مشاهدة الموضوع الأصلي: مِنْ مَدْرَسَةِ الإمَامِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَلامُ
ديوان الثقافة » الدواوين العامة » زاوية القصص
وافهم الكلام
السيرة والتأريخ: مِنْ مَدْرَسَةِ الإمَامِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَلامُ)



العلامة السيد محمد علي بحر العلوم

ديوان الثقافة




الجزء الأول
عَمَّار بْن يَاسِر
وافهم الكلام
ـ لِمَاذا يُعَذَّبُ هؤلاء يا أبتاه؟!

ـ إنَّ هؤلاء حَادُوا عَنْ آلهتِنا، ودَانُوا بغير دينِنا، واتبعوا محمّداً.

ـ محمّد.. ومَنْ هو محمّد يا أبتاه؟!.

ـ محمّد: فتى عبد المُطَّلِب، يَتِيْمُ أبيه، فقيرُ قومِهِ. كَفَلَهُ عَمُّهُ أبو طالب، وتولَّى تربِيَتَه بَعْد جَدِّهِ، جَدُّهُ عبد المُطَّلِب.

ـ وَلِمَ ذلك؟.

ـ لأَنَّ والدَهُ عبدالله تُوُفِّيَ عَنْه، وهو بَعْد لَمَّا تَكْتَحِل عَيْنَاه بِنَعِيْم الحياة.

ـ أبتاه، ماذا يريد هذا اليتيم؟ وبِمَاذا جَاءَ؟

ـ يُقَال: إنّه دعا إلى دينٍ: يُوجِبُ عبادةَ الله وحده، لا شريك له.

ـ وماذا في ذلك؟.

ـ ماذا في ذلك؟!، ذلك يعني أَنّ أصنامَنا يجب أَنْ تزولَ، حيث لا مبرِّرَ لوجودِها بَعْد.

ـ ثُمَّ ما يُرِيد بَعْدَ هذا ؟

ـ لا أدري، أراك كثيرَ الكلام، أُسْكُتْ، ولا تَتَحَدَّثْ

بهذا الحديث، بل تَنَاسَاه، نَعَمْ تَنَاسَاه يا بُنَي، فإنِّي أخشى عليك مِنْ عذابِ قُرَيْشٍ.

ـ يا أبتاه دَعْنِي أَتَقَدَّمُ لهذه الزمرة التي أخذَتْ بيدها مَكَاوِيَ الحديد؛ لِتَطْعَنَ بِحَرِّ نارها جلودَ هذه الأجساد الهَزِيْلَة، التي تَضَوَّرَتْ مِنَ الألم بين أيديها.

ـ حَذَارِ... حَذَارِ.

أُتْرُكْهُم يا ولدي، دَعْنَا وشَأْنَنَا، مَاَلَنا وهذه الأُمور؟.

هَيَّا بِنَا، هَيَّا... هَيَّا.

ـ لماذا لَمْ يتركوهم وشَأْنَهم، لِيَعْبُدُوا ما يَعْبُدُونَ؟

ـ أَجُنِنْتَ؟! كيف ترضى قُرَيْشٌ أنْ تُصَابَ آلِهَتُها بِالْبَوَار؟.

بني، إنّ خطر الإسلام على الجاهليّة عظيمٌ.

ـ يا أبتاه. رُحْمَاكَ، لي رَغْبَةٌ مُلِحَّةٌ في أَنْ أَذْهَبَ إلى محمّدٍ فَأَسْمَع مِنْهُ ما يُريد.

ـ لا.. لا... قالَها الأبُ، وهو يَزْأَرُ مِنَ الغضب، وَكَمَّ فَمَ وَلَدِهِ؛ كي لا يَسْتَمِرّ في الحديث.

ثم الْتَفَتَ يُمْنَةً ويُسْرَةً، وهو يخشى أنْ يَقِفَ أحدٌ على حَدِيْثَهُمَا.

