مشاهدة الموضوع الأصلي: ورقة الأستاذعبد الهادي الخواجه
ديوان الثقافة » الدواوين العامة » الديوان العام
روح الاحزان
اعداد: عبدالهادي الخواجة
user posted image

مدير مركز البحرين لحقوق الانسان
بعد استعراض الاحصائيات والحقائق التي تضمنها تقرير مركز البحرين لحقوق الانسان وخصوصا المتعلقة بالامتيازات التي يتمتع بها الافراد المنتمين الى عائلة آل خليفة... وباعتماد التقارير والاوراق السابقة التي تم تقديمها في موضوع التمييز ومدى تطبيق الاتفاقية الدولية المتعلقة به... تأتي هذه الدراسة لتناول بعض الحقائق والمقدمات المتعلقة بالامتيازات والتمييز في البحرين، وصولا الى مجموعة من الاستنتاجات، مع تقديم مجموعة من التوصيات والحلول. ملاحظة هامة: لقد اعتمدت في الجانب التاريخي من هذه الدراسة على بحث ميداني رصين اعده الدكتور.فؤاد اسحاق الخوري خلال الدراسة الميدانية التي قام بها في البحرين سنة 1974- 1975 ونشرها عام 1983في كتاب بأسم القبيلة والدولة في البحرين.




في عام 1783 اي قبل حوالي 220 عام قامت قبيلة آل خليفة بغزو جزر البحرين قادمة من منطقة الزبارة في شبه الجزيرة العربية، وبعد سنوات من المعارك الخارجية والداخلية وبالتعاون مع قبائل اخرى وبعض السكان المحليين تمت لهم السيطرة الكاملة على الجزر.

ابتداء من عام 1820 ثم لاحقا في الاعوام 1880 و 1892 دخل آل خليفة في معاهدات مع البريطانيين ادت الى توطيد السيطرة الداخلية لصالح آل خليفة، وتحويل البحرين الى محمية بريطانية.وفي بداية العشرينات من القرن الماضي، اي قبل حوالي ثمانين عام، استفاد البريطانيون من حالةالاضطراب الداخلي، وخصوصا بين الحكم والشيعة، لفرض الاصلاح الاداري الذي ادى الى مركزية الحكم وانشاء البلديات والمحاكم، وانهاء نظام المجالس القبلية ونظام الاقطاع والسخرة والفداوية. وهكذا تحول نظام حكم القبيلة قبل الاصلاح الاداري الى نظام حكم قبلي تتداخل فيه مصالح ونفوذ القبيلة مع النظام البيروقراطي ومصالح المجتمع، الامر الذي عزز سلطان ونفوذ العائلة الحاكمة .* كما يقول الدكتور الخوري

وقد "أمن التنظيم البيروقراطي للحكم وسائل حديثة وأكثر فعالية لحفظ الامن والسيطرة، كالشرطة والبوليس والجيش وقوات الشغب، كما أمن له مجالات جديدة كالمناصب الحكومية والمخصصات المالية وغيرها من المكاسب والمنافع لتوزيعها ضمن العائلة على اساس التناسب"وكما ساعدت العائدات النفطية التي جاءت بعد ذلك على تنمية الخدمات العامة في التربية والصحة والضمان الاجتماعي، وساهمت في رفع المستويات المعيشية..، كذلك خلقت هذه العائدات فروقات واضحة بين مختلف الفئات والطبقات، فزادت بالتالي الشعور الجماعي بالغبن واللامبالاة.وفي بداية السبعينات، ادى انسحاب القوات البريطانية من المنطقة، ومطالبات ايران بضم البحرين، وظروف الاضطراب الداخلي والخارجي. الى اعلان البحرين دولة مستقلة، واقرار دستور يشرع لنظام وراثي برلماني. ولكن سرعان ما تم تجميد المشاركة الشعبية بعد عامين من البدئ فيها، بسبب اصطدام قوى المعارضة في المجلس الوطني مع الحكومة التي تسيطر عليها العائلة الحاكمة.وفي التسعينات، وبعد المتغيرات العالمية والاقليمية، وبعد سنوات من الاضطرابات الداخلية التي بدأت عام 1994، ومع تولي الشيخ حمد بن عيسى الحكم في مارس 1999، تم الاعلان عن بدئ الاصلاح السياسي عبر التصويت الشعبي على الميثاق الوطني، واقر نظام الحكم دستورا جديدا يشرع لنظام ملكي برلماني بمشاركة شعبية تقل عن ما كان في دستور 1973. وفي الدستور الجديد يتمتع الملك بسلطات واسعة منها تعيين الحكومة وكبار موظفي الدولة، وتعيين اعضاء المحكمة الدستورية والمجلس الاعلى للقضاء، وتعيين نصف اعضاء المجلس الوطني، والمشاركة مع المجلس الوطني في التشريع.

