ما إن وقعت عينا صاحب المنزل - الذي عاد للتو من مزرعته - على الكلب الذي يحرس منزله حتى التهب الدم في شرايينه وأخذت نبضات قلبه تدقّ أضعاف دقّها الطبيعي .. ما الأمر؟!! فرائص المزارع ترتعد!! ومن عينيه يتطاير الشرر!! ماهذه الأوداج المنتفخة؟!! ..
رفع المزارع بندقيّته بعد أن ملأ دخان الغضب وعاء دماغه ، ووجّها نحو الكلب !!
ضغط زناد البندقيّة من دون تردّد ..
أطلق الرصاصة الأولى .. صوّب الكلب .. أطلق الثانية .. الثالثة .. سقط الكلب ينفث أنفاس الإحتضار وهو يلقي نظرةً يكتنفها الغموض على المزارع ..
انطلق المزارع بأقصى سرعةٍ له إلى المنزل ليعاين ولده الرضيع .. نعم يحقّ له الركض .. أولم يرَ أثناء رجوعه أنياب الكلب تشخب دماً غزيراً؟ ..
إذن يحق له الركض والتوجّس ..
دفع الباب بقوة ليتسنّى لبصره معانقة الحقيقة على مطيّة الضوء .. آه ياللكارثة ياللهول لقد رأى المنظر الذي يمزّق الأكباد وقعت عينه على قطعة القماش التي تلفّ طفله وهي ممزّقة وبقع الدم عليها ومن حولها ،، ولكن ..
أين الطفل؟!!
مشى قلب المزارع على أثر البقع برعشةٍ تكاد تخرجه من الوجود .. حتى قبضت يده على مقبض باب غرفته الخاصّة فتحه بسرعة جنونيّة وإذا به يشاهد ذلك الرضيع في حالةٍ من السكون تغبطه عليها الملائكة !! ..
الرضيع يغطّ في نوم عميق ، والطمأنينة تحلّق على ملامحه ..
في هذه الأثناء تناهت إلى سمع المزارع غوغاء تعجّ بالخارج .. ما الأمر؟ من الذي صوّب الكلب المسكين ؟ أين صاحب المنزل ؟ هل يمكن إسعاف الكلب؟ .....؟ .........؟ ...............؟.. سقطت البندقية من يد المزارع الذي وضع يده على جبهته والدُّوار يعصف به .. حاول التماسك .. مشى بخطواتٍ بطيئة ورأس مطأطأ حتى تمكّن من الخروج من المنزل ، وإذا بسيلٍ من الإستفهامات ينحدر عليه من قبل جيرانه وهو صامت ينظر إلى الكلب ...
ما هي إلا لحظات حتّى ساد الصمت أرجاء المكان .. الكل مطرق ينظر إلى الكلب..
صوت مزارع عجوز يقطع حبل الصمت بقوله : من حقّ هذا الكلب أن يُخلّد ويمنح مكافئةً قلّ نظيرها لقد شاهدته بأمّ عيني وهو يدافع بضراوة عن رضيعِ صاحب المنزل الذي هجم عليه الذئب حتّى أُدميا بجراحاتٍ غزيرة فرّ على أثرها الذئب ..
ترقرقت دموع الحسرة والندامة على خدّ المزارع الذي استوعب نظرة الكلب الغامضة ،، ولكن متى استوعبها ؟
بعد أن فات الآوان ....
كانت النظرة تقول: أيها الإنسان لا تتعجّل .. ادخل المنزل اولاً .. أنا لا أريد قبراً فاخراً متوجّاً بكل أنواع الورود .. أدمعك لن ترجعني للحياة ....