غائبا؟؟ / سماحة الشيخ حسين النجاتي في هذه النافدة الجديدة من نوافذ الحكمة (آفاق جديدة) والتي نشرنا الحلقة الأولى منها في العدد السابق تحت عنوان (هل الحياة الدنيا والآخرة عبثٌ لا حكمة فيها؟) سننشر - بإذن الله تعالى – ما تصلنا من الأسئلة العقائدية والفكرية والإجتماعية بشكلٍ عامٍ والتي سيجيب عليها سماحة آية الله الشيخ حسين النجاتي، ذلك مع التوافق للإطار العام والضوابط الكلية التي نرعاها في (الحكمة).
والهدف من النافذة تنمية الوعي الديني والفكري والثقافي خصوصاً للجيل الشاب، الذي يمثل جوهر رسالة (الحكمة) ويشكل جزءاً أساسياً من واجبات علماء الدين.
السؤال 2: ما هي فلسفة وجود الإمام المهدي
حياً غائباً، وما هي فلسفة وجوده كذلك مع عدم استفادة الناس منه إستفادةً ظاهرة، أليس مثل هذا الوجود عبثيٌ لا فائدة وراءه، وكيف يمكن صدور العبث من الله تعالى؟! وكيف يعتقد أتباع أهل البيت
بهذه العقيدة العبثية، وكيف ينسبون إلى الله تعالى فعل العبث, وكيف يجوزون عليه ذلك، أليس ذلك منافٍ لواجب تنزيهه؟ الجواب 2: يمكن أن نشير إلى عدة نقاط في الجواب:
النقطة الأولى: المهدي في مدرسة أهل البيت
إنه لمن الواضح جدّاً أن من بديهيات معتقدات أهل البيت
وجود المهدي المنتظر حياً يرزق، وأن الأرض لم تخل من وجوده منذ أن قبض الله الإمام الحادي عشر الحسن بن علي بن محمد بن الرضا العسكري عليه وعلى آبائه السلام. كما أن من معتقداتهم الثابتة الواضحة أنه من ذرية علي وفاطمة (عليهما السلام)، كما دلت على ذلك النصوص والروايات الكثيرة جدّاً.
النقطة الثانية: عدم المعرفة لا تبرر النفي
إنه يمكن تصور فرضين هنا كقاعدةٍ للأسئلة السابقة:
الفرض الأول: أن نفترض ثبوت وجوده
من خلال الأدلة التي يقيمها العلماء على ذلك من الروايات والأدلة العقلية. الفرض الثاني: أن نفترض عدم ثبوت وجوده
. وأمّا فرض ثبوت عدم وجوده فمردودٌ تماماً، لأن نفي الوجود يحتاج إلى الدليل، ولا دليل عليه، إذ كما أن الإثبات يحتاج إلى الدليل كذلك النفي يحتاج إلى الدليل، وأقصى ما يمكن المنكرون أن يقولونه أنهم لا يجدون دليلاً على وجوده، لكن هذا إذا صح فلا يبرر نفي الوجود.
وحينئذٍ نبقى مع الفرضين الأولين، فعلى الفرض الأوّل، إذا كان وجوده
ثابتاً وكنا لا نعرف فلسفةً لوجوده، فهذا لا يبرر لنا نفي الفائدة لوجوده، بل أقصى الأمر أن يقال: أننا لا نعرف فوائد لوجوده، ولا يجوز لنا نفي الفائدة. وحينئذٍ يكون الأمر في وجوده كوجود الكثير من الأشياء في عالمنا كالنجوم والسيارات والكواكب والمنظومات الشمسية الكثيرة، بل وأشياء كثيرة في جسد الإنسان ممَّا لا نعرف فائدة وجوده، فهل يمكن أن ننفي وجود الفائدة لهذه الأشياء، أم أقصاه أن نقول: نحن لا نعرف فائدةً لوجودها لكنها قد تكون لها فوائد.
بل يجب الاعتقاد بأن لها فوائد، لأن الله تعالى لا يفعل العبث، ولا يخلق شيئاً بلا حكمة، فالخلق دليل على ضرورة وجود ما خلق وإن له فوائد غير مستغنى عنها في نظام الوجود.