روح الاحزان
ملفات الامتيازات والتمييز وخلفياتها التاريخية:

أولا: التمييز والامتيازات في التوظيف:

"شهدت الوظائف والدوائر التي أنشئت في البحرين تغيرات عديدة، ولكن الأسس الاجتماعية للتوظيف كانت دائما ومازالت، تخضع لبعض المبادئ الاجتماعية التي لم تتغير بسهولة. فكانت ومازالت العائلة الحاكمة تسيطر على جميع الوظائف التي ترتبط مباشرة باستعمال القوة الفعلي، أو بالتهديد باستعمالها كصيانة النظام والقانون وتوجيه السياسة المحلية والدولية، أو تلك الوظائف التي ترتبط باعادة توزيع الثروة والضمان الاجتماعي. وتشمل هذه الوظائف الشرطة والجيش والقوات الخاصة ووزارة العدل والداخلية والخارجية ودوائر الهجرة ... والجدير بالتأكيد هو أن هذا التنظيم .. قد يتغير حسب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المستجدة وحسب الأهمية السياسية للوزارة أو الدائرة المختصة. ففي اللحظة التي يصبح لدائرة أو لوزارة ما أهمية خاصة في ميزان القوى المحلية، في تلك اللحظة بالذات، تحال هذه الدائرة أو الوزارة الى اشراف آل خليفة المباشر"

"تدور سياسة التميز في المجتمع البحريني حول مؤسسات الحكم والدولة، اذ نجد ان آل خليفة وحلفائهم يتمركزون في الوظائف الرسمية المتعلقة بالامن والدفاع والنظام والعدل والقانون. ومما يجب التأكيد عليه ان اتباع هذه السياسة في (التمييز) لا ينعكس تلقائيا على التدرج في الانجازات الاقتصادية والتربوية، ..فالواقع ان الفريق المفضل في التوظيف الرسمي هم السنة القبليون أقل الفئات انجازا في التحصيل العلمي والمدخول.."*
الاستحواذ على الاراضي والمخصصات المالية :

"ان عملية تسلط ال خليفة على الاراضي..حصلت تدريجيا عبر مرحلة زمنية طويلة المدى بدأت في مطلع القرن التاسع عشر وانتهت في الثلاثينات من القرن العشرين بعد اكتمال مسح الاراضي وتحديد ملكيتها"* . و"من البديهي ان آل خليفة لم يمتلكوا الارض في البحرين قبل فتحهم لها، وتشير الادلة ان ملكيتهم تمت تدريجيا بعد الفتح. ويقول البعض منهم انهم صادروا ممتلكات معارضيهم وابقوا ممتلكات مناصريهم من الشيعة"

وكان آل خليفة قد وزعوا اراضي السكان المحليين الى مقاطعات يحكمونها، " وان عددا من المقاطعات التي حكمها وادار شئونها في تلك الفترة اقرباء آل خليفة البعيدون وحلفاؤهم انتقلت في الوقت الحاضر الى ملكيات خاصة بأبناء وأحفاد تلك العائلات"* اما بالنسبة لاملاك آل خليفة فكانت كناية عن (اعلان هبات) صادرة عن الشيخ عيسى (الحاكم في ذلك الوقت) للابناء والاحفاد والاخوة وغيرهم من ذوي القربى"

