همسة نورانية من سيرة و سنة الإامام محمد بن علي الجواد

الإمام التاسع محمد بن علي بن موسى الرضا

ولد في شهر رمضان أو شهر رجب سنة خمس وتسعين ومئة، وقبض سنة عشرين ومائتين في آخر ذي القعدة، وكانت مدة إمامته من بعد أبيه سبع عشرة سنة، وهو المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على الشيعة منه.

كنيته وألقابه

كنيته أبو جعفر، وأبو علي، ومن ألقابه: التقي، والمنتجب، والجواد، والمرتضى، والمختار، والمتوكل، والمتقي، والزكي، والقانع، والعالم.

مكارمه وكراماته

مكارمه وكراماته مسطورة في كتب الخاصة والعامة، نذكر بعضها:
منها: في الصحيح عن محمد بن حسان عن علي بن خالد، وكان زيديّاً، قال:
كنت في العسكر فبلغني أن هناك رجلاً محبوساً أتي به من ناحية الشام مكبولاً، وقالوا: إنه تنبّأ، قال عليّ:فداريت القوّادين والحجب، حتى وصلت إليه فإذا رجل له فهم.
فقلت له: يا هذا ما قصتك وما أمرك ؟ فقال لي: كنت رجلاً بالشام أعبد الله عند رأس الحسين بن علي بن أبي طالب فبينما أنا في عبادتي " إذ أنا " إذ أتاني شخص فقال قم بنا، قال فقمت معه، قال فبينما أنا معه في مسجد الكوفة، فقال لي: تعرف هذا المسجد ؟ قلت: نعم، هذا مسجد الكوفة قال: فصلى وصليت معه، فبينما أنا معه " إذ أنا " في مسجد المدينة قال: فصلى وصليت، وصلى على رسول الله ، ودعا له فبينما أنا معه إذ أنا بموضعي الذي كنت أعبد الله فيه بالشام. قال: ومضى الرجل. قال: فلما كان عام قابل في أيام الموسم إذا أنا به وفعل بي مثل فعلته الأولى، فلما فرغنا من مناسكنا وردني إلى الشام وهمَّ بمفارقتي قلت له: سألتك بحق الذي أقدرك على ما رأيت، إلاّ أخبرتني من أنت ؟ قال: فأطرق طويلاً ثم نظر إليَّ فقال: أنا محمد بن علي بن موسى.
فتراقى الخبر إلى محمد بن عبد الملك الزيّات، قال: فبعث إليَّ فأخذني وكبّلني في الحديد، وحملني إلى العراق وحبسني كما ترى.
قال قلت له: ارفع قصتك إلى محمد بن عبد الملك ؟ فقال: ومن لي يأتيه بالقصة ؟ قال: فأتيته بقرطاس ودواة فكتب قصته إلى محمد بن عبد الملك فذكر في قصته ما كان، قال: فوقع في القصة: قل للذي أخرجك في ليلة من الشام إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى المدينة، ومن المدينة إلى المكان أن يخرجك من حبسك.
قال علي: فغمّني أمره ورققت له، وأمرته بالعزاء، قال: ثم بكّرت عليه يوماً فإذا الجند، وصاحب الحرس، وصاحب السجن، وخلق عظيم، يتفحصون حاله قال فقلت: ما هذا ؟ قالوا: المحمول من الشام الذي تنبأ افتقد البارحة، لا ندري خسف به الأرض، أو اختطفه الطير في الهواء.
وكان علي بن خالد هذا زيدياً فقال بالإمامة بعد ذلك، وحسن اعتقاده ".

