وليس التقبيلُ‮ ‬إلا للإنسان والحَمام
ريبورتاج‮: ‬حسين المحروس
user posted image

لم‮ ‬يكن المكان‮ ‬بعيداً،‮ ‬حركة الطيور على رؤوس النخيل مغرية للغاية‮. ‬سأخرج بدون هدف‮! ‬الكاميرا ستحدد ما عليّ‮ ‬فعله لاحقاً‮. ‬هي‮ ‬التي‮ ‬ستذرع الطريق وكلَّ‮ ‬شيء فيه لا أنا‮. ‬ستتحول أصبعي‮ ‬أداة إشارة مهمّة للغاية،‮ ‬قد تفوق العين‮! ‬
كنتُ‮ ‬ألتقط صوراً‮ ‬عشوائية‮: ‬أكياس معلقة في‮ ‬نوافذ البيوت،‮ ‬مكينة خياطة تنكرت الثياب لها‮ ! ‬مرتبة سرير فيها سيرةُ‮ ‬الذي‮ ‬نام عليها‮: ‬لحظاتُ‮ ‬عشقه وحزنه ومرضه وضجره واكتئابه وقلقه وخوفه ووجله وفرحه وليلة عرسه وليالي‮ ‬وحشته،‮ ‬واللقاء الأوّل،‮ ‬ورائحة عرقه‮ ‬،‮ ‬وعطره وعطرها‮.. ‬صور كثيرة‮ ‬يسفر لك الطريق بها كلّما مشيت ولا شيء منها‮ ‬غير مهم مادام فيها رائحة إنسان‮. ‬وفي‮ ‬طير الحمام أحلى فعل في‮ ‬الإنسان،‮ ‬هو زالتقبيلس فليس التقبيل إلا للإنسان والحَمام‮.‬
‮ ‬كانت أعشاشه تدعوني‮ ‬للتصوير‮ ‬،‮ ‬وأن تنال حظا وافرا من الكاميرا‮. ‬بدأت بتلك التي‮ ‬يبنيها الحمام المطوّق في‮ ‬زوايا نوافذ البيوت‮. ‬لقد تأكد لي‮ ‬أن هذا الحمام أكثر أنواع الحمام نفرة وكرهاً‮ ‬للأقفاص،‮ ‬وأكثرها وحشيةً‮ ‬وخوفا من الإنسان،‮ ‬وأنه لا‮ ‬يبني‮ ‬أعشاشه في‮ ‬النوافذ إلا في‮ ‬تلك المنازل الهادئة جداً‮ ‬جداً‮. ‬ربما ليس مدحاً‮ ‬لأهل هذا البيت‮! ‬ماذا‮ ‬يعني‮ ‬أن‮ ‬يختار الحمام نافذة‮ ‬غرفة النوم‮ ‬يعشش ويفقس فيها؟‮! ‬ألأنها باردة حتى في‮ ‬الصيف؟‮! ‬أمّ‮ ‬أن أصوات الذين‮ ‬ينامون فيها مكتومة مثل حبّ‮ ‬بارد مكتوم‮!!‬
قيل إنّها لم تكن حمامة بل خادمة خلصتها الآلهة اليونانية ممّا هي‮ ‬فيه من الشقاء فَحوَّلتها إلى حمامة جميلة لتنعم بحريتها وبسيرة عشقها الممنوعة‮. ‬يسمونها‮ »‬ُُّكُفكمل فىٌمُُِِّمُّْس‮« ‬والاسم العربي‮ »‬الحمام المطوق‮« ‬أو حمام‮ »‬ياكريم‮« ‬كما‮ ‬يسمونه في‮ ‬الحيّ،‮ ‬أو‮ »‬يا ثابته‮« ‬أو‮ »‬حمام بدي‮«. ‬
في‮ ‬الحيّ‮ ‬يقولون أنّها تسبح الله وصوتها دعاء تقول فيه‮ »‬ياكريم‮«‬،‮ ‬وأنّها لا تقول ذلك إلا إذا أَلِفتِ‮ ‬المحاجر في‮ ‬البيوت وتأنسنت‮! ‬لا تقول ذلك حتى تُسجن‮!! ‬تأنسن تُسجن‮! ‬لونه بني‮ ‬فاتح،‮ ‬ولون ظهره‮ ‬يشبه لون جلد الإنسان‮!! ‬ومنه أبيض ناصع ويكون للإناث‮. ‬في‮ ‬عنقه من الأعلى‮ ‬طوق أسود،‮ ‬فسمي‮ ‬به‮. ‬ولا‮ ‬يميّز الذكر من الأنثى إلا‮ ‬الخبراء،‮ ‬وتلك نعمة انعدام التمييز في‮ ‬جماعته وأسرابه‮! ‬
لم‮ ‬يكن منتشراً‮ ‬قبل ‮٠٣ ‬عاماً‮ ‬في‮ ‬مملكة البحرين،‮ ‬ولم‮ ‬يكن محل اهتمام من باعة الحمام والطيور فسعره زهيد جداً‮ ‬وهو نوع واحد فقط‮! ‬يتغذى على كلّ‮ ‬أنواع الحبوب،‮ ‬والديدان الصغيرة والفواكه والأغصان الغضة‮. ‬
‮ ‬اقتربت من عشّ‮ ‬واحدة لم تتحرك من مكانها ولم تفزع‮! ‬ربّما لأنّها تعرف أن ثمّة زجاج‮ ‬يحول دون لمسها،‮ ‬أو صيدها‮. ‬تحركت قليلا عن فرخين أزغبين حديثي‮ ‬التفقيس‮. ‬فلّما بالغت في‮ ‬الاقتراب طارت إلى نخلة اتخذتها برجاً‮ ‬استراتيجياً‮ ‬تتطلع على كلّ‮ ‬من‮ ‬يقترب من عشّها‮. ‬
