مشاهدة الموضوع الأصلي: مفاهيم إسلامية
ديوان الثقافة » الأرشيف! » الديوان الأدبي » الديوان الرمضاني 1424 هـ
فضليون
28 شعبان 1424هـ الموافق 24\10\2003م


--------------------------------------------------------------------------------

عن الرسول الأكرم : "أيها النّاس إنّه قد أقبل إليكم شهْر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات، هو شهرٌ دُعيتُم فيه إلى ضيافة الله وجُعِلتُم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعمَلُكُم فيه مقبول، ودعاؤكُم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربّكم بنيّاتٍ صادقة وقلوبٍ طاهرة أن يوفقّكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإنّ الشقيّ مَن حُرِمَ غفران الله في هذا الشهر العظيمَ".


--------------------------------------------------------------------------------

مفاهيم إسلامية

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان}. نستقبل شهر رمضان في يوم الاثنين القادم بحسب الثبوت العلمي بالنسبة إلى ولادة الهلال وإمكانية الرؤية، والثبوت العلمي عندنا ثبوت شرعي، ومن أحبّ أن يصوم استحباباً في يوم الأحد على أساس أنه من "شعبان" فليفعل.

القرآن كتاب الهداية إلى الله

ونحن نستقبل هذا الشهر الكريم الذي قدّمه الله تعالى إلينا بأنه هو الشهر الذي أُنزل فيه القرآن، ومعنى ذلك أنه الشهر الذي جمع فيه الله سبحانه وتعالى للإسلام كتابه، وأراد للمسلمين أن ينطلقوا من خلال هذا الكتاب وهو القرآن الكريم، ليجدوا فيه الهدى في كل حالات الضياع والضلال، فإذا تاه بنا الطريق ولم نعرف إلى أين نسير، فعلينا أن نرجع إلى القرآن ليحدد لنا الطريق، سواء في مسارنا الاقتصادي عندما تشتبه الأمور بين الحلال والحرام، أو في المسار الاجتماعي عندما تشتبه القضايا بين الاستقامة والانحراف، أو في المسار السياسي عندما تتردد الأمور بين مواقع الاستكبار والاستضعاف ومواقع العدل والظلم، فعلينا أن نرجع إلى القرآن الكريم لنتدبّره ونتفهّمه، لنجد فيه الهدى، فإن هدى الله هو الهدى، وهذا ما عبّر الله تعالى عنه للمسلمين عندما خاطبهم من خلال الرسول بقوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم - إذا أردتم أن تتقرّبوا إلى أتباع هذا الدين أو ذاك حتى يرضوا عنكم، فلن يرضوا عنكم إلا إذا خرجتم من دينكم واتبعتم دينهم - قل إن هدى الله هو الهدى}..

وفي القرآن الكريم ما يبيّن لكم كل التفاصيل التي تهديكم إلى الله ورضوانه، سواء تلك التفاصيل في حياتكم العائلية أو في حياتكم الاجتماعية، وفي كل مواقع الحياة، فإن في القرآن الفرقان، أي ما يفرّق بين الحق والباطل، ليحدد لكم في كل موقف أين هو الحق وأين هو الباطل. ولعل المسلمين ضاعوا وضلّوا وابتعدوا عن النهج لأنهم أضاعوا القرآن وحوّلوه إلى كتاب للبَرَكة وللزينة، بدلاً من أن ينفتحوا عليه ليتدبّروه، {أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها}.

الانفتاح على الله بالدعاء

ونلتقي بشهر رمضان، هذا الشهر القرآني، فإن على الإنسان أن يعيش فيه كل الخطوط العامة للإسلام، فالله تعالى أراد لنا أن نصوم هذا الشهر: {ومن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أُخر}، وأراد الله تعالى لنا في شهر رمضان كما أراد لنا في كل أيام السنة أن ندعو الله، {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}، وأراد الله لنا فيه - كما في غيره من الشهور - أن نعيش الحضور بين يديه، أن نذكره في كل حالاتنا، أن نسبّحه لتتجلى عظمته في معنى التسبيح، وأن نحمده لنعرف أن الحمد كله له، فكل محمود يستمد حمده منه، وأن نهلله لنعرف أن لا إله إلا هو، ولنكبّره لنعرف أنه الأكبر وكل ما عداه هو الأصغر.

وقد ترك لنا القرآن، كما النبي محمد وأئمة أهل البيت ، ولا سيما الإمام علي بن الحسين زين العابدين ، من الأدعية المنفتحة على الله، والتي يعيش فيها الإنسان ثقافة المعرفة بالله، والمنفتحة على الرسول والرسالة وعلى الإنسان في كل نقاط ضعفه وقوته التي ينفتح من خلالها على الله، وعلى حياة الإنسان كلها في كل معاني القيم الروحية والأخلاقية. ولذلك فإن هذه الأدعية، سواء كانت أدعية الصباح والمساء والأدعية النهارية والليلية وأدعية السحر، هي التي تجعل الإنسان إذا وعاها وتفهّمها وحضّر قلبه عند قراءتها، إنساناً قريباً من الله، قريباً من الناس، قريباً من كل خطوط الرسالة.

