وحقيقة مدرسة الرفض - 1 آفاقٌ جديدة
انه بحثٌ كتبه سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتى... حفظه الله و رعاه . لمعالجة شبهةٍ جديدة اثيرت اخيرا, هي: (التشكيك في عصمة اهل البيت
العلمية), كتب حتى يتبين ان منطق اهل البيت
في العقائد وغيرها مما لا تهزها العواصف فضلاً عن هبوب الرياح وغيرها. انه بحث: (عصمة ائمة اهل البيت
وحقيقة مدرسة الرفض). عصمة ائمة أهل البيت
وحقيقة مدرسة الرفض - 1 عصمتهم علميةٌ وأخلاقية
قد تطرح بين الفينة والاخرى بعض النظريات التشكيكية فيما ثبت بالادلة القطعية في مذهب اهل البيت
من العقائد الواضحة, ونحن وان كنا نعتقد بالضرورة ان ثوابت مذهبهم
فوق ان تنالها يد التشكيك, ولكن ذلك لا يعني ان لا نهتم بالردّ على ما يثار, فذلك من الواجبات الواضحة والمسؤليات الجلية ان ندافع عن تلك الحقائق ونوضحها لمن لا يمتلكون الخلفية والرؤية الواضحة حول ما يطرح. ومن جملة ما طرح اخيرا التشكيك في العصمة العلمية لائمة اهل البيت والانبياء
, تلك العصمة التي تعني: (عدم خطئهم فيما يبينونه للامة من احكامٍ شرعيةٍ, وتوجيهاتٍ ونصائح وحكمٍ ومواعظ, وحقائق تتعلق بتفسير القرأن, ومعرفة الله تعالى واسمائه وصفاته وافعاله, وحقائق تتعلق بعالم الغيب عموما, واخباراتهم عن الغيب والمستقبل, وتقييمهم للاشخاص والانظمة .. الى غير ذلك مما هو كثيرٌ كثير مما اخبروا عنه
. وسنخصص هذه الحلقة من الحديث لمعالجة الشبهة في خصوص ائمة اهل البيت
. والذي نعتقده في ائمة اهل البيت
ثلاثة قضايا اساسية ذات صلة بالموضوع, وهي كالآتي: 1- احقيتهم بالخلافة بعد رسول الله
. 2- عصمتهم الاخلاقية وطهارتهم عن كل الارجاس والذنوب.
3- عصمتهم العلمية, بمعنى عدم خطأهم فيما يبينونه للامة من احكامٍ وتوجيهاتٍ ونصائح وحكمٍ ومواعظ و..
ولكل واحدةٍ من هذه القضايا الثلاث ادلتها الواضحة.
غير ان الذي نريد التعرض اليه ومعالجته في هذه الحلقة من الحديث هو القضية الثالثة, حيث اثيرت الشبهة حولها.
اننا نعتقد في النبي
وائمة أهل البيت
, انهم معصومون علمياً فلا لايخطئون فيما يبلغونه عن الله تعالى, وفي ما يبينونه من احكامه تعالى, وما يأمرون به الامة توجيهاًً وقيادةً لها.. وذلك هو ما يحكم به العقل, وهو ما نطق به الرسول
والائمة
في احاديثهم ورواياتهم وامرونا بالايمان به. ولذلك ادلةٌ واضحةٌ عديدةٌ ذكرها علمائنا وشرحوها في ما الَّفوه من الكتب.
ولكننا في هذه الحلقة انما نريد الاشارة الى توضيح بعض الادلة لمستوى الفهم العام والتي تدل على عصمتهم العلمية.
