مشاهدة الموضوع الأصلي: مقتل الامام أبي عبد الله الحسين
ديوان الثقافة » الأرشيف! » الديوان الأدبي » الديوان الحُسيني 1425 هـ
صديق



ولما قتل العباس التفت الحسين (عليه السلام) فلم ير أحداً في الميدان من ينصره ونظر إلى أهله وصحبه مجزرين كالأضاحي وهو يسمع عويل الأيامى وصراخ الأطفال، ووجه الإمام (عليه السلام) وهو بتلك الحالة خطاباً لأعدائه حذرهم فيه من غرور الدنيا وفتنتها، ويقول المؤرخون: انه لم يلبث بعده إلا قليلاً حتى استشهد، وهذا نصه:

(عباد الله: اتقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر فإن الدنيا لو بقيت لأحد، وبقي عليها أحد لكانت الأنبياء أحق بالبقاء، وأولى بالرضا، وأرضى بالقضاء، غير أن الله تعالى خلق الدنيا للبلاء، وخلق أهلها للفناء فجديدها بال، ونعيمها مضمحل، وسرورها مكفهر، والمنزل بلغة، والدار قلعة فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلكم تفلحون)(1).


•• الإمام يطلب ثوباً خلقا
وطلب الإمام من أهل بيته أن يأتوه بثوب خلق لا يرغب فيه أحد ليجعله تحت ثيابه لئلا يسلب منه، فأتوه بتبان(2) فلم يرغب فيه وقال ذلك لباس من ضربت عليه الذلة، وأخذ ثوباً فخرقه، وجعله تحت ثيابه فلما قتل جردوه منه(3).



•• وداعه لعياله


وقفل الإمام راجعاً إلى عياله ليودعهم الوداع الأخير، وجراحاته تنفجر دماً وقد أوصى حرم الرسالة وعقائل الوحي بلبس الأزر والاستعداد للبلاء، وأمرهن بالخلود إلى الصبر والتسليم لقضاء الله قائلاً:

(استعدوا للبلاء، واعلموا ان الله تعالى حاميكم وحافظكم، وسينجيكم من شر الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويعذب عدوكم بأنواع العذاب، ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم)(4).

تزول الدول، وتذهب الممالك، وتفنى الحضارات، وهذا الإيمان الذي لا حد له أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من كل كائن في هذه الحياة لأمر الله، انه ليس هناك غير الحسين أمل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وريحانته والصورة الكاملة التي تحكيه.

وذابت أسى أرواح بنات الرسول (صلى الله عليه وآله) حينما رأين الإمام بتلك الحالة يتعلقن به يودعنه، وقد وجلت منهن القلوب، واختطف الرعب الوانهن، والتاع الإمام حينما نظر إليهن وقد سرت الرعدة بأوصالهن يقول الإمام كاشف الغطاء:

(من ذا الذي يقتدر أن يصور لك الحسين (عليه السلام) وقد تلاطمت أمواج البلاء حوله، وصبت عليه المصائب من كل جانب، وفي تلك الحال عزم على توديع العيال ومن بقي من الأطفال فاقترب من السرادق المضروب على حرائر النبوة وبنات علي والزهراء (عليه السلام) فخرجت المخدرات كسرب القطا المذعورة فاحطن به وهو سابح بدمائه، فهل تستطيع أن تتصور حالهن وحال الحسين في ذلك الموقف الرهيب ولا يتفطر قلبك، ولا يطيش لبك، ولا تجري دمعتك)(5).

لقد كانت محنة الإمام في توديعه لعياله من أقسى وأشق ما عاناه من المحن والخطوب، فقد لطمن بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجوههن، وأرتفعت أصواتهن بالبكاء والعويل، وهن يندبن جدهن الرسول والقين بأنفسهن عليه لوداعه، وقد أثر ذلك المنظر المريع في نفس الإمام بما لا يعلم بمداه إلا الله.

ونادى الرجز الخبيث عمر بن سعد بقواته المسلحة يحرضها على الهجوم على الإمام قائلاً:

(اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه، فو الله ان فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم).