بركات شهر رمضان

ولذلك، حاولوا أن لا تفوتكم هذه الأدعية، وفرّغوا أنفسكم لها في ليلكم ونهاركم، وإذا كان البعض يعتذر بأنه مشغول بأمور معيشته وحياته، فإن بإمكانه أن يدعو الله بما أهمّه بدعاء يحفظه أو يُنشئه، ادعُ الله بلغتك الخاصة وبلهجتك الخاصة، لأن الدعاء يجعلك تحسّ بحضور الله معك، وتشعر بأنك تناديه وتناجيه كما لو كان حاضراً أمامك.. إن القرآن الكريم أراد لنا أن نجاهد أنفسنا ونتورع عن الحرام، وننفتح على الواجبات، وفي شهر رمضان يكبر هذا الواجب وتكبر هذه المسؤولية.

وقد حدّثنا رسول الله والأئمة الهداة من أهل بيته عن هذا الشهر وعن بركاته وفضله وضرورة الاستعداد له بكل ما يمكن للإنسان من الاستعداد العقلي والروحي والشعوري والعملي، فقد خطب رسول الله في آخر جمعة من شعبان، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس إنه قد أظلكم شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، وهو شهر رمضان، فرض الله فيه صيامه، وجعل قيامه ليلة بتطوّع صلاة كمن تطوّع بصلاة سبعين ليلة في ما سواه من الشهور، تُغلق فيه أبواب النيران، وتُفتح فيه أبواب الجنان، فمن أدركه فلم يُغفر له فأبعده الله، هو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار"..

وقال في رواية أخرى: "أيها الناس، قد أقبل إليكم شهر الله بالبَرَكة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دُعيتم فيه إلى ضيافة الله - فالله تعالى بسط لنا في هذا الشهر مائدته في الصباح والمساء، ومائدة الله رزقه ومغفرته ورضوانه وجنته - وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله - عندما تُكرمون أنفسكم بالتقوى وتُكرمون الناس من حولكم بالخير والمحبة - أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله بنيّات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر".

وقام عليّ بعد أن استكمل النبي خطبته وقال له: "يا رسول الله، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر"؟ فقال : "يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله"، ادرس كل ما حرّم الله عليك، ما حرّمه في كلماتك ونظراتك وطعامك وشرابك وشهواتك ومالك وتجارتك ومساكنك، انظر إلى كل ما حرّم الله عليك وابتعد عنه، فذلك من أفضل الأعمال في هذا الشهر..

شهر الإسلام

وقد كان الإمام زين العابدين يدعو الله تعالى عندما يدخل شهر رمضان وعندما يخرج، وهو يتحدث عن طبيعة هذا الشهر، فيقول : "الحمد لله الذي حبانا بدينه، واختصنا بملّته، وسبّلنا في سبل إحسانه لنسلكها بمنّه إلى رضوانه، حمداً يتقبّله منا ويرضى به عنا، والحمد لله الذي جعل من تلك السبل شهره شهر رمضان، شهر الصيام وشهر الإسلام - لاحظوا كيف أعطى الإمام زين العابدين شهر رمضان هذا الاسم، لأن هذا الشهر بكل ما فيه من فيوضات وألطاف وأجواء وأعمال، يجعل الإنسان مسلماً بعقله وقلبه وجسده وبكل حركته في الحياة، وبكل علاقته بالله وبنفسه وبالناس، ويحرّك الإسلام في الواقع كله عندما ينطلق المؤمنون الصائمون من أجل الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليعيش الإسلام في كل واقع الناس، وينفتح على كل قضايا الإسلام والمسلمين - وشهر الطهور - لا طهور الجسد فحسب، ولكنه طهور العقل، بأن تطهّر عقلك من كل قذارات الباطل، وأن تطهّر قلبك من كل قذارات الحقد، وأن تطهّر حياتك من كل قذارات الشر، أن تخرج من شهر رمضان طاهراً طهر أخلاقك وروحك وحياتك كلها، ونحن أتباع الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فعلينا أن نأخذ من طهارتهم الروحية والعقلية والعملية لنجعل أنفسنا في خط تلك الطهارة وفيضها - وشهر التمحيص - أن تمحّص نفسك، أن تدرس كل نقاط ضعفك وقوتك، أن تدرس سلبياتك وإيجابياتك، حتى تمحّص نفسك وتطرد منها كل ما يبعدك عن الله، وتنفتح على كل ما يقربك من الله - وشهر القيام". وقد كان الإمام الصادق إذا دخل شهر رمضان يوصي ولده: "إذا دخل شهر رمضان فأجهدوا أنفسكم، فإن فيه تُقسم الأرزاق وتُكتب الآجال، وفيه يُكتب وفد الله"..

إنه الموسم، موسم الخير والمغفرة والرحمة والرضوان والعبادة والعدل، تعالوا لنجلس على مائدة الله ولنتقبّل ضيافته، ولنعدّ أنفسنا حتى نكون من أهل طاعة الله ومن المقرّبين إليه في هذا الشهر الفضيل، لأنكم تعرفون أن من يخسر الموسم فإنه يخسر السنة كلها ويخسر العمر كله، تعالوا نربح أنفسنا ومصيرنا في هذا الشهر الكريم، نربح الجنة عند الله {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم}.

نسأل الله تعالى أن يجعل هذا الشهر علينا وعلى المسلمين جميعاً شهر خير ورحمة ومغفرة وبركة، وأن يعيننا على أنفسنا بما يُعين به الصالحين على أنفسهم، إنه أرحم الراحمين.

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

مبني على الكسر
user posted image

مبنى على الكسر
لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ مفاهيم إسلامية - ديوان الثقافة