طفولة، إيمان، شذى الروح، علاوي، لين
وكل القراء تحيّة وسلام معطر بسيرة
الصحابي الجليل عمّار ابن ياسر
ترك المدينةَ بُرْهَةً مِنَ الزمَنِ، ولكنّ ذِكْرَى إِنْسَانِيَّة محمّد لَمْ تُبَاِرحْ مُخَيَّلَتِه، وآياتُ الله البيِّنات تَمُورُ في أجواء نفسه وتنطوي الأيّام عَجْلَى، وانْطَوَتْ معها الصفحةُ مِنَ الذكريات ولكنّها عادتْ حيّةً مَنْشُورةً بعد زمانٍ، زمانٍ قليلٍ، بعد أنْ عاد أصحابُ الرسول مِنَ الحبشة إلى يثرب، مدينةِ الرسولِ.
عادوا وأكاليلَ الغارِ تُتَوِّجُ حياتَهم، وأَعْلام النصر تَرَكَّزَتْ في رُبُوْعِهِم. وعمّارٌ... ذلك الرجل الذي استمرّ طيلةَ حياتهِ يُدافِعُ ويُنَافِحُ عَنِ الإسلام، ويَذُبُّ عَنْ كيانِهِ بجهادٍ متواصلٍ، ينتظرُ ـ وهو على موعد ـ.
ينتظرُ اللحظةَ الحاسمةَ ـ التي خَلّدَتْ وجودَه ـ مِنْ حياته وهو يردِّدُ دائماً قولَ الرسول: ((يَا عَمَّارُ آخِرُ شَرَابٍ لَكَ مِنَ الدَُنْيَا ضَيَاحٌ مِنَ اللَبَنِ)).
وترتبِطُ حياةُ الصحابيِّ الجليل بعليّ بنِ أبي طالبٍ ارتباطاً وثيقاً، فقد كانتْ كلماتُ الرسولِ الأعظم خالدةً في ابن عَمِّهِ وَرَفِيْقُ دَعْوَتِهِ، وهي تَنْفُذُ إلى أعماق الإنسان كَنُوْرِ الفجرِ وَسَحَرِ المَطَرِ..
((يَا عَلِيُّ: لا يَعْرِفُ اللهَ إلاّ أنَا وَأَنْتَ، وَلا يَعْرِفُنِيْ إلاّ اللهُ وأَنْتَ، ولا يعرفك إِلاّ اللهُ وَأَنَا)).
وتَرُفُّ هذه الكلماتُ الزاهرةُ نَدِيَّةً في أُذُنَيْهِ، وَيَسْتَوْعِبُ تفكيرُه النَيِّرُ هذا القول: ((وَلا يَعْرِفُكَ ـ يا علي ـ إِلاّ اللهُ وأَنَا)).
ولماذا لا يكونُ مِنْ عليٍّ بمنزلة العِطْرِ للوَرْدِ، والشروق للأمل.. وهو الذي تقول عَنْهُ عائشةٌ: (ما مِنْ أَحَدٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أشاءُ أَنْ أَقُوْلَ فيه إِلاّ قُلْتُ، إِلاّ عمّار بن ياسر، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: ((مُلِئَ عمَّارٌ إِيْمَانَاً إِلَى أَخْمَصَ قَدَمَيْهِ)) ).
ولم تكنْ هذه الصِلَةُ بِالْحَدِيْثَةِ بعد رسولِ اللهِ، كلا، فَعَمَّارٌ كانَ مع رسول الله في كلِّ حُرُوْبِهِ، وفي كلِّ أيَّامِهِ، وكانَ يسمعُ عندما يقولُ كلمةً عَنْ عَلِيٍّ فيحفظها، وعندما يَشْهَدُ عليَّاً وهو يخوضُ غِمَارَ الموت في سبيل الدعوة بإيمانٍ وعقيدةٍ، فَتَنْسَابُ الشهادةُ مِنَ الرسولِ في حَقِّهِ، فَيَلْقَفُهَا عمّارٌ وِسَامَاً لا يعلوه وسامٌ.
وعليٌّ لمْ يكنْ أقلَّ مَعْرِفَةٍ بِعَمَّارٍ مِنْ غيره.. فقد مَلَئَ هذا الرجلُ المُجَاهِد الصابِر المُمْتَحَن قلبَه وإعْجابَه.. وليس بالغريب أنْ يُصْبِحَ أبو اليقظان مِنْ أصحابه أكثرَ قُرْبَاً، وأَشَدَّ الْتِصَاقَاً لعليٍّ، وصيِّ رسول الله، وإمام المسلمين..
واقتطعتْ السنون مِنْ أيّامِها حُلْوِهَا وَمُرِّهَا، خيرِها وشرِّها، وعمّارٌ في خِضَمِّهَا صَلْدَاً لا تَهُزُّهُ الأحداث، ولمْ تَجْرُفْهُ الإغراء، وإذا مَرَّتْ به أيّام محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صَعْبَةُ المِرَاس لاقى في سبيل الدعوة كلّ أنواعِ التعذيب والأذى، حتّى ذَكَرَ أنَّه: (كان يُعَذَّبُ حتّى لا يَدْرِي ما يقول). فإنّ أيّامَ عليٍّ (عليه السلام) لَمْ تَكُنْ أقلَّ مِنْهَا مِحْنَةً. مِنْ يَومِ أَنْ غَمِضَتْ فيه عينُ الرسولِ، حتّى يوم استشهد في ساحةِ صِفِّيْن. وكان مع هذا كلِّه يُمَثِّلُ الإنسانَ المُجَرِّبَ والفكر الوقّاد، والشخصيّة الفذَّة، لا تأخُذُهُ في الله لَوْمَةُ لائِمٍ.. وقد وقف فيها إلى جانِب إمامه؛ يفتح في نفسه أُفُقَاً رائِعاً لأَبْعَادِهِ الكريمة، ومِنْ فِكْرِهِ، رَأْيَاً صائِبَاً لِمَا تقتضيه مصلحةُ الإسلام..