لكن يجب ان يتضح اولاً ان من يتسائل عن حقانية عصمتهم العلمية, هل يطلق هذا التسائل مع التسليم والايمان بان الله تعالى نصبهم ائمةً للامة من بعد رسول الله
, او من دون الايمان بذلك ؟ اذ يوجد هنا تقديران للتسائل:
1- تقدير عدم الايمان بامامتهم الربانية, ما يعني الاعتقاد بعدم ضرورة ان ينصب الله تعالى اماماً للامة يقودها ويرشدها في امر دنياها وآخرتها بعد النبي, وان الرسول
قد ترك الاختيار للناس انفسهم يتصرفون كما رأو ويختارون من شاؤا ؟ 2- تقدير الايمان بامامتهم الربانية, مع انكار عصمتهم العلمية.
لكن الجواب عن التسائل على التقديرين:
انه وعلى العكس مما ذكر توجد هنا نقاطٌ كثيرة توضح ضرورة ان ينصب الله تعالى الامام والقائد للناس بعد الرسول
كي يبين لهم معالم دينهم الحق السوي مصوناً عن الخطأ والاشتباه, ويرشدهم ويقودهم في امر دنياهم, وتوضح ان النبي
قد نصب - فعلاً - للناس من بعده ائمةً يقودونهم بالعلم والحق والعدل, لكن هذه النقاط تحتاج الى النظر اليها بعمقٍ وانصاف. ومن جملة النقاط:
النقطة الاولى: اختيار الاحسن
ما اوضحها سماحة آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظله) ببيانه الجذاب واسلوبه الممتع الذي تجد فيه نسمات القرآن وخصائص منهج اهل البيت
من التمسك والاعتصام بالقرآن واضحةً جليّة. قال (دام ظله): لا شك أن الأمة تحتاج إلى إمام، وأن الإمام يجب أن يكون مرضياً من الله تعالى، لكن من هو الإمام المرضي من الله ؟
إذا كان الله من العلم والجهل يرضى العلم {قل هل يستوى الذين يعلمون و الذين لا يعلمون}. (1)
ومن السلامة والآفة يرضى السلامة {يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام}. (2)
ومن الحكمة والسفاهة يرضى الحكمة {يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا}. (3)
ومن العدل والفسق يرضى العدل {إن الله يأمر بالعدل والأحسن}. (4)
ومن الحق والباطل يرضى الحق {و قل جاء الحق وزهق البطل إن البطل كان زهوقا}. (5)
ومن الصواب والخطأ يرضى الصواب {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوبا}. (6)
فالذي يرضاه الله إماماً للأمة لابد أن يتصف بالصفات المرضية عنده سبحانه، ومنها العلم، والعدل، والسلامة، والحكمة، والصواب، والحق والهداية.
ومن جهة ثانية نرى أن اختيار الأحسن محبوبٌ لله تعالى {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}. (7) وأنه تعالى يأمر بالأخذ بالأحسن {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها}. (8)
ويأمر بقول الأحسن {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}. (9)
ويأمر بالمجادلة - في موضعها - بالأحسن {وجدلهم بالتي هي أحسن}. (10)
وعند لزوم الدفع والرد يأمر بالرد بالأحسن {ادفع بالتي هي أحسن}. (11)
وأنه تعالى يجازي بالأحسن {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}. (12)
وأنه ينزل أحسن الحديث {الله نزل أحسن الحديث}. (13)
فهل يعقل أن يختار للإمامة غير الأحسن، والأكمل، والأفضل، والأعلم، والأعدل . . وغير من هو جامع الصفات الحميدة المذكورة في الحديث ؟ !
ثم مع أن الأمر باتباع الأحسن يستلزم كون الأحسن متبوعا لغيره، فكيف يعقل أن يرضى بإمامة غير الأحسن ومتبوعيته ؟ ! {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}. (14) (15)
انتهى كلام سماحة الشيخ (دام ظله). وغرضه - بشكلٍ عام - انه مادام يمكن لله تعالى ان يوفر للناس الخيار الافضل, فلا يمكن ان يرضى بغير الافضل كما هو واضحٌ من آيات القرآن المذكورة, وبين خياري ان يختار بنفسه الامام للناس وبين ان يترك ذلك لهم, لا شك في ان الافضل الاصلح ان يختاره بنفسه, اذ لا يختار الا الفرد الاكمل الاصلح, اذ الامة - في كل زمانٍ - قد تخطأ فتتسبب بذلك في اضرارٍ كبيرة, وما اكثر هذه الاخطاء في التاريخ.