ومنها: ما رواه المفيد وعلي بن إبراهيم والطبرسي، ورواه العامة أيضاً باختلاف في الإجمال والتفصيل، وننقله من الاحتجاج:
عن الريّان بن شبيب قال: لما أراد المأمون أن يزوج ابنته أم الفضل أبا جعفر محمد بن علي بلغ ذلك العباسيين فغلظ ذلك عليهم، واستنكروه منه، وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرضا ، فخاضوا في ذلك واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه، فقالوا: ننشدك الله يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا فإنّا نخاف أن تخرج " يخرج " به عنا أمرا " أمر " قد ملّكناه الله عز وجل، تنزع " ينتزع " منا عزاً "عز" قد ألبسنا الله عز وجل، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك، من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت فكفانا الله المهم من ذلك، فالله الله أن تردنا إلى غم قد انحسر عنا، واصرف رأيك عن ابن الرضا واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.
فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم، وأما ما كان يفعله من قبلي بهم، فقد كان به قاطعاً للرحم، وأعوذ بالله من ذلك، ووالله ما ندمت على ما كان مني من استخلاف الرضا ولقد سألته أن يقوم بالأمر وأنزعه عن "من" نفسي فأبى، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
وأما أبو جعفر محمد بن علي فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل، مع صغر سنه، والأعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه، فيعلموا أن الرأي ما رأيت.
فقالوا: إن هذا الفتى وإن راقك منه هديه فإنه صبي لا معرفة له ولا فقه، فأمهله ليتأدّب ثم اصنع ما تراه بعد ذلك،فقال لهم: ويحكم إني أعرف بهذا الفتى منكم، وإن هذا من أهل بيت علمهم من الله تعالى وموادّه وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت لكم من حاله.
قالوا: قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخلِّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة، فإن أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين فيه، وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه فقال لهم المأمون: شأنكم وذلك متى أردتم.
فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم، وهو يومئذ قاضي الزمان، على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوماً للاجتماع، فأجابهم إلى ذلك.
فاجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه وحضر معهم يحيى بن أكثم، وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست ويجعل له فيه مسورتان ففعل ذلك، وخرج أبو جعفر وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر فجلس بين المسورتين، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر .
فقال يحيى بن أكثم للمأمون: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر عن مسألة ؟ فقال المأمون: استأذنه في ذلك فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة ؟ فقال أبو جعفر : سل إن شئت.
قال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيداً ؟
فقال أبو جعفر : قتله في حل، أو حرم، عالماً كان المحرم، أو جاهلاً، قتله عمداً أو خطأً، حراً كان المحرم أم عبداً، صغيراً كان أم كبيراً، مبتدئاً بالقتل أو معيداً، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد أم من كبارها، مصرّاً على ما فعل أو نادماً، في الليل كان قتله للصيد أم في النهار، محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً ؟
فتحيّر يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع ولجلج، حتى عرف جماعة أهل المجلس عجزه.
فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثم نظر إلى أهل بيته فقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه ؟ ثم أقبل على أبي جعفر فقال له: أتخطب يا أبا جعفر ؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: أخطب لنفسك جعلت فداك فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوِّجك أم الفضل ابنتي، وإن رغم أنوف قوم لذلك.
فقال أبو جعفر : الحمد لله إقراراً بنعمته، ولا إله إلا الله إخلاصاً لوحدانيته وصل الله على محمد سيد بريّته، والأصفياء من عترته.
أما بعد فقد كان من فضل الله على الأنام، أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: ( وَ أَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُواْ فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ).
ثم إن محمد بن علي بن موسى يخطب أم الفضل بنت عبد الله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد وهو خمسمائة درهم جياداً، فهل زوّجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور ؟
قال المأمون: نعم، قد زوّجتك يا أبا جعفر أم الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح ؟ قال أبو جعفر : نعم قد قبلت ذلك ورضيت به.
فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم من الخاصة والعامة.
قال الريّان: ولم نلبث أن سمعنا أصواتاً تشبه أصوات الملاّحين في محاوراتهم فإذا الخدم يجرون سفينة مصنوعة من فضة تُشدّ بالحبال من الإبريسم على عجل مملوة من الغالية، فأمر المأمون أن تخضب لحاء الخاصة من تلك الغالية ثم مدت إلى دار العامة فتطيبوا منها، ووضعت الموائد فأكل الناس، وخرجت الجوائز إلى كل قوم على قدرهم.
فلما تفرّق الناس وبقي من الخاصة من بقي، قال المأمون لأبي جعفر : إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه "الذي" فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم لنعلمه ونستفيده.
فقال أبو جعفر : نعم، إن المحرم إذا قتل صيداً في الحل وكان الصيد من ذوات الطير، وكان من كبارها، فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإذا قتل فرخاً في الحل فعليه حمل قد فطم من اللبن، فإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، فإذا كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة،وإن كان قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة.
وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه، وكان إحرامه بالحج نحره بمنى، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكة.
وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه المأثم وهو موضوع عنه في الخطأ.
والكفارة على الحر في نفسه، وعلى السيد في عبده، والصغير لا كفارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة، والمصّر يجب عليه العقاب في الآخرة.
فقال له المأمون: أحسنت يا أبا جعفر أحسن الله إليك، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك فقال أبو جعفر ليحيى: أسألك ؟
قال: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه و إلاّ استفدته منك.
فقال له أبو جعفر : أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار حلّت له، فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلّت له، فلما غربت الشمس حرمت عليه، فلما دخل وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلما كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلما طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة وبماذا حلّت له وحرمت عليه ؟
فقال له يحيى بن أكثم: لا والله لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه.
فقال أبو جعفر : هذه أمَة لرجل من الناس، نظر إليها أجنبي في أول النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلما كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر تزوجها فحلّت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلما كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلما كان في نصف الليل طلّقها تطليقة واحدة فحرمت عليه، فلما كان عند الفجر راجعها فحلّت له.
قال: فأقبل المأمون على من حضر من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم من يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب، أو يعرف القول فيما تقدم من السؤال ؟
قالوا: لا والله، إن أمير المؤمنين أعلم بما رأى، فقال: ويحكم إن أهل هذا البيت خصّوا من الخلق بما ترون من الفضل، وإن صغر السن فيهم لا يمنعهم من الكمال... ".