وكذلك بالنسبة إلى وجود المهدي
غائباً، فإذا آمنا بوجوده فلا بد وأن نؤمن بأن لوجوده فوائد وإن كنا نجهلها، لأن الجهل لا يبرر النفي، فالفائدة موجودةٌ ووجودها ضروري وإن كنا لا نعرف الوجه في ذلك. وهكذا نستنتج: أنه على تقدير الفرض الأول لا بد من الإيمان بأن لوجوده فوائد وإن كنا لا نعرفها، ويجب الإعتقاد بضرورة وجوده في عموم نظام الوجود وبضرورة وجوده بالنسبة إلى خصوص البشرية أيضاً، وإن كنا لا نعرف وجه الفائدة، كما لا نعرف أن البشرية كيف تستفيد من وجود الكثير من الكرات السماوية والكواكب وأحياء البحار والصحاري والهواء و.... ، لكننا نذعن بأن الله تعالى لم يخلق هذه الأشياء عبثاً بل خلقها لفائدةٍ وحكمةٍ في وجودها، ولحاجة البشرية أو عموم نظام الوجود إلى وجودها.
وأمّا على الفرض الثاني، وهو عدم ثبوت وجوده
، فلا فائدة في البحث عن فوائد وجوده. نعم قد تقول: أن عدم وجود فلسفةٍ وفائدةٍ واضحةٍ لوجوده
يدعم الشك في وجوده ويقوي التردد في ذلك، بل وقد يميل بالعقل والقلب إلى الإعتقاد بعدم وجوده، إذ لا معنى للإعتقاد بوجود ما لا يعرف فائدةٌ لوجوده
. لكن الجواب: أنه على تقدير عدم ثبوت وجوده لعدم توفر الأدلة الكافية المقنعة بذلك مثلاً، فإن عدم معرفة فلسفةٍ وفائدةٍ واضحةٍ لوجوده لا يقوي الشك في وجوده فضلاً عن أن يميل بالإنسان إلى الإعتقاد بعدم وجوده.
والسبب في ذلك هو: أن الذي يمكن أن يكون عاملاً داعماً للإعتقاد بعدم الوجود إنما هو شيءٌ واحد، وهو الجزم بعدم وجود فائدةٍ لمثل هذا الوجود، لأن مع الجزم بعدم الفائدة سوف ينتج عن ذلك الجزم بعدم الوجود، إذ لا يمكن الإعتقاد بوجود شيء لا فائدة فيه.
لكن الشأن أنه كيف يمكن الجزم بعدم الفائدة لمثل هذا الوجود، إذ أقصى ما يمكن أن يقوله الإنسان هو أنه لا يعرف فائدةً لمثل هذا الوجود، وعدم معرفة الفائدة لا يساوي اليقين بعدم الفائدة، فإذن أقصى الأمر هو الشك في وجود أو عدم وجود الفائدة، والشك في الفائدة لا يكون عاملاً مساعداً للميل بالقلب والعقل إلى الإعتقاد بعدم الوجود، لأنه مع الشك فالفائدة محتملة الوجود، وإذا أصبحت محتملة الوجود أصبح وجوده أيضاً محتملاً.
وهكذا نصل إلى نتيجة: أن عدم معرفة فلسفة وجوده
غائباً لا يمكن أن يؤثر سلباً على إعتقادنا بوجوده وحياته
، سواءً أكنا آمنا بوجوده أم شككنا في ذلك. بل أوضحنا أنه على تقدير الإيمان بوجوده فلا بد من الإيمان بأن لوجوده فوائد وفلسفة وإن كنا نجهلها، وعلى تقدير الشك في وجوده فعدم معرفة فلسفة وجوده لا يشكل عنصراً سلبياً إضافياً في مسألة الاعتقاد بوجوده.
فالصحيح: أن عدم معرفة فلسفة الوجود لا يمكن أن يكون له دورٌ سلبيٌ في قضية الاعتقاد بوجود المهدي (عليه السلام)...
تتمة الجواب في العدد القادم
هاتف رقم: 340888 17 973 +
فاكس رقم: 342206 17 973 +
العنوان البريدي: ص.ب. 22466
المحرق - مملكة البحرين
البريد الإلكتروني: info@alnajati.org
الموقع الإلكتروني: www.alnajati.org
المدير العام: السيد صادق الشرخات
ساعات العمل:
من السبت إلى الخميس: من الساعة 8 صباحاً إلى 9 مساءاً يومياً