ثم حاول أنْ يتحدّث، فَمَاتَتْ الكلماتُ على شَفَتَيْهِ، وهو يَرْتَعِدُ خوفاً ودهشةً.

ـ ما بِكَ يا أبتاه؟.


وغابَ الوالدُ في تفكيرٍ عميقٍ، وبَدَتْ عَلائِمُ الاستفهام جَلِيَّةً على قَسَمَاتِ وَجْهِهِ، تُرَى ماذا أصاب والدَه؟ فقد بدا في حالةٍ عصبيّةٍ لِلْغَايَةِ.

وَفَضَّلَ السكوت رَيْثَمَا تَهْدَأ حالةُ الشيخِ. ما إنْ رأى والَده قد عاد إلى صوابِهِ، واسْتَرْجَعَ وَضْعَهُ الاعتيادي، حتّى الْتَفَتَ إليه ثانِيَةً قائلاً:

أبتاه: هل تَعِدُنِي أنْ أَذْهَبَ إلى محمّد، أبتاه: يَحْدُونِي مَيْلٌ شديدٌ لأَنْ أعرفَ أهدافَ دعوتِه، ولأتَبَيَّنَ حقيقة خطرها على آلهة قُرَيش.

انتفض الأب مِنْ مكانه، وهو يضطرب مِنَ الخوف والوَجَلِ وصَاحَ بِوَلَدِهِ: دَعْنَا نسير، دَعْنَا نَذْهَب إلى البيت، لنستريح مِنْ شَرِّ هذا اليوم.

وفي طريق عودتِهِما إلى البيت مَرَّا على جماعةٍ تَحْمِلُ السياطَ وتَلْهَبُ بها ظهورَ ثلاثةِ أشخاصٍ مِنْ بينهم امرأةٌ واحدةٌ، وقد تَجَمْهَرَ عليهم جمعٌ يَتَضاحكون ويَتَصايَحون.

يا عمّار: أينَ رَبُّ محمّد لِيُنْجِيْكَ مِنْ هذا العذاب؟... قالها أحدُهم ساخِرَاً، وكان أحدُ الجَلاوِزَةِ المَوْكُولِيْنَ بالتعذيب.

وعمّارٌ كالحديد يَتَدَرَّع بالإيمان، ويتحلّى بالصبر، عيناه شاخِصَتَان إلى السماء، وشَفَتَاهُ تَلْهَجَان (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).


وما أنْ سَمِعَ أبو جَهْلٍ هذه الكلمات، تَرُفّ على شفاه عمّار، حتّى هَجَمَ عليه ثانِيَةً ـ والغضب يتطاير شرره مِنْ عينيه ـ وانْقَضَّ على عمّار يفتحُ فَكَّيْهِ لِيَقْطَعَ لسانَه، لقد هَالَهُ أنْ يسمعَ مِنْهُ هذه الكلماتِ.

فيَسْتَقْبِلُهُ بعضُ أصحابه، وهم يتضاحكون...

وتقبل الرجلُ مِنْ زمرته شكرَهم، وعيناه لا يرفَعُها عَنْ هذه الأجساد الثلاثة المطروحة بين أيدي جلاوزته، تَلْهَبُهَا سِيَاطُهُم المَحْمُومَةُ، وتُمَزِّقَهُم حِرَابُهُم الحاقِدةُ.

ويَلْتَمُّ شملُ الصفوة الخَيِّرَة مِنَ المسلمين في حَلَقَةٍ تضمُّ نبيِّ الرحمة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو يُعِيد على أسماعهم آياتٍ مِنْ كتاب الله المجيد.

كانَ العددُ لا يتجاوزُ الأصابِعَ، وقد تعذَّر حضورُ ياسر وزوجتِهِ، وَوَلَدِهِمَا عمّار، حيثُ أنَّ عذاب المشركين كان لا يزالُ يَنْصَبُّ عليهم صَبَّاً، دون رحمةٍ ولا شَفَقَةٍ.