وقد تسأل وتقول: نعم لا شك ان بين خياري الاصلح وغير الاصلح يجب ان يختار الله تعالى - بمقتضى كونه حكيما -الاصلح, لكن كيف يمكن اثبات ان اختيار الافضل والاصلح من الناس من قبله تعالى هو الخيار الافضل ؟
لان قضية (ان الله لا يختار الا الفرد الاكمل الاصلح, والامة قد تخطأ..) وان كانت صحيحة, الا انه قد تكون هناك مصلحةٌ اهمّ في ترك الامر للامة حتى تتربَّى على اختيار قائدها وادارة شؤؤن حياتها وان وقعت في الاخطاء الجسام, باعتبار ان مصلحة انضاج الامة ايضاً مصلحةٌ مهمة, وقد تكون هذه المصلحة في نظر الله تعالى اهم من مصلحة اختياره بنفسه للامام والقائد الاكمل للامة, وما ادرانا ما هي المصلحة الاهم عند الله تعالى ؟
لكن الجواب:
1- ان مصلحة (ترك الامر للامة حتى تتربَّى) لو كانت صحيحة, اذاً لما كانت هناك حاجةٌ لبعثة الانبياء (عليهم السلام), فلماذا بعث الله تعالى الانبياء
لهداية الناس في كل زمان ومكان, ولماذا لم يترك الناس يمارسوا التجارب في الحياة حتى ينضجوا شيئاً فشيئاً من خلال التجارب ؟ اليس هذا هو منطق العلمانية اليوم التي تقول: لا حاجة الى تعاليم الانبياء
واحكامهم في ادارة شؤؤن الحياة, والناس يمكنهم بانفسهم ان يديروا شؤؤن حياتهم من خلال تجربة التشريعات والقوانين الوضعية المختلفة وتطويرها شيئاً فشيئا بعد معرفة مواقع الخلل والنقص فيها من خلال التجربة ؟ ان مقولة تلك المصلحة هي منطق العلمانية اليوم دون فرق, وان مقولة تلك المصلحة يعني ان لا حاجة الى الانبياء
وتعاليم السماء من الاساس, ونتيجة ذلك نسف الدين من اساسه وجذوره ! 2- ثم ومن اين ثبت ان التجارب البشرية ستكشف كل الحقائق والمصالح والمفاسد, ومن المعلوم ان هناك خصوصيات في وجود الانسان وخواصه الروحية والجسدية والنفسية وخصوصياته الاجتماعية والسياسية .. لا يعرفها الا من خلقها, ومن لا يعرف هذه الخصوصيات بدقائقها كيف يمكنه اصدار التشريعات الصحيحة التي تسعد الانسان ومجتمعه ؟
انكم تلاحظون اليوم ان العلم مع تقدمه المذهل في حقولٍ كثيرةٍ من حقول الحياة والوجود لا زال عاجزا امام معرفة اكثر حقائق هذا العالم الكبير بكواكبه ونجومه ومجراته .., وامام معرفة خصوصيات الانسان وروحه وجسده ومجتمعه .., ولا زال عاجزاً امام معرفة الكثير من الامراض ومعالجتها..
ولذا ترى ان أخطائهم تتكرر وتتلاحق دون انقطاع, بل وتتعاظم, والى الآن هم حيارى هل يسمحون بالطلاق بين الزوجين ام لا, وهل يسمحون بزواج الرجل من الرجل والمرأة من المرأة ام لا, وهل يسمحون للطبيب بقتل المريض المأيوس منه ام لا, وهل يسمحون بسقط الجنين ام لا, وهل يشرعون عقوبة الاعدام لكبار المجرمين ام لا .. وتراهم متفرقين كلٌ يدعي وصلاً بـ ليلى, وليلى لا تقر لهم بذاكا..
