على أن يجعله مشحوناً بعبادته إياه، فلا يخلو وقت فيه من أوضاع العبادة الخاشعة، وأن يزيّن أوقاته بطاعته له، في كل ما أمر به أونهىعنه، فإنّ الطاعة هي التي تمنح الزمن إشراقه وحسنه وزينته، في المعنى العميق لهذه الكلمات.. وأن يعينه على صيامه في النهار وقيامه في الليل، باعتبار أنّ ذلك هو مظهر الطاعة، وعنوان العبادة، ولا سيما الصلاة التي تمثل العبادة المتحركة المتنوعة في شكلها ومضمونها، وروحها المتمثل في الخشوع والخضوع والذلة بين يدي الله.. وبذلك يكون الزمن هو الشاهد الحي الذي يشهد له أمام الله بأنه لم يغفل في نهاره، ولم يفرّط في ليله، بل قام بواجبه كما يريد الله له في ذلك كله.

وليست المسألة مسألة الشهر في خصوصيته، بل المسألة مسألة الزمن كله في امتداد العمر، في ما يشاء الله له من الامتداد في مدى الحياة.

إنها الرغبة العميقة في الانفتاح على الله بعبادته وبطاعته ليكون الإنسان بذلك قريباً إلى الله مرضياً عنده، في كل عمره.

* * *

واجعلنا من عبادِك الصالحينَ الذين يرثونَ الفردَوسَ هم فيها خالدون، والذين يُؤتونَ ما آتوا وقلوبُهم وَجِلةٌ أنهم إلى ربهم راجعون، ومن الذين يسارعون في الخيراتِ وهم لها سابقون..

الشوق إلى الجنـة:

وأخيراً.. يفكر هذا الإنسان بأن ينضم إلى عباد الله الصالحين، فيطلب من الله أن يجعله منهم، لأنهم يرثون الفردوس هم فيها خالدون، فيتقلبون في نعيم الجنة في رضوان الله، لأنهم كانوا يمارسون أعمالهم في قلق روحي عميق، ووجل نفسي كبير، فهم يفكرون برجوعهم إلى الله، ووقوفهم بين يديه، ويخافون أن لا تكون أعمالهم مقبولة عنده، ولأنهم كانوا يسارعون في الخيرات بعد أن علموا أنّ الله ينال المسارعين فيها والسابقين لها برحمته ورضوانه.

إنه شوق الإنسان إلى أن يكون من المجتمع الصالح المنفتح على الله، الواصل إلى جنة الله من خلال عمله وصلاحه.

* * *

اللهمّ صلِّ على محمّد وآلِه، في كل وقتٍ وكلِّ أوان، وعلى كلِّ حال، عددَ ما صلّيتَ على مَن صلّيتَ عليه، وأضعافَ ذلكَ كلِّهِ بالأضعافِ التي لا يُحصيها غيرُك، إنك فعّالٌ لما تريد..

الوفـاء للنبـي:

..ويبقى للنبي محمد دوره الكبير في وعي المؤمنين الذين يشعرون بفضله على الناس كلهم وعلى الحياة كلها، لأنه قد أدى رسالة الله خير أداء وجاهد في سبيلها خير جهاد، الأمر الذي يفرض عليهم أن يعبّروا عن إخلاصهم له، وارتباطهم به واعترافهم بجميله، وذلك بالطريقة التي علّمهم الله إياها، وهي الصلاة عليه، ليحركوها في كل وقت وفي كل أوان وعلى كل حال بكل الأعداد التي يمكن للصلاة أن تنطلق بها، فيمن صلّى الله عليه من رسله وعباده، وفي أكثر من ذلك بالأضعاف التي لا يحصيها غيره.. وهكذا يدخل الإنسان المسلم شهر رمضان بوعي، ويحضنه بمحبة، ويتحرك معه بمعرفة، وينفتح على واجباته بإخلاص.

* * * *

الهوامش

(12) التهذيب، ج:4، باب:1، ص:152، رواية:3.

(13) من لا يحضره الفقيه، ج:2، باب:2، ص:99، رواية:1844.

(14) أفاض سماحة السيد في شرح مسألة نزول القرآن، وفي مناقشة الآراء الأخرى، وذلك في تفسيره "من وحي القرآن"، وفي عدة مواضع، منها: ج:4، ص:27. ج:5، ص:209. ج:17، ص:45. ج:20، ص:276,...الخ.

(15) الكافي، ج:4، ص:87، رواية:1.

(16) مستدرك الوسائل، ج:8، باب:72، ص:424، رواية:9878.

(17) من لا يحضره الفقيه، ج:1، ص:52، رواية:108.

* * * *
مبني على الكسر
شكراً فضليون على هذه المشاركة والسرد الممتاز ..
وتحياتي
رمضان كريم
مبنى على الكسر
user posted image
لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ شرح لدعاءالامام زين العابدين(ع) في دخول شهر رمضان - ديوان الثقافة