ويَعْلَمُ الرسولُ بِكُلِّ ما يجري على هذا النَّفَر المُسْتَضْعَف مِنْ أصحابِهِ، فَلَمْ يملِكُ لهم مِنَ الأمرِ إلاّ أنْ يرفعَ يدَه للدعاء ((مَنْ عَادَى عَمَّارَاً عَادَاهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَمَّارَاً أَبْغَضَهُ اللهُ)).

ولمْ يَقِفْ عذابُ القوم عِنْد حَدٍّ، فقد فاقَ كلَّ وَصْفٍ، وكانَ عمّار سابِعُ مَنْ أَسْلَمَ وآمَنَ بدعوة محمّد، وكان عذابُ الجاهليّة يتفاقمُ عليه، كُلَّما رأتْ أَنَّ هذا الرجل قد تَدَرَّعَ بالصبر.

ولكنّ عمّاراً كان ولا يزال فوق هذه الهَمَجِيَّة مِنَ العذاب، فقد تحدّاها بِقُوّة أعلى مِنْ أَنْ تَنْهَار على دَكَّة المشركين، إنّما هي صلابة الإسلام، وإيمانُ محمّد، تَبْعَثَانِهِ على التفاني في سبيل عَقِيْدَتِهِ.

كان عمّارٌ حليفاً لبني مخزومٍ، وكان يرجو أَنْ ينالَ مِنْ محالَفَتِهِ هذه بعضَ الراحةِ والطمأنينةِ، ولكنّ بني مخزومٍ هي التي قَدَّمَتْهُ قُرْبَانَاً مُقَيَّدَاً إلى بِسَاط التعذيب على يد المشركين مِنْ أمثالِ أبي سُفْيَان، وَعُتْبَة، وأبي جَهْلٍ، وغيرهم.

ونادى مُنَادِي المسلمين بالهجرة إلى الحبشة، فقد أصبح شبحُ الموتِ أقربُ مِنَ الظِّلِّ إلى أصحاب رسول الله، وكانَ عمَّارٌ أحدَ أفراد هذه القافِلَة الصغيرة مِنْ رجال الإسلام.

وَرَمَقَ الركبَ ـ وهو يَجِدُّ سيرَه حثيثاً؛ ليبعد عَنْ واقعِ الظالمين ـ أحدُ أعوان الزمرة والطاغية، فَذَهَبَ وأشاعَ النبأَ لدى القومِ، وَهُمْ في فَنَاءِ البيت:

أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَكْبَاً ـ مِنْ أَصحاب محمّد ـ قد غادرَ أبوابَ مَكَّةَ، وسوف يَهْرُبُ ويَفْلِتْ مِنْ بينِ أَيْدِيْنَا، وحاول البعضُ أنْ يقوم بما يلزم مِنْ عَرْقَلَةِ سَفَر هذه الصفوة، وَلَكِنْ هيهاتَ فقد سَلِمَ الركبُ بنفسه مِنْ أَنْ يَقَعَ فَرِيْسَةً لدى الأعداء.

وفي مساءٍ رائعٍ ـ رائعٌ بعبير التضحيات ـ وَدَّعَ عمّارٌ البقِيَّةَ الباقِيَةَ مِنْ أهل بيته بعد أنْ قُتِلَ أبواه في ساحة التعذيب وترك المدينةَ.