وحمل عليه الأخباث فجعلوا يرمونه بالسهام، وتخالفت السهام بين اطناب المخيم، وأصاب بعضها ازر بعض النساء فذعرن ودخلن الخيمة وخرج بقية الله في الأرض كالليث الغضبان على أولئك الممسوخين فجعل يحصد رؤوسهم الخبيثة بسيفه، وكانت السهام تأخذه يميناً وشمالاً، وهو يتقيها بصدره ونحره، ومن بين تلك السهام التي فتكت به.

1 - سهم أصاب فمه الطاهر، فتفجر دمه الشريف فوضع يده تحت الجرح فلما امتلأت دماً رفعه إلى السماء وجعل يخاطب الله تعالى قائلاً:

(اللهم إن هذا فيك قليل)(6).

2 - سهم أصاب جبهته الشريفة المشرقة بنور النبوة والإمامة رماه به أبو الحتوف الجعفي فأنتزعه، وقد تفجر دمه الشريف، فرفع يديه بالدعاء على السفكة المجرمين قائلاً:

(اللهم إنك ترى ما أنا فيه من عبادك العصاة، اللهم احصهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً).



•• وصاح بالجيش

(يا أمة السوء بئسما خلفتم محمداً في عترته، أما انكم لا تقتلون رجلاً بعدي فتهابون قتله بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم أياي، وأيم الله اني لأرجو أن يكرمني الله بالشهادة، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون..)(7).

لقد كان جزاء الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي انقذهم من حياة البؤس والشقاء أن عدوا على ذريته فسفكوا دماءهم، واقترفوا منهم ما تقشعر منه الجلود وتندى له الوجوه.. وقد استجاب الله دعاء الإمام فأنتقم له من أعدائه المجرمين، فلم يلبثوا قليلاً حتى اجتاحتهم الفتن والعواصف، فقد هب الثائر العظيم المختار طالباً بدم الإمام فأخذ يطاردهم ويلاحقهم، وقد هربوا في البيداء وشرطة المختار تطاردهم حتى أباد الكثيرين منهم، يقول الزهري لم يبق من قتلة الحسين أحد إلا عوقب أما بالقتل أو العمى أو سواد الوجه، أو زوال الملك في مدة يسيرة(8).

3 - وهو من أعظم السهام التي فتكت بالإمام. يقول المؤرخون: إن الإمام وقف ليستريح بعدما أعياه نزيف الدماء، فرماه وغد بحجر أصاب جبهته الشريفة فسالت الدماء على وجهه فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه، فرماه رجس بسهم محدد له ثلاث شعب فوقع على قلبه الشريف الذي يحمل العطف والحنان لجميع الناس، فعند ذلك أيقن بدنو الأجل المحتوم منه فشخص ببصره نحو السماء وهو يقول:

(بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله .. إلهي إنك تعلم انهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري).

وأخرج السهم من قفاه فانبعث الدم كالميزاب فأخذ يتلقاه بيديه فلما امتلأتا رمى به نحو السماء وهو يقول:

(هون ما نزل بي أنه بعين الله).

وأخذ الإمام من دمه الشريف فلطخ به وجهه ولحيته، وهو بتلك الهيبة التي تحكى هيبة الأنبياء واندفع يقول:

(هكذا اكون حتى ألقى الله وجدي رسول الله وأنا مخضب بدمي..)(9).

4 - رماه الحصين بن نمير بسهم أصاب فمه الشريف فتفجر دماً فجعل يتلقى الدم بيده ويرمي به نحو السماء وهو يدعو على الجناة المجرمين قائلاً:

(اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على الأرض منهم أحداً)(10).

وتكاثرت عليه السهام حتى صار جسده الشريف قطعة منها.. وقد اجهده نزيف الدماء واعياه العطش، فجلس على الأرض، وهو ينؤ برقبته من شدة الآلام فحمل عليه وهو بتلك الحالة الرجس الخبيث مالك بن النسر فشتمه وعلاه بالسيف، وكان عليه برنس(11) فامتلأ دماً، فرمقه الإمام بطرفه، ودعا عليه قائلاً:

(لا اكلت بيمينك ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين).

وألقى البرنس واعتم على القلنسوة(12) فأسرع الباغي إلى البرنس فأخذه وقد شلت يداه(13).


