فراشةٌ تقتحم اللهب!
:: باتريك زوسكند، ترجمة: فهيمّة جعفر ::

الموتُ كموضوعٍ للحديث، أليسَ الموتُ أنموذج الموضوع الذي لا حديثَ فيه؟ مهما تحدّثنا بمرحٍ عنِ الحبِّ، فالقليلُ يقالُ حولَ الموت، قيلَ لنا كان الموتُ مختلفاً في العصورِ السالفة، كانَ طَلِق اللسانِ عذبَ المعشر، جُزءاً من المجتمع وَالعائلة، لم يتفادوا مواجهته، إن لم يكُن صديقاً مقرّباً، فقد كانت علاقتهُ بالبشريةِ جيدةً على الأقل، طرأ تغيرٌ جذريٌّ خلال القرنين الماضيين، صمتَ الموتُ وَأمرنا أن نلتزمَ الصمت، وَكنّا سعداء بالإذعانِ لأمره، كُنّا في واقعِ الأمرِ نصونُ صمتاً مميتاً، لا لأننا نجهل كلَّ شيءٍ حوله -هذا ليسَ سبباً ليطبق الشخص فمَه كما هو معروف- لا، بل لأنّهُ روحُ السلبِ السرمديِّ، مُفسدُ المتع وَهادمُ اللذات بما تعنيه الكلمةُ من معنىً، وَلا حيلة لنا معَ شخصياتٍ كهذه في زمننا الحاضر.
إذن كيفَ يمكننا ربطَ هذا المتحفِّظ البغيض بـ(إيروس) المَرِح، ليسَ كنقيضهِ -وَهو ربطٌ يبدو متسقاً أكثر-، بل كرفيقه؟ وَكيفُ يمكن أن تصدرَ المبادرةُ لنيلِ رفقةٍ كهذه لا عن (ثانوتاس)، -هذا المخلوق الفظُّ أشدُّ كسلاً وَاكتفاءً بذاتِه من أن يبادرَ بذلك-، بل عن (إيروس) نفسه، هذا المثيرُ، الفاتنُ، وَالمصدرُ الظاهريُّ لكُلِّ اندفاعٍ خلّاق؟
في قصّةِ (أوسكار وايلد)، تقعُ الأميرةُ الجميلةُ (سالومي) في غرامِ متعصّبٍ دينيٍّ أجبنُ من أن ينظرَ لها حتّى، لكنّهُ أعمىً وَشجاعٌ بما فيه الكفاية ليدفعَ حياته ثمناً لرفضه لها، وَبعدَ أن يُقطعَ رأسُهُ بأمرٍ منها، تُقبِّلُ بغبطةٍ شفتيه الميتتين وَهما تقطران دماً، وَتخبرُنا أن لغزَ الحبِّ أعظمُ من لغزِ الموت، قد نعترضُ قائلين: ”وَمن تكونُ (سالومي) هذه؟ مجرّدُ صبيةٍ مدللةٍ في الثانيةِ أو الرابعةِ عشر من عمرها، لا تعرفُ سوى القليل عن الحب، وَلا شيء إطلاقاً عنِ الموت.“ بيدَ أن (توماس مان) نفسه، الذي كان فائق الذكاء، وَضليعاً في الأمرين، يربطُ بينَ الحُبِّ وَالموت ليسَ في أعمالهِ فقط، بل في سيرةِ حياته أيضاً، في غمرةِ افتتانِه بنادلٍ شابٍّ يلتقيه وهو عجوزٌ في الخامسةِ وَالسبعين من عمره، خلالَ إجازةٍ يقضيها في (زيورِخ)، يقولُ إنه ”يكادُ يتمنّى موتَه.“ وَيكتبُ في مذكراته: ”وداعاً إلى الأبدِ أيها الفتى الساحر! سأعيشُ قليلاً، وَأنجزُ قليلاً، ثمَّ أموت، أنتَ أيضاً ستنضجُ في حياتكَ التي تمضيها، وَتموتُ يوماً ما! يا لكِ من حياةٍ عصيةٍ على الفهم، تثبتُ ذاتها في الحُب.“ لكنَّ (ثانوتاس) و(إيروس) لا يلتقيان فقط في لحظةِ الفِراق والهجران، حيثُ التياع الحب. في رأي (ستاندال) -الذي ينبغي وصفهُ كخبيرٍ في الأمرِ- الحُبُّ بشكلٍ عام مصاحبٌ مزمنٌ للموتِ. وَيكتبُ: ”يجعلُ الحُبُّ الحقيقيُّ من فكرةِ الموتِ اعتياديةً، سهلةً، وَغير مرعبة. يصبحُ مادَّةً بسيطةً للمقايضة، الثمنَ الذي يكون الواحدُ مستعداً لدفعه لقاءَ الكثير.“
نتفهّم كلا الموقفين: الموقفَ الذي يلتمسُ في الموتِ خلاصاً من ألمِ الحُبِّ المضني، وَالآخرَ الشهم الذي يتقبّلُ الموتَ كمجازفةٍ لا مفرَّ منها في سعيهِ إثرَ فريسته الإيروسية، لا سيّما في الأزمان وَالمجتمعات التي تُسَلُّ السيوف وتُشهَرُ المسدساتُ فيها بسرعة. لا يمكنُ اعتبارُ أيٍّ من الموقفين نموذجيّاً وَجديراً بالمحاكاة، بل الأحرى أن يُعزى لطبيعتهِ المجنونةِ وَالمرضيّة واقعاً، واعتباره اضطراباً مؤسِفاً ذا باعثٍ إيروسيّ. غيرَ أنَّ بوسعنا تفهم أمرٍ كهذا، أي يمكننا وضع أنفسنا مكان أولئك الأشخاص الذين يموتون أو يقتلون أنفسهم لأجلِ الحُب. لو لم يكُن ذلكَ بالوسع، كيفَ استطعنا إذن قراءةَ (أحزان الشابِّ فرثر) أو (آنا كارنينا) أو (مدام بوفاري) أو (ايفي بريست) دونَ أن تحرِّكَ مشاعرنا؟ لكنَّ النقطة التي ينتهي عندها التعاطف وَالتفهّم وَيتضاءل الاهتمام هي حينَ يرمي (إيروس) نفسه بقوّةٍ بين ذراعي (ثانوتاس) -في تناقضٍ تامّ- كما لو كان سيتّحدُ به، النقطة التي يلتمس فيها الحُبُّ شكلَه الأرقى وَالأنقى -أي كمالَهُ- في الموت.
- الــبــدايــّة لاحــقــاً -