وتظهر الاحصاءات المأخوذة من سجلات الملكية ان اعلى نسبة امتلكتها العائلة الخليفية هي في بساتين النخيل بمعدل 23% من مجموع البساتين..وان البعض خاف ان يكون المسح الشامل مقدمة لاستيلاء آل خليفة على الاراضي كلها، فسكت عن حقوقه المشروعة. وعجز بعضهم الآخر عن تقديم المستندات الضرورية لاثبات الملكية، فبقيت ملكا للحكومة التي عمدت الى توزيعها كهبات على الاقرباء أو بيعها لهم بثمن رمزي. .. اما العقارات المؤجرة للتجار في الاسواق والتي لم يطالب بها أحد من افراد العائلة الحاكمة، فقد وضعت تحت تصرف محكمة العائلة واضيف ريعها الى الى ميزانية العائلة. وتألفت ميزانية العائلة الخليفية من من دخل ايجارات هذه العقارات ومن ثلث مدخول النفط في البلاد (خفض في السبعينات الى السدس) فبلغت في عام 1974 15 مليون دولار اميركي"

و"كان من ابرز نتائج الانتقال من النظام الاقطاعي الى نظام السلطة المركزية ، ان اصبح عدد كبير من صغار شيوخ آل خليفة عاطلين عن العمل ..ففي النظام الاقطاعي كانوا يستفيدون من مرتبتهم الاجتماعية (بسبب انتمائهم للعائلة الحاكمة ) لكسب لقمة العيش، اما في النظام الجديد فلم يتسن لهم ذلك خصوصا وأن معظمهم كانوا من الاميين الذين لا يقرأون ولا يكتبون...ولذلك رصدت الميزانية العامة سنة 1923 مبلغ 30 الف روبية كمخصصات لآل خليفة..وفي عام 1930 خصص للعائلة الحاكمة 50% من المدخول العام الذي بلغ حوالي مليون روبية، وظل مبدأ اعطاء المخصصات معمول به..حتى يومنا هذا"*
اجهزة الأمن والشرطة والدفاع:

ان النظام السياسي الاجتماعي القائم على الامتيازات والتمييز وسوء توزيع الثروات، يكون عرضة بشكل دائم للاضطراب الامني، ولذلك تسعى الفئة المستفيدة من استمرار هذا النظام الى تأمين الامتيازات وادامة النفوذ، عبر بناء قوة امنية لحماية نفسها من بقية الفئات. ومن الطبيعي ان تقوم هذه المؤسسات على اساس السيطرة الكاملة لتلك الفئات على المناصب العليا في الجيش والشرطة، والاعتماد في المناصب الدنيا على الفئات ذات الولاء السياسي، والاجانب من اصول واعراق مضمونة الولاء. ولذلك نجد بان مؤسسة الجيش والحرس اوطني تمتنع عن توظيف الشيعة وتجلب بدلا منهم ابناء القبائل من الاردن واليمن وسوريا.

"في عام 1924 تم تجنيد فيلق مؤلف من مئة عنصر بلوشي جلبوا من مسقط ووضعوا تحت قيادة ضابط بريطاني..وبعد تكرار حوادث الشغب من البلوش حلت الحكومة الفيلق واعادت افراده الى مسقط، واستعاضت عنهم بقوة جديدة مؤلفة من 54 بنجابيا من قوات الجيش الهندي، ولكنهم لا يتكلمون العربية مما جعلهم يفشلون في فرض هيبة القانون.. وبعد تأسيس قوة الشرطة في عام 1932 استمرت السلطة تمارس سياسة تجنيد الاقليات في قوة البوليس، فاعطت الافضلية في الثلاثينات والاربعينات لذوي الاصول الافريقية.. وكان البحرينيون يشكلون حوالي 20% من مجموع القوة التي كان يبلغ عددها انذاك حوالي الف رجل. وكان الباقي من البلوش واليمنيين والعمانيين والباكستانيين والعراقيين وغيرهم. وبدأت هذه النسبة تتغير بعد الاستقلال لصالح رعايا البحرين.. واظهر المسح ان معظم البحرينيين الذين دخلوا قوة الشرطة ينتمون الى العائلات السنية العربية الاصل.."*

" في الخمسينات نبه التحرك الشعبي الحكومة الى عجز قوى الامن عن القيام بمهامها، فتشكلت في عام 1955 قوة خاصة مستقلة تماما عن شرطة الامن الداخلي، اسمها فرقة الشغب، التي يتألف افرادها من حلفاء آل خليفة القبليين في شبه الجزيرة العربية. وتألفت هذه القوة من حوالي 200 عنصر، واشتهرت بقسوتها في مواجهة أعمال الشغب اذ انها لا تنتمي اجتماعيا الى اية مجموعة من المجموعات التي تعيش في البحرين.* وقد تم تطوير هذه القوة وتحويلها الى الحرس الوطني بقيادة الشيخ محمد بم عيسى شقيق الملك.