•• الإمام مع ابن رباح


وكان مسلم بن رباح هو آخر من بقي من أصحاب الإمام، وكان معه، وقد أصاب الإمام سهم في وجهه الشريف فجلس على الأرض وانتزعه، وقد تفجر دمه، ولم تكن به طاقة فقال لابن رباح:

(أدن يديك من هذا الدم).

فوضع ابن رباح يديه تحت الجرح فلما امتلأتا دماً قال له:

(أسكبه في يدي).

فسكبه في يديه، فرفعهما نحو السماء وجعل يخاطب الله تعالى قائلاً:

(اللهم اطلب بدم ابن بنت نبيك).

ورمى بدمه الشريف نحو السماء فلم تقع منه قطرة واحدة إلى الأرض فيما يقول ابن رباح(14).

•• مناجاته مع الله

واتجه الإمام (عليه السلام) في تلك اللحظات الأخيرة إلى الله فأخذ يناجيه ويتضرع إليه بقلب مُنيب ويشكو إليه ما ألم به من الكوارث والخطوب قائلاً:

(صبراً على قضائك لا إله سواك، يا غياث المستغيثين، مالي رب سواك ولا معبود غيرك. صبراً على حكمك، يا غياث من لا غياث له، يا دائماً لا نفاذ له يا محيي الموتى، يا قائماً على كل نفس أحكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين)(15).

إنه الإيمان الذي تفاعل مع جميع ذاتياته فكان من أهم عناصره.. لقد تعلق بالله وصبر على قضائه وفوض إليه جميع ما نزل به وعاناه من الكوارث والخطوب، وقد أنساه هذا الإيمان العميق جميع ما

حل به يقول الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في رائعته:


يا أبا الطف وازدهى بالضحايا***من أديم الطفوف روض خيل

نخبة من صحابة وشقيق***ورضيع مطوق وشبول

والشباب الفينان جف ففاضت***طلعة حلوة ووجه جميل

وتوغلت تستبين الضحايا***وزواكي الدماء منها تسيل

ومشت في شفاهك الغر نجوى***نم عنها التحميد والتهليل

لك عتبى يا رب إن كان يرضيك***فهذا إلى رضاك قليلِ


•• الهجوم عليه

وهجمت على ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) تلك العصابة المجرمة التي تحمل رجس الأرض وخبث اللئام فحملوا عليه - يالله - من كل جانب وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح فضربه زرعة بن شريك التميمي على كفه اليسرى، وضربه وغد آخر على عاتقه، وكان من أحقد أعدائه عليه الخبيث سنان بن أنس، فقد أخذ يضربه تارة بالسيف وأخرى يطعنه بالرمح، وكان يفخر بذلك، وقد حكى للحجاج ما صنعه به باعتزاز قائلاً:

(دعمته بالرمح، وهبرته بالسيف هبراً)(16).

فالتاع الحجاج على قسوته وصاح به: أما انكما لن تجتمعا في دار(17).

وأحاط به أعداء الله من كل جانب، وسيوفهم تقطر من دمه الزكي يقول بعض المؤرخين إنه لم يضرب أحد في الإسلام كما ضرب الحسين فقد وجد به مائة وعشرون جراحة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم(18).

ومكث الإمام مدة من الوقت على وجه الأرض، وقد هابه الجميع ونكصوا من الأجهاز عليه يقول السيد حيدر:

فما اجلت الحرب عن مثله***صريعاً يجبن شجعانها

وكانت هيبته تأخذ بمجامع القلوب حتى قال بعض أعدائه: (لقد شغلنا جمال وجهه ونور بهجته عن الفكرة في قتله) وما انتهى إليه رجل إلاّ انصرف كراهية أن يتولى قتله(19).


•• خروج العقيلة[/color

[color=darkblue]وخرجت حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله) زينب من خبائها وهي فزعة تندب شقيقها وبقية أهلها وتقول بذوب روحها:

(ليت السماء وقعت على الأرض).

وأقبل ابن سعد فصاحت به: يا عمر أرضيت أن يُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟ فأشاح الخبيث بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته المشومة(20) ولم تعد العقيلة تقوى على النظر إلى أخيها وهو بتلك الحالة التي تميد بالصبر، فانصرفت إلى خبائها لترعى المذاعير من النساء والأطفال.


