مشاهدة الموضوع الأصلي: و تكلّّمتِ السَّماء!
ديوان الثقافة » الدواوين العامة » زاوية القصص
البريئة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

اللّهمَ صلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ



و تكلمتِ السَّماء
مي الحسني



روايةٌ قرأتُها فأحببتها، لذا قررتُ أن أضعها بين أيديكم لتنهلوا منها.
منتهى آملي أن تنالَ إعجابكم .


عنوان الكتاب: و تكلَّمتِ السَّماء.
دار النشر :دار الإثنين ، بيروت - لبنان.
الطبعة الأولى.

الإهْدَاء:
إلى كُلَّ أُمٍّ و أُختٍ وَ زَوجةٍ قَدَّمْنَ في ساحةِ الحُبِّ الإلهي قُرباناً.
مَكّة المُكَرّمَة 1411هـ .

بعض مؤلفات الكاتبة :
1. و انحسر الظلام.
2. و أورق الشجر.



بعد قليل إن شاء الله سأضعُ بين أيديكم الفصلُ الأول و هو بعنوان "ضجيجُ الصَّمت".
البريئة
ضَجيجُ الصَّمت



مُتعَبةٌ أنا .. يَفيضُ كأسُ الحزنِ بما فيه .. ينضح .. تنسكب .. جوانبه حيرة و عذاباً .. يحاكي دمعي الصامت هدير الموج في ليلة هوجاء .. يحرق مقلتي .. يُفتت كبدي .. يصهر روحي .. أذوب في بودقة العذاب ببطء .. بصمت .. بهدوء.. تتلاشى ذرّات كياني بين ذراته .. يسحقني .. يطحنني .. تأخذ الحيرة بمجامع روحي .. تئن في هدأة الليل لا يسمع ترجيعها إلا خالقها .. تشهق روحي بدموعها .. و يقبّل الدمع و جنتين أتعبهما الأرق الطويل و الصمت الحزين .. أخنقُ عبراتي كي لا تسمعها أذنان .. يذوب الوجد في أعماقي .. ينسكب لحناً مُمزقاً .. و أتيه في دروب اليأس أبحثُ عن و مضٍ يمنحني العزاء .. أبحثُ عن قبسٍ أتلّمس به معالم الطريق الطويل .. يا لعذاب قلبي أين السبيل ؟ .. تهاوت معاقلُ الصبر .. هدّتها معاولُ الألم .. دكّتها عواصفُ عوج .. أحالتها إلى هشيم .. رُكام ..

لا تلمسوا موضع الجُرح .. دعوه ينزف حتى يستريح .. لا تذروا الملحَ فوق الندوب فما زالَ الألم ينبضُ بها .. لا أريدُ دواء فذاك الداء لا دواء له و لا بُرء منه .. دعوا قاربي الواهن المُحطّم يمخرُ عَباب السنين .. تتداعى أركانُه تتهاوى جُدرانًه .. تتآكل أجزاؤه تتفتت لوحاته .. يهوى إلى القاع و يستقّر في عمق الأحزان وحيداً .. غريباً .. مُمزقاً .. شريداً .. دعوه .. فذاك لحده و مأواه .. و هناك راحته و سلواه !! .

رمتْ وفاء بالقلم بشدّةٍ و عُنف .. و راح صدرها يعلو و يهبط بقوةٍ و كأنّها في معركةٍ ضارية .. إنّ الألم يستنزف قواها .. يُرهقها و لا تجد سوى القلم تبثُه ما تعانيه .. فهي كالبحر تهدأ صفحته حيناً فتُوحي أمواجُه الساجية بالهدوء و الدعة ؛ و تثور أمواجه حيناً و تضطرب صفحته بشدة فيهاب المرء ثورته و يخشى سطوته و يرقب هيجانهُ من بعيدٍ ..

هي و القلمُ توأمان .. لا تقوى على الاحتمالُ بدونه أو الصبر عنه فهو يمتص غضبها و ثورتها فتعود .. بعد أن تبثُ السطور شكواها .. أهدأ حالاً و أقرّ عيناً ..

و هذا الليل ماذا يعني لها ؟! .. إنّها تخافه ترهبه هو يعني لها السُهاد و السهر ، و الأرقُ و الدموع .. هو يعني المجهول الصغير في خضّم المجهول الكبير الذي تخشاه .. تمتدُ ساعاته طويلاً ... تتثاءب أُويقاته .. تتمطّى لحظاته .. و تسرق منه العمرُ رويداً رويداً كما تذوبُ قطعة الجليد في الماءِ السّاخن رويداً رويداً .. فكلاهُما ذوبان ! ...

و تنصرمُ الساعاتُ تباعاً .. و يشق الصمتُ نداءٌ إلى القلبِ حبيب .. فيه سكينةُُ الروح و أمانُ النفس يجتاحُ الكيان بأسره .. يهزُها بعنفٍ و رقةٍ معاً .. بعنفه يوقظها من وهدة الألم و ينتزعها من براثن العذاب ؛ ثم برقتّه يمسح على قلبها الكسير و يشيع الطمأنينة في العميق من أعماقها .. فتهبُ متعبة الجسد شفافة الروح و تهتف باستسلامٍ و إذعان :لبيكَ يا رب ..