عُرف عن الحمام انّه لا‮ ‬يملّ‮ ‬التكاثر في‮ ‬العام كلّه‮! ‬يشبه الإنسان‮!! ‬وإن كانت ولادات الإنسان تكثر في‮ ‬الصيف‮! ‬في‮ ‬مستشفى جد حفص للولادة قالت لي‮ ‬ممرضة‮ :‬سالصيف موسمهمز‮. ‬لم أفهمها‮!! ‬سألتها فضحكت‮! ‬الذكر‮ ‬يجلب مواد البناء والأنثى تهندس العش وتبنيه‮! ‬والنظر في‮ ‬أعشاش الحمام المطوق‮ ‬غير مغرٍ‮! ‬ربّما لأنّ‮ ‬المهندسة أنثى؟‮!! ‬في‮ ‬نافذة أخرى وجدت عشاً‮ ‬به بيضة واحدة فقط‮! ‬كيف؟ هذا الحمام‮ ‬يضع بيضتين‮ ‬يفقس بعد ‮٤١ ‬يوما‮! ‬ربما سقطت واحدة،‮ ‬وهذا‮ ‬يحدث كثيراً‮. ‬وربما شربها‮ ‬غراب مولع ببيض الحمام كعادته القميئة‮!! ‬يقلب الحمام بيضه حتى‮ ‬يأخذ كل جزء في‮ ‬البيضة نصيباً‮ ‬من حرارة ريش وجسم الحمامة‮.‬
ترقد الأنثى على البيض ليلاً،‮ ‬والذكر صباحاً‮. ‬وهي‮ ‬في‮ ‬الحمام كلّه‮. ‬وللنساء سيرة السهر مع أطفالهن دون الرجال؟‮! ‬وحين‮ ‬يفقسُ‮ ‬البيضُ‮ ‬تكون ساعات الإطعام أكثرها للذكر‮. ‬هذا طبعه وفطرته منذ خُلق،‮ ‬لا تأخذ أنثاه دوره،‮ ‬وتترشح للبرلمان‮! ‬يقول مثنى بن زهير‮: ‬سلم أر شيئا قطّ‮ ‬في‮ ‬رجل وامرأة إلا وقد رأيت مثله في‮ ‬الذكر والأنثى من الحمام‮...‬س‮!! ‬وربما انتظرت حمامة ذكرها‮ ‬يحضن البيض فتتصل بآخر‮! ‬وتهيج مع ذكرها بعنف ساعة اللقاء فتنقره في‮ ‬كل مكان‮! »‬تتأنى الوليفةُ،‮ ‬تنشرُ‮ ‬ريش جناحيها،‮ ‬وذنبها ثمّ‮ ‬تسحبهما بلين على الأرض‮.. ‬تتشكّل له‮.. ‬تمكّنه وتمنعه،‮ ‬تجيبه وتصدف بوجهها،‮ ‬فيدخلهما الكبرياء‮.. ‬يرتفع صدره فأسمع احتكاك ريش ذنبه بالأرض،‮ ‬ولا‮ ‬يملّ‮ ‬الضرب بجناحيه‮.. ‬يتعاشقان‮.. ‬يتداخلُ‮ ‬فماهما‮.. ‬يتطاعمان‮.. ‬يا الله وليست التقبيل‮ ‬إلا للإنسان والحمام‮«.‬
يعيش‮ ‬الحمام المطوّق ‮٤١ ‬سنة تقريباً‮ ‬ولا‮ ‬يتعدى طول جسمه ‮٤٣ ‬سم‮. ‬ثمّة نوع آخر منه جسمه صغير،‮ ‬وريش الرأس‮ ‬يقترب من اللون الماروني‮ ‬به نقط سود متفرقة،‮ ‬والرأس صغير به منقار حاد‮. ‬ربّما من الفصيلة ذاتها ممّا وقع عليه ظلم الصقور‮!! ‬
بين شجرتي‮ »‬أترج‮« ‬متداخلتين كثيراً‮ ‬وجدت عشاً‮ ‬به فرخان‮ ‬غطى الريش جلدهما‮. ‬كانا في‮ ‬صحة جيدة،‮ ‬يقظين،‮ ‬ونموهما نموذجي‮. ‬كأنهما‮ ‬ينتظران أمهما‮. ‬وعلى الرغم من اقتراب العشّ‮ ‬من الأرض إلا أن الوصول إليهما بالكاميرا فيه شيء من الصعوبة‮. ‬فأغصان الأترج شديدة التداخل،‮ ‬بها شوك كثير وحاد جداً‮. ‬ها هما‮ ‬ينظران إليّ‮ ‬مثل‮ ‬غريب‮. ‬التقطتُ‮ ‬لهما صوراً‮ ‬عديدة فلم‮ ‬يحركا ساكناً‮. ‬هل نحن في‮ ‬أستوديو قبيح،‮ ‬أمام مصور قبيح،‮ ‬يصور جلد الوجه لا الوجه؟‮!! ‬موظف لا مصور‮!!‬
‮ ‬بعد أيام قلائل طارت الفراخ إلى أقرب شجرة،‮ ‬وخلت الأعشاش من الدفء،‮ ‬ولم‮ ‬يبق‮ ‬غير صور تنتظر سيرتها‮.‬

عن رؤى / الأيام