•• الفاجعة الكبرى

ومكث الإمام طويلاً من النهار، وقد اجهدته الجروح وأعياه نزيف الدماء، فصاح بالقتلة المجرمين:

(أعلى قتلي تجتمعون؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله وأيم الله إني لأرجو ان يكرمني الله بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون..).

وكان الشقي الأثيم سنان بن أنس قد شهر سيفه فلم يدع أحداً يدنو من الإمام مخافة أن يغلبه على أخذ رأسه فيخسر الجائزة من سيده ابن مرجانة، والتفت الخبيث عمر بن سعد إلى شبث بن ربعي فقال له:

(أزل فجئني برأسه).

فانكر عليه شبث وقال له:

(أنا بايعته ثم غدرت به، ثم أنزل فاحتز رأسه لا والله لا أفعل ذلك..).

والتاع ابن سعد فراح يهدده:

(إذاً اكتب إلى ابن زياد).

(اكتب له)(21).

وصاح شمر بالأوغاد المجرمين من أصحابه: ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم فاندفع خولي بن يزيد إلى الاجهاز عليه إلا انه ضعف وأرعد فقد اخذته هيبة الإمام فأنكر عليه الرجس سنان بن أنس وصاح به: فتَّ الله في عضدك وأبان يدك، واشتد كالكلب على الإمام فاحتز رأسه الشريف فيما يقول بعض المؤرخين(22)، وسنذكر الأقوال في ذلك.

واحتز رأس الإمام (عليه السلام) وكانت على شفتيه ابتسامة الرضا والاطمئنان والنصر الذي احرزه إلى الأبد.

لقد قدم الإمام روحه ثمناً للقرآن الكريم، وثمناً لكل ما تسمو به الإنسانية من شرف وعز وإباء.. وقد كان الثمن الذي بذله غالياً وعظيماً فقد قتل مظلوماً مهضوماً غريباً بعد أن رزئ بابنائه وأهل بيته وأصحابه وذبح وهو عطشاناً أمام عائلته، فأي ثمن أغلى من هذا الثمن الذي قدمه الإمام قرباناً خالصاً لوجه الله؟

لقد تاجر الإمام مع الله بما قدمه من عظيم التضحية والفداء، فكانت تجارته هي التجارة الرابحة قال الله تعالى:

(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم)(23).

والشيء المحقق ان الإمام قد ربح بتجارته وفاز بالفخر الذي لم يفز به أحد غيره، فليس في أسرة شهداء الحق من نال الشرف والمجد والخلود مثل ما ناله الإمام فها هي الدنيا تعج بذكراه، وها هو حرمه المقدس أصبح اعز حرم وامنعه في الأرض.

لقد رفع الإمام العظيم راية الإسلام عالية خفاقة وهي ملطخة بدمه ودماء الشهداء من أهل بيته وأصحابه: وهي تضيء في رحاب هذا الكون وتفتح الآفاق الكريمة لشعوب العالم وأمم الأرض لحريتهم وكرامتهم.

لقد استشهد الإمام من أجل أن يقيم في ربوع هذا الكون دولة الحق، وينقذ المجتمع من حكم الأمويين الذين كفروا بحقوق الإنسان، وحولوا البلاد إلى مزرعة لهم يصيبون منها حيث ما شاءوا.


•• القاتل الأثيم

واختلف المؤرخون في المجرم الأثيم الذي اجهز على ريحانة رسول الله ، وهذه بعض الأقوال:

1 - سنان بن أنس

وذهب الكثيرون من المؤرخين إلى أن الشقي الأثيم سنان بن أنس هو الذي احتز رأس الإمام (24) وفيه يقول الشاعر:

وأي رزية عدلت حسيناً***غداة تبيره كفا سنان(25)

2 - شمر بن ذي الجوشن

وصرحت بعض المصادر أن الأبرص شمر بن ذي الجوشن هو الذي قتل الإمام(26) فقد كان هذا الخبيث من أحقد الناس على الإمام يقول المستشرق رينهارت دوزي: ولم يتردد الشمر لحظة بقتل حفيد الرسول (صلى الله عليه وآله) حين احجم غيره عن هذا الجرم الشنيع وان كانوا مثله في الكفر(27).