اما قوة الدفاع ".. فقد تأسس عام 1968 عندما اعلنت بريطانيا عزمها على الانسحاب من البحرين ، وتشكل بأغلبيته من التجمعات القبلية البحرينية او من ذوي الاصول القبليية، وينتمي أكثر الضباط اما الى العائلة الحاكمة او الى حلفائهم القبليين في البحرين من أمثال آل مسلم من الحد، وآل الغتم من الزلاق، وآل نعيم من الرفاع وانحصر استخدام سكان المدن والفلاحين في الاعمال الادارية غير القتالية"

الى جانب تلك القوى فقد تم الاعتماد على جهاز مخابرات متطور اتهم بالقيام باعمال القمع والتعذيب بشكل كبير. ورغم الانفراج الامني الذي حدث مؤخرا الا ان الهاجس الامني لا زال مسيطرا، حيث تقاوم القوى المتنفذة أي تغيير في القوانين التي تقيد الحريات وتعاقب على ممارستها، كما ان المؤسسات الامنية لا زالت نفسها قائمة دون تغيير رغم مسؤوليتها ولفترة طويلة عن سجل كبير من انتهاكات حقوق الانسان، الى حد ان دعاوى المتعلقة بالسجن وتعذيب بلغت حوالي سبعة الآف، وحالات الابعاد طالت أكثر من ثلاثمائة عائلة، وقتل أكثر من خمس وثلاثين من المواطنين سواء داخل السجون أو أو اثتاءقمع اعمال الاحتجاج.

روح الاحزان
سياسة التمييز في منح الجنسية:

رغم وجود قانون للجنسية، فمن ناحية التطبيق العملي فان الجنسية يتم منحها بناء على الواسطة والولاء السياسي. وقد لعب الاصل العرقي والانتماء الطائفي دورا اساسيا في حرمان الآلاف من المواطنين من اصل فارسي من الحصول على الجنسية رغم وجودهم في البحرين لفترات تتعدى الفترة المحددة قانونيا. كما استخدمت السلطات منح الجنسية والغائها كوسيلة لتهديد أو معاقبة المخالفين لها. وفي المقابل عمدت الحكومة - وبشكل غير معلن ومخالف للفترة المحددة في القانون - الى منح الجنسية خلال التسعينات لآلاف العرب من اصول قبلية ممن جلبتهم للعمل في قوات الدفاع والامن. كما تم منح الجنسية لعدة آلاف من ذوي الاصول القبلية السعودين غير المقيمين اساسا في البحرين.





الفساد الاداري والمالي، وسوء استخدام السلطة:

لقد ادت الامتيازات وتزايد النفوذ مع غياب المساءلة الادارية والقانونية، يضاف الى ذلك احيانا ضعف الكفاءة والاهمال، الى انتشار المحسوبية وانتشار الفساد المالي والاداري وخصوصا في المستويات الحكومية العليا والقطاعات المهمة، ومن مظاهر ذلك:
• الجمع بين المنصب الحكومي وبين النشاط التجاري والمالي بشكل مخالف للدستور
• الواسطة والمحسوبية في التوظيف في الدولة، والتمييز في اعطاء التسهيلات التجارية وتقديم الخدمات العامة
• الاستفادة من النفوذ والمناصب في فرض الشراكة في الارباح أو العمولات الكبيرة على المشاريع والاستثمارات في القطاع الخاص
• السيطرة على المشاريع الاستثمارية والشركات الخاصة التابعة للدولة كليا أو جزئيا
• البقاء في السلطة لفترات طويلة مما يكرس الشخصانية والنفوذ ويمنع التطوير
مقاومة التحول نحو الديمقراطية والتمثيل الشعبي الحقيقي:

يتشاءم الدكتور فؤاد خوري في امكانية تعايش النظام القبلي مع الديمقراطية ويقول: "ان الانتخاب كوسيلة من وسائل التمثيل الشعبي كان ومنذ انتخابات المنامة عام 1920 وحتى انتخابات المجلس الوطني عام 1973مشكلة من المشكلات الاساسية في البحرين ..ان البحرين جربت عدة انواع من الممارسة الانتخابية وباءت كلها بالفشل"* ويقول: "ان تجربة البحرين اثبتت بأن القبيلة في الحكم قد تتبنى الكثير من الامور التحديثية..ولكنها ترفض التحديث السياسي كالتمثيل الشعبي .. وهي أذ تفعل ذلك تحافظ على ذاتيتها كتحزب سياسي يخدم مصالحه.."