للحديث صلة

طفولة
ننتظر،
لتتضح الصورة أكثر smile.gif

شكراً وافهم الكلام على طرحك المفيد thumbup.gif
إيمان

من مات على حب محمدٍ وآل محمد ، مات شهيداً.
اللهم اجعلني من محبي محمدٍ وآل محمدٍ إلى يومِ الخلاص .
أخي في الله، وافهم الكلام : ثبّتَ اللهُ قلبكَ على الإيمانِ، وعلى حبِّ محمدٍ وآل محمد graduated.gif
شذى الروح
شكراً لكَ أخي و افهم الكلام على هذا الموضوع المتميز ..
بـــاركَ الله فيكـَ,,,


و نحن بالإنتظار .. happy.gif
علاوي
بـــاركَ الله فيكـَ,,,
طفولة
cowboy.gif
cowboy.gif cowboy.gif
cowboy.gif cowboy.gif cowboy.gif
cowboy.gif cowboy.gif
cowboy.gif cowboy.gif
cowboy.gif cowboy.gif
لين
شكراً لك اخي وافهم الكلام على الحديث الشيق
ونحن بانتظار بقية الحديث بفارغ الصبر

تحياتي،،
وافهم الكلام
طفولة، إيمان، شذى الروح، علاوي، لين
وكل القراء تحيّة وسلام معطر بسيرة
الصحابي الجليل عمّار ابن ياسر




ترك المدينةَ بُرْهَةً مِنَ الزمَنِ، ولكنّ ذِكْرَى إِنْسَانِيَّة محمّد لَمْ تُبَاِرحْ مُخَيَّلَتِه، وآياتُ الله البيِّنات تَمُورُ في أجواء نفسه وتنطوي الأيّام عَجْلَى، وانْطَوَتْ معها الصفحةُ مِنَ الذكريات ولكنّها عادتْ حيّةً مَنْشُورةً بعد زمانٍ، زمانٍ قليلٍ، بعد أنْ عاد أصحابُ الرسول مِنَ الحبشة إلى يثرب، مدينةِ الرسولِ.

عادوا وأكاليلَ الغارِ تُتَوِّجُ حياتَهم، وأَعْلام النصر تَرَكَّزَتْ في رُبُوْعِهِم. وعمّارٌ... ذلك الرجل الذي استمرّ طيلةَ حياتهِ يُدافِعُ ويُنَافِحُ عَنِ الإسلام، ويَذُبُّ عَنْ كيانِهِ بجهادٍ متواصلٍ، ينتظرُ ـ وهو على موعد ـ.

ينتظرُ اللحظةَ الحاسمةَ ـ التي خَلّدَتْ وجودَه ـ مِنْ حياته وهو يردِّدُ دائماً قولَ الرسول: ((يَا عَمَّارُ آخِرُ شَرَابٍ لَكَ مِنَ الدَُنْيَا ضَيَاحٌ مِنَ اللَبَنِ)).

وترتبِطُ حياةُ الصحابيِّ الجليل بعليّ بنِ أبي طالبٍ ارتباطاً وثيقاً، فقد كانتْ كلماتُ الرسولِ الأعظم خالدةً في ابن عَمِّهِ وَرَفِيْقُ دَعْوَتِهِ، وهي تَنْفُذُ إلى أعماق الإنسان كَنُوْرِ الفجرِ وَسَحَرِ المَطَرِ..

((يَا عَلِيُّ: لا يَعْرِفُ اللهَ إلاّ أنَا وَأَنْتَ، وَلا يَعْرِفُنِيْ إلاّ اللهُ وأَنْتَ، ولا يعرفك إِلاّ اللهُ وَأَنَا)).

وتَرُفُّ هذه الكلماتُ الزاهرةُ نَدِيَّةً في أُذُنَيْهِ، وَيَسْتَوْعِبُ تفكيرُه النَيِّرُ هذا القول: ((وَلا يَعْرِفُكَ ـ يا علي ـ إِلاّ اللهُ وأَنَا)).

ولماذا لا يكونُ مِنْ عليٍّ بمنزلة العِطْرِ للوَرْدِ، والشروق للأمل.. وهو الذي تقول عَنْهُ عائشةٌ: (ما مِنْ أَحَدٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أشاءُ أَنْ أَقُوْلَ فيه إِلاّ قُلْتُ، إِلاّ عمّار بن ياسر، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: ((مُلِئَ عمَّارٌ إِيْمَانَاً إِلَى أَخْمَصَ قَدَمَيْهِ)) ).