* * * * * *


النورُ يملئ أرجاءَ الغرفةِ الصغيرة ، و يمسح عن جميع بقايا أحزان الليل .. و يُداعبُ الشُعاع عينين مُتعبتين فيدفعُ عنهما الوسن و يلثُم أهدابها بأطرافه .. و تعالى صوتُ المنبه يصرخُ بعنفٍ و يدّق على منافذ الوعي في رأسها المكدود ...

فتحت وفاءُ عينيها و مدت يدها بوهنٍ إلى حيث تقبع الساعة لتوقف ضجيها .. و بعد دقائق قليلة كانت تحثّ السيرَ في طريقها إلى الجامعة ... كانت تشعرُ بدوارٍ يثقِلُ رأسها ، و يحجبُ الرؤية عنها ضبابٌ خفيف يلوّن المرئيات حولها بلونٍ باهت .. و فجأةً توقفت أمامها سيارةٌ مسرعة و هي تجتاز الشارع مُحدثةً دوياً هزَّ كيانها .. و بكلمات جارحة لطمت إحساسها صرخ السائقُ بها بعد أن تفادى طريقه و انحرفت مسرعة إلى الجانب الآخر .. لم تكنْ تدري كم من الوقت انقضى منذ أن بدأت المحاضرة الأولى .. فذهنها ما زالَ مشدوداً بعنف إلى تلك اللحظات الحرجة التي قلبت موازين الإدراك لديها من جديد ... السيارة المسرعة .. هديرُ المحرك الذي توقف فجأةً فملأ الجوّ صُراخاً .. و راحت الصور تتلاحق .. تختلط .. تنفجر .. أمها و هي ممددة على الأرض بلا حراك تسبح في بركة من الدّماء .. صرخاتُ الاستغاثة .. الزحام الشديد .. الوجوه الكالحة تتطلع بفضول إلى حيث ترقد الأم الحبيبة بلا حراك .. الظلام .. الموت .. وصدرت عنها صرخة رهيبة هزّت أركان القاعة ثمّ سقطت مغشياً عليها ..

* * * * * *


كانت صفاء تتطلع إلى وجه أُختها بحنوّ صادق ، وتتحسس جبينها من حين إلى آخر حين فتحت وفاء عينيها بتثاقلٍ شديد وقد بدت على ملامحِها علاماتُ الجهدِ والإعياءِ .. فرنتْ إلى أختِها متسائلةً :

- صفاء .. ما الذي حدث ؟ ومنذ متى وأنا هنا ؟ وكم هي الساعة الآن ؟ .. رأسي مثقل ، ودوار عنيف يعصف به ، ما الذي جرى يا صفاء ؟

فأشفقت صفاء عليها وانحنت تقبل وجنتيها وهي تقول ملاطفة :

- لا شيء .. لقد أصابك إعياء بسيط وأنت في الجامعة ، وها أنت الآن أحسن حالاً والحمدلله .. لقد ساعدك الدواء المهدئ على الاسترسال في النوم وها هو النهار توشك آخر ساعاته على الانقضاء.

- الدواء المهدئ ؟! .. يا الله .. بل قولي الدواء المميت .. أنّه يسلبني أويقات الصحو في حياتي .. أنّه يهدني .. ينقلني رغماً عنّي إلى عالم باردٍ ساكن ميت فيقتل فيَّ روح التوثب و الانطلاق ، و يحدُّ من خطواتي فيثقلها و يشلُّها .. أما ترين كيف حجزني عن أداء الصلاة .. النهار يوشك أن ينقضي أعينيني كي أدرك الفريضة قبل فوات أوانها.

- هوّني عليك يا أخيتي فالأمر أهون مما تُصورين !.

* * * * * *



القمرُ يُطِّلُ على استحياء من خلفِ الأشجار التي تعانقت أغصانها و تشابكت فروعها .. و قد لفّ الجو غلالة رقيقة من السحر .. و راح النسيم يعبثُ بأوراق الشجر و يُداعب أوتار المشاعر و يحرك فيها كامن الإحساس و يثير فيها رقيق المعاني .. فكأن القمر حفيف الشجر همسات دافئة و وشوشة حبيب .. و كأن أشعة القمر الفضّية لمسات حانية تمسح عن النفس المرهفة بعض أشجانها ..

تتجسد بين أحضان الطبيعة أوجاع النفس و تتفجر أحاسيسها .. فكأن كل آية في هذا الكون فيض من الحس و الشعور يتدفق بعنف و ينطلق بلا ضجيج .. و كأن تلك الآيات و حي سماوي لمن يعي معنى الوحي .. فما الذي تعنيه روعة الغروب و سحره ؛ إذ الشمس تنحدر نحو المغيب تلملم بقايا أشعتها . و تتوارى بصمتٍ حزين و هدوء موحش ؟ أهو الانطفاء ؟ اليأس ؟ الانسحاب ؟ التقهقر ؟؟؟ أم هو وداع قصيرٌ للقاءٍ قريب ، و دعوةٌ للسكون و التأمل و إيحاء للنفس للصفاء بعد طولِ عناء و الراحة بعد مزيدِ الكدّ و الشقاء! ... ثم ما الذي يعنيه انبلاج الفجر و تنفس الصبح ؟ إذا ينبض الكون بميلاد الضوء فكأنما هي ومضات خافقة متدفقة من السحر تشي بالعذوبة و تنطق بالصفاء و تترجم أرق معاني الميلاد .. كل ميلاد .. أهو الأمل ؟ السعادة ؟ الانطلاق ؟ الانعتاق ؟؟ أم هو دعوة لخير العمل و الكد إلى لقاء المولى و تجديد العهد و إبرام الميثاق ..