3 - عمر بن سعد

وذكر المقريزي وغيره ان عمر بن سعد هو الذي قتل الإمام بعد أن احجم غيره من السفكة المجرمين من قتله(28).


user posted image

في رحاب سيد الشهداء
مقدّمة
توجّهت العناية الإلهيّة إلى الأنبياء والرسل عليهم السّلام؛ إذ هم حجج الله على خَلْقه، وأمناؤه في أرضه، فلابدّ أن يكونوا أفضل عباده. ولمّا كان الإسلام خاتِمَ الأديان وأسماها، كان لابدّ أن يُبعَث به مَن هو أفضل أنبياء الله تعالى ورسله، ومَن خصّتْه العناية الإلهيّة بأسمى الفضائل هو وأوصياؤه المُكْرمون.. ومنهم الإمام الحسين عليه السّلام، الذي تسالمت روايات المسلمين على اختلاف مشاربهم وتعدّد مذاهبهم على أنّ الله تعالى أكرمه إكراماً خاصّاً، فكان له مناقب متميّزة وخصائص فريدة، نقلها: المفسّرون والمحدّثون، والمؤرّخون والرجاليون، وكلّ من تحدّث أو كتب في مضمار السِّيَر وشخصيّات الإسلام.
وها نحن ـ أيّها الإخوة المؤمنون ـ ندخل في رحاب الحسين بن عليّ عليهما السّلام، من ولادته حتّى شهادته، لنطالع بقلبٍ منفتح ما له من المكارم التي دلّت على: أفضليّته على الناس، وأثبتيّتهِ على دين الله، وتضحيتهِ العظمى غَيرةً على حرمات الله، وشهادتهِ المُثلى في سبيل الله.