نتائج استنتاجات:

اذن فرغم التحولات الادارية والاجتماعية والاقتصادية في داخل البحرين وخارجها منذ السبعينيات، الا ان هناك مجموعة من افراد عائلة آل خليفة والتي كانت ولاتزال في موقع القرار منذ أكثر من ثلاثين عاما، قد عملت على
• مراكمة الامتيازات والنفوذ وتكريس ثقافة التفوق
• ومضاعفة النفوذ في الادارة التنفيذية والقضاء والاجهزة الامنية
• الاستحواذ على جزء هام من الاموال والاراضي العامة
• السيطرة على الاقتصاد في قطاعيه العام والخاص
• الفساد الاداري والمالي مقاومة الاصلاح الاداري
• الامعان في ممارسة التمييز العرقي والطائفي
• اعتماد سياسة الاستبداد والقمع تجاه المعارضين
• استغلال السلطة في منح الجنسية لاعداد كبيرة من غير مستحقيها، وحرمان المستحقين
• مقاومة التحول نحو الديمقراطية والتمثيل الشعبي الحقيقي
• الفشل في توزيع الثروة مما أدى الى تراكم الفقر والعطالة وتدني الخدمات



الامتيازات كسبب لاستفحال التمييز وديمومة الاضطراب الاجتماعي والامني:

ادى النظام القائم على الامتيازات لصالح فئات محددة، وسوء استفادة هذه الفئات من تلك الامتيازات الى تهميش سياسي واقتصادي للفئات الاخرى وخصوصا المختلفة طائفييا وعرقيا. فنتجة لاستمرار ذلك النظام السياسي الطائفي لفترة طويلة فقد سادت ثقافة التفوق. وعندما تقتنع فئة من الناس بالتفوق وتكون ممسكة بالسلطة فانها ليس فقط تعطي لنفسها حق الاستئثار بالسلطة والثروات، وعدم الخضوع للقانون العام، ومحاسبة المخالفين ومعاقبتهم، وانما تتشكل لديها نظرة التعالي على ثقافات الفئات الاخرى. ويكون النتيجة اطلاق العنان لسيطرة افكار هذه الفئة ومذهبها الطائفي على مناهج التعليم ووسائل الاعلام كما هو حادث فعلا في البحرين. بل يتم الترويج لافكار عنصرية معينة مثل ان سبب تهميش بعض الفئات وانتشار الفقر بينهم وعدم وصولهم للمناصب العليا هو اصلهم العرقي أو انتمائهم الطائفي. وربما صدقت اجيال اللاحقة من الفئات المغلوبة ذلك الاعتقاد وساهم ذلك في تهميشها، مما ينتج لدينا مجتمع تمايز عنصري. واذا اضفنا لذلك التفاوت الاقتصادي وانتشار الفقر والبطالة بين تلك الفئات المهمشة يكون لدينا مجتمع قلق مريض متعارض متضارب المصالح، بدلا من مجتمع متسامح متعدد الثقافات. وهذا يفسح الطريق لبروز الاضطراب الامني والاجتماعي بين الفينة والاخرى.


روح الاحزان
طبيعة النظام السياسي الذي يحكم البحرين حاليا:

يقر دستور 1973 وكذلك دستور 2002 الحالي بأن نظام الحكم في البحرين دستوري وراثي ينتقل من الحاكم الاب الى ابنه الاكبر، ولكنه يقر ايضا بأن نظام الحكم ديمقراطي السيادة فيه للشعب مصدر السلطات جميعا. وبأن للمواطنين حق المشاركة في الشئون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق الانتخاب والترشيح.

ورغم ان الدستور لا ينص على اي امتيازات أو تفضيل لافراد عائلة آل خليفة الحاكمة فيما عدا الملك وولي عهده، الا انه وفي الواقع العملي، ومن خلال الحقائق والاحصائيات التي وردت في تقرير مركز البحرين لحقوق الانسان، فأن النظام لا يزال مؤسسة قبلية تسيطر عليها عائلة آل خليفة بشكل محكم، وتتمتع فيها بامتيازات كبيرة.