ولم تكنْ هذه الصِلَةُ بِالْحَدِيْثَةِ بعد رسولِ اللهِ، كلا، فَعَمَّارٌ كانَ مع رسول الله في كلِّ حُرُوْبِهِ، وفي كلِّ أيَّامِهِ، وكانَ يسمعُ عندما يقولُ كلمةً عَنْ عَلِيٍّ فيحفظها، وعندما يَشْهَدُ عليَّاً وهو يخوضُ غِمَارَ الموت في سبيل الدعوة بإيمانٍ وعقيدةٍ، فَتَنْسَابُ الشهادةُ مِنَ الرسولِ في حَقِّهِ، فَيَلْقَفُهَا عمّارٌ وِسَامَاً لا يعلوه وسامٌ.

وعليٌّ لمْ يكنْ أقلَّ مَعْرِفَةٍ بِعَمَّارٍ مِنْ غيره.. فقد مَلَئَ هذا الرجلُ المُجَاهِد الصابِر المُمْتَحَن قلبَه وإعْجابَه.. وليس بالغريب أنْ يُصْبِحَ أبو اليقظان مِنْ أصحابه أكثرَ قُرْبَاً، وأَشَدَّ الْتِصَاقَاً لعليٍّ، وصيِّ رسول الله، وإمام المسلمين..

واقتطعتْ السنون مِنْ أيّامِها حُلْوِهَا وَمُرِّهَا، خيرِها وشرِّها، وعمّارٌ في خِضَمِّهَا صَلْدَاً لا تَهُزُّهُ الأحداث، ولمْ تَجْرُفْهُ الإغراء، وإذا مَرَّتْ به أيّام محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صَعْبَةُ المِرَاس لاقى في سبيل الدعوة كلّ أنواعِ التعذيب والأذى، حتّى ذَكَرَ أنَّه: (كان يُعَذَّبُ حتّى لا يَدْرِي ما يقول). فإنّ أيّامَ عليٍّ (عليه السلام) لَمْ تَكُنْ أقلَّ مِنْهَا مِحْنَةً. مِنْ يَومِ أَنْ غَمِضَتْ فيه عينُ الرسولِ، حتّى يوم استشهد في ساحةِ صِفِّيْن. وكان مع هذا كلِّه يُمَثِّلُ الإنسانَ المُجَرِّبَ والفكر الوقّاد، والشخصيّة الفذَّة، لا تأخُذُهُ في الله لَوْمَةُ لائِمٍ.. وقد وقف فيها إلى جانِب إمامه؛ يفتح في نفسه أُفُقَاً رائِعاً لأَبْعَادِهِ الكريمة، ومِنْ فِكْرِهِ، رَأْيَاً صائِبَاً لِمَا تقتضيه مصلحةُ الإسلام..

إنّه امتحانٌ عسيرٌ تَمُرُّ به الصفوةُ الطيبة مِنْ هؤلاء الأَفْذَاذ، الذين اتخذوا مِنْ عليٍّ ـ بعد الرسول الأعظم ـ مدرسةً تُنِيْرُ لهم الطريقَ، وتُبَدِّدُ لهم حُلْكَةَ المسيرة..

وإذا زهدَ عليٌّ في هذه الدنيا، بحيث لم يُعْطِها مِنْ نفسه قُلامَةَ ظِفْرِهِ، فقد كان عمّارٌ على هذا الخطِّ، عندما وُلِّيَ الكوفة في عهد عمر بن الخطاب، سار فيها سَيْرَاً لنْ تَجِدَهُ إلاّ عند أمير المؤمنين (عليه السلام) مِنَ العدل، وإحقاق الحق، ومكافحةِ الباطلِ وعدم الاهتمام بِمَظْهَرِ الدنيا، حتّى يقول الراوي، وهو مِنْ أهل الكوفة: (رَأَيْتُ عَمَّارَ بن ياسر، وهو أَمِير الكوفة يشتري مِنْ قِثَّائِهَا، ثُمّ يربِطُهَا بِحَبْلٍ ويَحْمِلُهَا فوق ظهره، ويمضي بها إلى داره)!!!.