حكمه ومواعظه

ومن حكمه ومواعظه :

• " كيف يضيع من الله كافله، وكيف ينجو من الله طالبه، ومن انقطع إلى غير الله وكله الله إليه، ومن عمل على غير علم كان ما أفسد أكثر مما يصلح ".

الضياع إما من جهل الكفيل وإما من عجزه وإما من سفاهته، فلا ضياع إذا كان الكفيل عالماً قادراً حكيماً، فكيف يضيع من الله كافله.
ونجاة المطلوب إنما تكون من الطالب الذي يمكن الفرار منه، وكيف يمكن الفرار ممن هو معكم أينما كنتم، لا بمعيّة مكانية، بل بمعيّة قيومية، وليس الفرار منه إلاّ إليه، فكيف ينجو من الله طالبه ؟
إنّ من انقطع إلى غير الله يطلب بانقطاعه إليه التوكل عليه، فإذا وكله الله إليه أجاب دعوته، ولم يرد طلبته، سبحان من هو جواد في كل ما يفعل بالعباد، فمن انقطع إلى غير الله وكله الله إليه إجابةً لدعوته.
كل عمل من كل عامل سواء أكان للدنيا أو للآخرة، وكان للفرد أو المجتمع لابد أن يكون عن علم، والعلم هو الذي لا يحتمل الخلاف، و إلاّ كان العمل عن جهل حتى لو كان عن ظن، فإن الظن لا يُغني من الحق شيئاً، فيكون لا محالة ما يفسده أكثر مما يصلحه.

• وقال : " من أطاع هواه أعطى عدوه مناه ".

إن الهوى يهوي بمن اتبعه إلى مهالك الدنيا والآخرة، ويحجب العقل عن إدراك الحسن والقبح، والخير والشر، فيصدّه عن الحق، فيضل عن سبيل الله، وماذا بعد الحق إلاّ الضلال؟! قال الله تعالى: ( وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) فأعدى عدوك هي نفسك التي بين جنبيك، فمن أطاع هواه فقد أعطى عدوه مُناه.

• وقال : " قد عاداك من ستر عنك الرشد إتباعاً لما تهواه ".
• وقال : " إيّاك ومصاحبة الشرير، فإنه كالسيف المسلول يحسن منظره، ويقبح أثره ".

إن أصحاب النفوس الشريرة يخفون شرهم وراء القول والعمل الكاذب، ويظهر شرهم عندما يصدر منهم، كما يظهر أثر السيف المسلول إذا ضرب به.

• وقال : " من لم يعرف الموارد أعيته المصادر ".

جمع عليه السلام في هذه الجملة ما يوجب السعادة والشقاء، فإن من لم يعرف ما يرد عليه من قول وعمل، لا يعلم المصالح والمفاسد، والمضار والمنافع التي تصدر من الموارد، كمن يمشي في ظلمات لا يدري ما يضع قدمه عليه، وأما من عرف الموارد فهو على بصيرة واستعداد للمصادر.

• وقال : " لا تكن وليا لله في العلانية، عدواً له في السر ".

فإن من أصلح ظاهره عند الخلق وأفسد باطنه عند الخالق، فقد عظّم الخلق وحقّر الخالق، وهو أسوأ حالاً ممن كان عدواً لله في السر والعلانية، فإنه قد أمن الناس من نفاقه.

• وقال : " عز المؤمن في غناه عن الناس ".

إن الاستغناء عن الناس والافتقار إلى الله عز وجل شرف الدنيا والآخرة.

• وقال : " القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح ".

من عرف منزلة النفس من البدن، ومرتبة القصد من العمل، أدرك معنى قوله عليه السلام.

• وقال : " الثقة بالله ثمن لكل غال، وسُلّم إلى كل عال ".

إن الإنسان مفطور على حب الكمال، فهمّته تحصيل ما هو غال، والوصول إلى ما هو عال، والطبقة النازلة من الناس اعتمادهم على المال والمنال، والطبقة المتوسطة ثقتهم بقوة نفوسهم لما يرونه من قدرتها العجيبة إذا جمعت قواها، فهم يرون أن العقد العضال تنحل بإرادتها القوية بالرياضة، وأنه بهمم الرجال تزول الجبال.
وأما الطبقة العالية فترى أن قدرة ما ومن هو غير الله كلها محدودة وبالعرض، والمحدود لا يتجاوز عن حده، وما هو بالعرض مقهور لما هو بالذات، فليس الثمن لكل غال والسلم إلى كل عال إلاّ الثقة بالله المتعال.


ملحوظة : هذا المقال مأخوذ من كتاب (مقدمة في أصول الدين ) من تأليف سماحة آية الله العظمى الشيخ حسين الوحيد الخراساني ( دام ظله على رؤوس المسلمين والمؤمنين