مالذي تغير في الفترة الحالية؟: الامتيازات والتمييز في العهد الجديد:

اثمرت الاحداث الداخلية والمتغيرات الخارجية ووصول الشيخ حمد بن عيسى الى السلطة في تحقيق تغييرات هامة في اوضاع حقوق الانسان والتي تمثلت باطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين، وعودة المنفيين، والسماح بهامش كبير من حرية التعبير وانشاء الجمعيات. كما تم اجراء انتخابات بلدية ونيابية احدثت حراكا سياسيا كبيرا.

الا ان التحول الديمقراطي لقى عقبة اساسية تمثلت في التغييرات الدستورية التي قللت من مستوى المشاركة الشعبية، وصلاحيات مجلس النواب. مما يعكس ترجيح كفة الجهة المسيطرة على الحكومة، ونجاحها بفرض واقمع دستوري جديد كشرط للسماح باجراء انتخابات نيابية.كما اخفقت الجهود حتى الآن في اصلاح التشريعات والقوانين المقيدة للحريات وحقوق الانسان. مثل قانون العقوبات وقانوني الجمعيات والصحافة. ولم يتم احداث اية تغييرات تذكر في المؤسسات الامنية والمسؤولة عن انفاذ القانون.

ولم تنعكس التغييرات في شكل اصلاح اداري أو قضائي حقيقي، حيث استمرت مؤسسات السلطة التنفيذية على حالها، واستمر اصحاب النفوذ المسيطرين على المؤسسات التنفيذية والقضائية في مواقعهم. بل اخذوا مواقع في المؤسسات الجديدة. وساهمموا في اختيار اعضاء مجلس الشورى الذي عينهم الملك ليشاركوا مجلس النواب في صلاحياته.

وفيما يخص الامتيازات: فلا تزال المناصب الرئيسية والحساسة حكرا على افراد من آلخليفة، ومن خلال استعراض المراسيم التي صدرت في العهد الجديد خلال السنوات الثلاث الاخيرة يتبين ان هناك ارتفاع في تعيين افراد من آل خليفة في مناصب عامة عليا. ولا يزال النظام يحجب المعلومات المتعلقة بحجم الاموال التي يتم اقتطاعها من الميزانية العامة كمخصصات شهرية ومصاريف للمئات من افراد العائلة. ويتساءل المواطنون عن من يمتلك المساحات الشاسعة من الاراضي التي تم ردمها من البحر ويتم حاليا بيعها للاستثمار الخارجي بمرسوم ملكي.

وبخصوص التمييز، فلا تزال بعض المناصب والمؤسسات محرمة على فئات معينة، مثل الدفاع والداخلية والحرس الوطني، ويبين تقرير مركز البحرين لحقوق الانسان كيف ان التمييز في التوظيف لا زال يمارس بشكل واسع حتى في مؤسسات مثل النيابة العامة ومجلسي الشورى والنواب، وهي مؤسسات حديثة الانشاء. وان التمييز لا يزال يطبق في منح الجنسية وفي توزيع المناطق الانتخابية.

اما فيما يتعلق بالاداء الاداري فرغم انشاء ديوان الرقابة المالية، ورغم الاعلان عن نظام خاص للمناقصات، فلا يزال الناس يتحدثون عن استشراء الفساد المالي والاداريي، وعدم وجود اية جهة قادرة على كشف حقائق ذلك، فضلا عن محاسبة القائمين به، لان النفوذ والسيطرة لا زالت لمن هم متورطين في تلك المفاسد. وعلى رأسهم اعضاء بمجلس الوزراء

استنتاج أخير

ان الفئة في المسيطرة على الحكومة التي اصطدمت بالمجلس المنتخب عام 1975 مما ادى الى حله، هي نفسها الفئة المسؤلة عن جميع الانتهاكات والمخالفات والفساد الاداري والمالي والتجنيس السياسي منذ ذلك الحين وحتى الآن. ومن غير المنطقي أن نتوقع بأن هذه الفئة ستسمح بمزيد من الديمقراطية والمراقية والمحاسبة ما دامت في موقع القرار. ولذلك فقد آن الأوان لاجراء تغيير شامل واساسي في السلطة التنفيذية بدءا بمجلس الوزراء. وهو قرار صعب وبحاجة الى تعاضد كل قوى التغيير في السلطة والمجتمع، لان عدم اجراء تلك التغييرات ستوصل المشروع الاصلاحي الى طريق مسدود مما سيعدنا الى المربع الاول من الاضطراب السياسي والاجتماع
التوصيات:

1. اعطاء المجلس الوطني سلطات حقيقية في التشريع والرقابة ليقوم بدور حقيقي في تحقيق المشاركة السياسية للشعب، وليحقق التوازن مع السلطة التنفيذية
2. السماح بتشكيل احزاب سياسية تمثل قوى المجتمع وتفعيل العملية الديمقراطية بشكل حقيقي، مما ينجح دور البرلمان، ويمنع تحول الاحتقان الاجتماعي والسياسي الى اعمال اضطراب وعنف خارج التنظيم والسيطرة.
3. ايجاد تشريعات فاعلة تستأصل الامتيازات، وتعاقب على ممارسات التمييز
4. تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في مكافحة التمييز وذلك بأن يدخل ذلك كهدف ضمن برامج المؤسسات والجمعيات بمختلف انواعها، مع تشكيل اطر ومنظمات غير حكومية تعمل بذلك الاتجاه بشكل حثيث
5. العمل على تطبيق وتفعيل الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز العنصري سواء من قبل السلطات الثلاث أو من قبل مؤسسات المجتمع المدني، وبتشكيل هيئة وطنية مختصة بذلك
6. انشاء هيئة وطنية مستقلة تعمل على مراقبة المؤسسات والهيئات الحكومية وغير الحكومية، لضمان عدم ممارسة التمييز في التوظيف او في السياسات والخدمات.
7. الشفافية الكاملة في التوظيف واستملاك الاراضي والمناقصات والبعثات الدراسية والخدمات ومنح الجنسية وعموم سياسات المؤسسات الحكومية، لضمان كشف ممارسات التمييز والفساد المالي والاداري، واعادة بناء الثقة بين مؤسسات الحكم والمواطنين
8. اعادة بناء قوات الجيش والامن بعيدا عن النفوذ السياسي لاية فئة، وفتحها امام جميع المواطنين دون تمييز، ليكون دور هذه المؤسسات حماية مصالح الشعب بشكل عام وليس حمايةمصالح فئة ضد بقية ابناء الشعب.
9. اعادة توزيع الثروات والاراضي العامة بما يحقق العدل والرفاه الاجتماعي، ويسهل توفير المسكن، و يحد من الفقر والبطالة ويزيد من فرص التنمية والتعليم لجميع المواطنين
10. اعادة تنظيم الهيكل القضائي بحيث يحقق الاستقلالية ويضمن حاكمية القانون على جميع الافراد دون استثناء. وليس من المحبذ ان يكون في المناصب العليا في كل من السلطتين التنفيذية والقضائية افرادا من نفس العائلة أو تجمعهما مصالح شخصية أو عائلية.
11. اعادة تنظيم الادارات الحكومية ابتداء بمجلس الوزراء والادارات العليا بالاعتماد على الكفاءة وحدها، وان الاعتماد في تشكيل الحكومة على غير ذوي النفوذ سيسهل عمليا تعاملها مع السلطتين التشريعية والقضائية اللتان ستتمكنان بشكل حقيقي من بسط حاكمية القانون والرقابة على أعمال الحكومة.

وختاما: فان تمكين المجتمع المدني من خلال تطوير العملية الديمقرطية ومؤسسات غير الحكومية، وبايجاد التشريعات التي تمنع الامتيازات والتمييز، وباعادة تنظيم الدولة بما يكفل الغاء نظام الامتيازات ويعزز استقلالية السلطات الثلاث عن بعضها، عندئذ فقط سيكون الحكم في البحرين مملكة دستورية حقيقية تحكمها الديمقراطية والقانون. وهو السبيل الى تحقيق مجتمع العدالة الرفاه بعيدا عن الامتيازات والتمييز وغيرها من انتهاكات حقوق الانسان.

مركز البحرين لحقوق الإنسان
ندوة الامتيازات والتمييز وحقوق الإنسان
16/10/2003



لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ ورقة الأستاذعبد الهادي الخواجه - ديوان الثقافة