إنّه امتحانٌ عسيرٌ تَمُرُّ به الصفوةُ الطيبة مِنْ هؤلاء الأَفْذَاذ، الذين اتخذوا مِنْ عليٍّ ـ بعد الرسول الأعظم ـ مدرسةً تُنِيْرُ لهم الطريقَ، وتُبَدِّدُ لهم حُلْكَةَ المسيرة..
وإذا زهدَ عليٌّ في هذه الدنيا، بحيث لم يُعْطِها مِنْ نفسه قُلامَةَ ظِفْرِهِ، فقد كان عمّارٌ على هذا الخطِّ، عندما وُلِّيَ الكوفة في عهد عمر بن الخطاب، سار فيها سَيْرَاً لنْ تَجِدَهُ إلاّ عند أمير المؤمنين (عليه السلام) مِنَ العدل، وإحقاق الحق، ومكافحةِ الباطلِ وعدم الاهتمام بِمَظْهَرِ الدنيا، حتّى يقول الراوي، وهو مِنْ أهل الكوفة: (رَأَيْتُ عَمَّارَ بن ياسر، وهو أَمِير الكوفة يشتري مِنْ قِثَّائِهَا، ثُمّ يربِطُهَا بِحَبْلٍ ويَحْمِلُهَا فوق ظهره، ويمضي بها إلى داره)!!!.
ولَمْ يَكُنْ عسيرٌ على عمّار أنْ يَتَجَبَّرَ وَيَتَكَبَّرَ، ويمشي خلفه الخَدَمُ والحَشَمُ في الكوفة وهو والي الكوفة، وأمير الجيش، ومُقَرِّبُ الخلفاء، لكنْ لَمْ يكنْ هذا أبداً.. فهو مِنْ مدرسةِ ذلك الإمام الذي يقول للدنيا غُرِّي غَيْرِي، أَمَّا هو فَفِيْ ذاتِ الله خَشِنٌ.. ويعملُ ويأكلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، ولا تَطْمَعُ نفسُهُ إلى بيضاء وصفراء..
وطلعتْ شمسٌ، وغَرُبَتْ شمسٌ، وعلى الشفاهِ أكثرُ مِنْ سُؤَال؟ مَتَى تَتَحَقَّقُ نبوءةُ الصادقِ الأمينِ، وهو﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى*﴾.
((وَيْحَ ابْنَ سُمَيَّة، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ)).
وتبقى هذه الكلمةُ الخالِدةُ في آذان المسلمين حَيَّةً، تنتظر اللحظةَ الحاسمة.. وعمّار قد ذَرَفَ على التسعين مِنْ عُمُرِهِ، أو تجاوزها بِقَلِيْلٍ. والأيّام حافلةٌ بالحوادث، وكلّ يومٍ له فيه حسابٌ.
ولكنّه يومٌ ولا كالأيّام، يَزْخَرُ بالأَحداث ويمطر بالمآسي.. فمعاوية بن أبي سفيان قد دفعتْه الغيرةُ المُفْتَعَلَةُ للأَخْذِ بِثْأرِ عثمان ولمْ تكنْ الحقيقةُ، إنّما هو التضليلُ للسُذَّجِ مِنَ الناس.
ولمْ يكنْ الواقعُ إلاّ ما قَالَهُ أبوه بالأمس، حينما تولَّى الخلافةَ عثمان، وَالْتَفَّ حوله مِنَ الأَمويين: يَخْضِمُونَ مالَ اللهِ خَضْمَ الإبِل، فَيَلْتَفِتُ أبو سفيان، وقد أرهقتْه السنون وأتْعَبَهُ الحقدُ، يقول لآله المجتمعين حول الخليفة: فوالّذي يَحْلِفُ به أبو سفيان لا جَنَّةَ ولا نَارَ، تلاقفوها يا بَنِي أُمَيَّة.
ومعاوية على هذا الأساس خطَّطَ، وفي هذا الضوء سار.. واليوم قد حان فيه الانقضاض، وعليٌّ بيده الخلافةُ، وهو يعلمُ أَنّ ابن أبي طالبٍ صَعْبُ المِرَاس لمْ يخضع للعاطِفَة، ولا يَنْقاد للمُقْتَضَيَات، والناس لا يسعدهم هذا اللون مِنَ المسيرة، فَلْيَقْتَطِفْ المناسبةَ، ويَسْتَغِلْ الفرصةَ، وَوَقْتَهَا حَانَ. وَلْيرفع شعارَ (يا لِثَأْر عثمان) وليكنْ مِنْ قميصه المُدْمَى ما يُعْلِنُ الحربَ ويُلْهِبُ الفتنةَ، ويُثِيْرُها عِجَاجَةً تأكلُ الأخضرَ واليابسَ. وفِعْلاً كانَ مَا أَرَاد..للحديث تتمة