ولَمْ يَكُنْ عسيرٌ على عمّار أنْ يَتَجَبَّرَ وَيَتَكَبَّرَ، ويمشي خلفه الخَدَمُ والحَشَمُ في الكوفة وهو والي الكوفة، وأمير الجيش، ومُقَرِّبُ الخلفاء، لكنْ لَمْ يكنْ هذا أبداً.. فهو مِنْ مدرسةِ ذلك الإمام الذي يقول للدنيا غُرِّي غَيْرِي، أَمَّا هو فَفِيْ ذاتِ الله خَشِنٌ.. ويعملُ ويأكلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، ولا تَطْمَعُ نفسُهُ إلى بيضاء وصفراء..

وطلعتْ شمسٌ، وغَرُبَتْ شمسٌ، وعلى الشفاهِ أكثرُ مِنْ سُؤَال؟ مَتَى تَتَحَقَّقُ نبوءةُ الصادقِ الأمينِ، وهو﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى‏*﴾.

((وَيْحَ ابْنَ سُمَيَّة، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ)).

وتبقى هذه الكلمةُ الخالِدةُ في آذان المسلمين حَيَّةً، تنتظر اللحظةَ الحاسمة.. وعمّار قد ذَرَفَ على التسعين مِنْ عُمُرِهِ، أو تجاوزها بِقَلِيْلٍ. والأيّام حافلةٌ بالحوادث، وكلّ يومٍ له فيه حسابٌ.

ولكنّه يومٌ ولا كالأيّام، يَزْخَرُ بالأَحداث ويمطر بالمآسي.. فمعاوية بن أبي سفيان قد دفعتْه الغيرةُ المُفْتَعَلَةُ للأَخْذِ بِثْأرِ عثمان ولمْ تكنْ الحقيقةُ، إنّما هو التضليلُ للسُذَّجِ مِنَ الناس.

ولمْ يكنْ الواقعُ إلاّ ما قَالَهُ أبوه بالأمس، حينما تولَّى الخلافةَ عثمان، وَالْتَفَّ حوله مِنَ الأَمويين: يَخْضِمُونَ مالَ اللهِ خَضْمَ الإبِل، فَيَلْتَفِتُ أبو سفيان، وقد أرهقتْه السنون وأتْعَبَهُ الحقدُ، يقول لآله المجتمعين حول الخليفة: فوالّذي يَحْلِفُ به أبو سفيان لا جَنَّةَ ولا نَارَ، تلاقفوها يا بَنِي أُمَيَّة.

ومعاوية على هذا الأساس خطَّطَ، وفي هذا الضوء سار.. واليوم قد حان فيه الانقضاض، وعليٌّ بيده الخلافةُ، وهو يعلمُ أَنّ ابن أبي طالبٍ صَعْبُ المِرَاس لمْ يخضع للعاطِفَة، ولا يَنْقاد للمُقْتَضَيَات، والناس لا يسعدهم هذا اللون مِنَ المسيرة، فَلْيَقْتَطِفْ المناسبةَ، ويَسْتَغِلْ الفرصةَ، وَوَقْتَهَا حَانَ. وَلْيرفع شعارَ (يا لِثَأْر عثمان) وليكنْ مِنْ قميصه المُدْمَى ما يُعْلِنُ الحربَ ويُلْهِبُ الفتنةَ، ويُثِيْرُها عِجَاجَةً تأكلُ الأخضرَ واليابسَ. وفِعْلاً كانَ مَا أَرَاد..


للحديث تتمة
طفولة
tongue.gif
بانتظار تتمة الحديث
لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ مِنْ مَدْرَسَةِ الإمَامِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَلامُ - ديوان الثقافة