يستغرب المتابع لشؤون الساحة المحلية (القروية) من إثارة قضايا لاطائل منها، ولافائدة ترجى من ورائها إلا ماتسببه من بلبلة وصخب فتضيع الجهود الكبيرة، والأفكار القيمة والقدرات العظيمة لأبناء قريتنا الحبيبة..
ومن هذه الإثارات التي لاأرى من داع لها.. ماتناقلته الساحة المحلية من أنباء منع (الشبيه) أو (التمثيل) في المواكب العزائية، التي اعتاد الناس على إقامتها منذ عرفنا الموكب بل قبل معرفتنا به، فهي تراث من الأجداد عن الأباء..
ولست هنا في مقام الدفاع عن كل مايتوارثه الناس من آبائهم وأجدادهم، فربما ورثوا منهم العدوات والأحقاد، وربما ورثوا عنهم الجهل والضلال.. أو أي أمر باطل لايرتضيه عقل ويرفضه الدين.
نعم، لست من المدافعين عن كل قديم، ولا ينبغي ذلك؛ فربما كان مصداقا لقوله تعالى: ﴿انا وجدنا اباءنا على امة وانا على اثارهم مهتدون﴾ ولكن!!
هل نفرط في كل قديم، ونأتي على كل تراث الآباء والأجداد فننسفه أو نتخلص منه؟
وهل نقبل أن ننسب آباءنا وأجدادنا إلى الخرافة والباطل في كثير مما لانسيغ أو نشتهي؟
إذن ماهي ضوابط القبول أو الرفض؟
وماهي الأسس التي نحكم من خلالها على أن أمرا معينا هو من الـ (خرافة) أو من الـ (باطل) الذي يجب أن نتوقف عنه، وأن نبادر إلى التخلص منه؟
ألا نتفق على أن العقل والشرع هما الحكم الفصل في ذلك..
فما قررته الشريعة وارتضته وعينت حكمه فإننا نلتزم بذلك الحكم، سواء وافق ذلك مزاجنا أو لم يوافقه..
وما جعله الشارع الحكيم في دائرة الإباحة والجواز.. فإننا نلتزم بإبقائه في دائرته الشرعية دون تجاوز أو تعد، سواء أأحببنا أن نفعل ذلك المباح، أو رغبنا أن نصفح عنه الوجه إلى غيره من الأمور، حسب ما يقودنا إليه العقل من خلال مايتوصل إليه من حساب المصالح والمفاسد، أو بناء على ماتدفعنا إليه نفوسنا من خلال ماترغب إليه أو تعرض عنه.
أما تطبيق هذه الضوابط على المسألة المثارة في الساحة المحلية (القروية)، فهو كالتالي:
هناك فتاوى من غير واحد من الفقهاء أعلى الله مقامهم، تنص على أن لابأس ولاإشكال في مراسم (الشبيه)، أو (التمثيل) إن لم تتضمن الأكاذيب والأباطيل، ولم تستلزم توهين مذهب الحق.
ولعمري، إن هذه المراسم لم تجلب تعييرا من أحد، ولم نسمع بمن يصمها بالباطل أو يصفها بالخرافة، فهي وسيلة تعبيرية لجلب المزيد من الحزن، واستدرار العواطف لدى المتابعين لهذه المواكب..
والحق، أن لها الكثير من الإيجابيات، وأنه يمكن أن يتم تطويرها لتحقق المزيد..
فهل نمتلك الشجاعة الكافية، والحس المرهف لنزيدها بهاء، ونجلو مايعترضها من سلبيات لتلاقي مقدارا أكبر من النجاح!؟
أما إذا كنا من المتخاذلين، أو من الكسالى، فإن العاقبة هي خسارة لكثير مما ساهم في تكوين شخصيات، وبناء نفسية أجيال وتنشئتها على الالتصاق بالموكب والحسينية.
فهل نعي وهل نتحرك!
ألا هل بلغت؟
اللهم فاشهد!.
اللهم فاشهد!.