اليس من المضحك ان ياتي انسان اليوم ويقول اريد ان اشرِّع للانسان القوانين التي تسعده, وهو لا يعرف اكثرية خصوصيات هذا الانسان الروحية والجسدية والمجتمعية..؟
3- ثم التجارب اذا كانت تنضج الانسان فانما يمكن ان تنضجه بشكلٍ محدودٍ وفي بعض مجالات الحياة, لكن هل يمكن ان تربي الانسان ومجتمعه روحياً ومعنويا, وتنمي من علاقته وارتباطه بالله تعالى ومعرفته به وبصفاته وخصوصياته, وبحقائق عالم الغيب عموما.. ؟
وهل يمكن ان تعرفه بحقائق احكامه وتشريعاته, مع ان حاجات الحياة وقضاياها متجددة, مما يتطلب بيان حكم الله تعالى في القضايا المستجدة, فمن يمكنه ان يبين ذلك غير العالم المعصوم عن الخطأ في علمه, وهو الامام المعصوم كما نرى ؟
والا فرؤية الامام
اذا كانت غير معصومة كما هو الحال في التشريع الوضعي الذي قد يصيب ويخطأ, واذا كانت هذه منزلة نظرة المعصوم وحكمه فما هو الفرق بين الدين والعلمانية, اليس هذا تسويقٌ للعلمانية في لباس الدين ؟! النقطة الثانية: من الذي يسدّ الفراغ ؟
اذا قلنا لا حاجة الى الامام المعصوم في علمه المنصوب من الله تعالى لهداية الناس بعد الرسول
, فمن الذي يبين لهم احكام الله تعالى في قضايا الحياة المتجددة بشكلٍ مستمر, بياناً مصوناً عن الخطأ والاشتباه, ومن هو الذي يبين لهم الموقف الرباني من مستجدات الحياة وقضايا الامة موقفاً مصوناً عن الخطأ والاشتباه, من يسدّ هذا الفراغ بالشكل الذي يسعد الامة ؟ نعم ان عاقبة امر هذا الطرح ليس الا الاعتماد على آراء الفقهاء الذين ليس لهم مصدر للافتاء في المستجدات سوى الاعتماد على العقل الناقص العاجز عن درك حقيقة احكام الله تعالى, ونتيجته التخبط في احكامه تعالى .., بل وحتى في غير المستجدات لا يملكون اهلية الفهم والاستنباط, لعدم تمكنهم من فهم القرآن والسنة الا بهدايةٍ من الامامة المعصومة علميا.
انظروا الى هذا الحديث عن ابن شبرمة قال:
دخلت انا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد (عليهما السلام) فقال لأبي حنيفة: (اتق الله، ولا تقس (في) الدين برأيك فان أول من قاس إبليس).
إلى أن قال: (ويحك أيهما أعظم, قتل النفس, أو الزنا) ؟
قال: قتل النفس.
قال: (فان الله عز وجل قد قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة.
ثم أيهما أعظم الصلاة أم الصوم) ؟
قال: الصلاة.
قال: (فما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة ؟ فكيف يقوم لك القياس ؟ فاتق الله ولا تقس).
(وسائل الشيعة 27 - ص 46)
وهناك احاديث اخرى كثيرة نظير هذا الحديث توضح الخلل الذي ينتج عن مدرسة رفض الحاجة الى الامامة المعصومة علماً وعملا, لكن لا يمكننا تطويل هذا البحث باكثر من هذا المقدار هنا.
هاتف رقم: 340888 17 973 +
فاكس رقم: 342206 17 973 +
العنوان البريدي: ص.ب. 22466
المحرق - مملكة البحرين
البريد الإلكتروني: info@alnajati.org
الموقع الإلكتروني: www.alnajati.org
المدير العام: السيد صادق الشرخات
ساعات العمل:
من السبت إلى الخميس: من الساعة 8 صباحاً إلى 9 مساءاً يومياً