* * *



تعريف بالمولود الأغرّ
• كتب الحافظ ابن عبدالبَرّ معرِّفاً: الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أمُّه فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله، كُنّي أبا عبدالله. وُلد لخمسٍ خلون من شعبان سنة أربع، وقيل: ثلاث للهجرة .
• ونقل محبّ الدين الطبريّ عن ابن الدرّاع قولَه في كتاب ( مواليد أهل البيت عليهم السّلام ): لم يكن بين الحسن والحسين إلاّ حمل بطن، وكانت مدّة حمل البطن ستّةَ أشهر. وقال: لم يولد مولودٌ قطّ لستّة أشهر فعاش، إلاّ الحسينَ وعيسى بن مريم عليهما السّلام .
• وفي تعريفه في ( المختار ) قال مبارك بن الأثير الجزريّ: أبو عبدالله سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله وريحانته من الدنيا، وسيّد شباب أهل الجنّة، وُلدِ في شعبان سنة أربعٍ من الهجرة .
• وكتب سبطُ ابن الجوزيّ معرّفاً: كنيته أبو عبدالله، ويُلقّب بـ: السيّد، والوليّ، والوفيّ، والمبارك، والسبط، وشهيد كربلاء .
• قال الشيخ محمّد بن الصبّان المصريّ: وحنّكه النبيّ صلّى الله عليه وآله برِيقه، وأذّن في أُذنه، ودعا له وسمّاه حسيناً يوم السابع، وعقّ عنه .
• وفي إشارة من المناويّ في ( الكواكب الدريّة ): وكان الحسين شجاعاً مقداماً مِن حين كان طفلاً .
• وفي المولد الشريف.. كتب القرمانيّ: لمّا وُلد الحسين أُخبِر النبيّ صلّى الله عليه وآله به، فجاءه وأخذه، وأذّن في أُذنه اليُمنى وأقام في أذنه اليسرى، وجاء جبرئيل عليه السّلام فأمره ( بأمرِ الله تعالى ) أن يُسمّيَه « حسيناً » ـ كما جاء في الحسن .
وأضاف: وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله لفاطمة عليها السّلام: احلقي رأسَه، وتصدّقي بوزنه فضّة ـ كما فعل بأخيه الحسن .
من هو الحسين عليه السّلام ؟
• روى البخاريّ بسند ينتهي إلى يعلى بن مُرّة، قال: خرجنا مع النبيّ صلّى الله عليه وآله ودُعِينا إلى طعام، فإذا الحسين في الطريق، فأسرع النبيُّ صلّى الله عليه وآله أمام القوم ثمّ بسط يديه فجعل الغلام يفرّ ها هنا وها هنا، ويضاحكه النبيّ صلّى الله عليه وآله.. حتّى أخذه، فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى في رأسه، ثمّ اعتنقه، ثمّ قال صلّى الله عليه وآله: حسينٌ منيّ وأنا من حسين، أحبَّ الله مَن أحبّ حسيناً، الحسين سبط من الأسباط .
• وبسند موثّقٍ وطويل.. أورده الحموينيّ الجوينيّ الشافعيّ في ( فرائد السمطين ) وانتهى به إلى ابن عبّاس، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول في حديث:
فلمّا وُلد الحسين بن عليّ ( وكان مولده عشية الخميس ليلة الجمعة ) أوحى الله عزّوجلّ إلى مالك خازن النار: أخمدِ النيرانَ على أهلها؛ لكرامةِ مولودٍ وُلدِ لمحمّد صلّى الله عليه وآله في دار الدنيا. وأوحى الله تبارك وتعالى إلى رضوان خازن الجِنان: طيِّبْها؛ لكرامةِ مولودٍ وُلدِ لمحمّد صلّى الله عليه وآله في دار الدنيا. وأوحى الله تبارك وتعالى إلى حور العين أن: تزيّنوا وتزاوروا؛ لكرامة مولودٍ وُلدِ لمحمّدٍ صلّى الله عليه وآله في دار الدنيا. وأوحى الله إلى الملائكة أن: قوموا صفوفاً بالتسبيح والتحميد والتكبير؛ لكرامةِ مولودٍ وُلد لمحمّد صلّى الله عليه وآله في دار الدنيا. وأوحى الله عزّوجلّ لجبرائيل أن: اهبطْ إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله في ألف قبيل ( أي ألف جماعة )، والقبيل ألف ألف من الملائكة، على خيولٍ بلق ( أي فيها سواد وبياض ) مسرَّجة ملجَّمة عليها قباب الدرّ والياقوت، ومعهم ملائكةٌ يُقال لهم: الروحانيّون، بأيديهم حِرابٌ من نور، أن: هنِّئوا محمّداً بمولوده.. وأخبره: يا جبرئيل، إنّي سمّيته « الحسين »، فهَنِّه وعَزِّه!! وقل له: يا محمّد، تقتله شرُّ أمّتك على شرّ الدوابّ، فويلٌ للقاتل! وويلٌ للقائد! وقاتلُ الحسين أعظم جُرماً، قاتل الحسين أنا منه بريء وهو منّي بريء، لأنّه لا يأتي يوم القيامة أحدٌ إلاّ وقاتلُ الحسين أعظم جُرماً! قاتل الحسين يدخل النار يوم القيامة مع الذين يزعمون أنّ مع الله إلهاً آخَر، ولَلنّارُ أشوق إلى قاتل الحسين ممّن أطاع اللهَ إلى الجنّة..
• وروى ابن حَسْنَويه الحنفيّ، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال: والذي نفسي بيده، إنّ حولَ قبر ولدي الحسينِ أربعةَ آلاف مَلَكٍ شُعثاً غُبراً يبكون عليه إلى يوم القيامة، ورئيسهم مَلَكٌ يُقال له: منصور. وإنّ الملائكة عونٌ لمَن زاره، فلا يزوره زائرٌ إلاّ استقبلوه، ولا يودّعه مودِّعٌ إلاّ شيّعوه، ولا يمرض إلاّ عادُوه، ولا يموت إلاّ صلَّوا عليه واستغفروا له بعد موته .



اللهمّ اجعلنا من زوّار الإمام الحسين عليه السّلام ومُحبّيه،
والمستشفعين بجدّه وأُمّه وأبيه، والثابتين على
ولايته، والباكين على مصيبته، والمتأسّين بسيرته.. ومن مُواليه.


ماجورين

ت ح ت المجهر

ملاحظ
أهلاً وسهلاً،،

عظّم الله أجورنا وأجوركم أجمعين..
وفقك الله على هذه الجهود الطيبة..

مع التحية،،
لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ مقتل الامام أبي عبد الله الحسين - ديوان الثقافة