رفعت وفاء طرفاً مخضلاً بالدمع و مضت يديها إلى صدرها الخافق و كأنّها تشفق على ذلك القلب مما يضطرم فيه .
و أحست باخلاج مشاعرها و ارتجاف فؤادها .. و راحت تبحث بعينين ظامئتين عما يهدئ روعها .. لم يكن ذاك الدواء الذي يخمد حسها و يميت حركتها بل كانت تبحث عمن تبثه نجواها و تحمّله شكواها .. و ضغطت بأناملها بشدةٍ على القلم و راحت تمرره على شفتيها بقوة و كأنها تستنطقه .. و سرحت ببصرها نحو البعيد و كأنّها تخترق بنظراتها الشاردة الحُجُب البعيدة و صارت تجري أناملها ..

"ما للقلم يصمت بين أناملي ؟ .. يحترق كما أحترق بصمت ؟ أو جفّ مداداه كما جفت في روحي كل ينابيع الأمل؟ .. لم تموت الزهرة و هي ما زالت غضة في غصنها تفوح بالشذى ؟ و لم يجف الروض و الربيع الخصب ملء الوجود يشع بالسنى ؟ لم يذوي الأمل و ما زال في العمر بقية ؟؟ .. أي كيان هذا الذي يتلاشى و يفنى تحت مطارق اليأس و ضربات الوجع الأبدي ؟ .. هل انتهيت يا ترى ؟ هكذا ؟ و قبل أن تفارق الروح الجسد ؟ هل مات كل شيء فيَّ و لم يعد سوى هذا الجسد المنهك و الكيان المتداعي ؟! أهو خسوف الشمس في عزّ النهار و انطفاء البدر في الليلة القمراء ؟ ..

حياتي غدت كروضٍ هجرته طيوره ، و ذبلت أوراده و زهوره ، و جفت ينابيعه و غدرانه ، و جفاه أهله و خلانه.. حياتي بيداء قاحلة غاض فيها الماء و انتحر الظل و تجنت الهاجرة ..

إلامَ نظرة الحزن في عينيّ و دمعةُ الأسى في مقلتيّ تنطق بلا حروفٍ و تُترجم بلا معان ... إلامَ يتردد صوتي عبر متاهاتٍ بعيدة و أعماق سحيقة فلا أسمع لترجيعه صدى و لا لوقعه استجابة ؟ إلامَ تبحر سفن آمالي في بحار العدم فلا هي تدرك شاطئاً و لا هي تلقي مراسيها ؟ .. إلامَ يمور الألم في أعماقي و يحترق الوجد في صدري و تنطفىء في عتمة الليل كل الشموع فلا أجد لحيرتي سلوى و لا ألتمس عبر طبقات الدجى و مضة أو شعاعاً ..

أحبكَ أيها الليل و أرهبك .. أُحب فيك الهدوء و الصكت و المناجاة و الوحدة ؛ و أحب فيك هذا الغموض العميق و الظلام الساجي .. و لكني أخشاك .. أخافك .. أخشى أشباح الألم تتجسد لي .. تتراقص أمام ناظري .. تسخر مني .. تهزأ بي .. و أخشى أن أتطلع إلى ما وراء عتمتك و دياجيرك .. أخشى الغد ، و المستقبل أخشى المجهول .. أخشى أن تطول ساعاتك فلا تنقضي و يقترب الفجر فتأبى الرحيل ..

فامسح أيها الليل الرحيم ببرد أناملك على شغاف القلب و تلمّس جذوته .. إحتضن حزنه وداوِِ جرحه و أوقف نزيف اليأس في حناياه .. و دعني أغفو على صدرك الحاني فتسبح في ضياء القمر عيناي و تذوب في هالة النور نظراتي و أمسح بأطراف شعاعه بقايا عبراتي ..
"

* * * * * *



إعتدل الدكتور هشام في جلسته و ارتشف بقايا كأس الشاي الذي بين يديه ، ثمّ هبّ واقفاً بعد أن تطلّع إلى عقاربِ الساعةِ في معصمهِ .. و استدارَ نحوَ والدته مستأذناً بالخروج ، و لكنّها استوقفته قائلةً :

- هشام ، مها تريد الخروج معك لتوصلها إلى منزل صديقتها صفاء ، و لن يكلفك ذلك وقتاً ، فالبيتُ في طريقك و أنت متوجه إلى العيادة .

- حسناً يا أماه ، و لكن من الذي سيتكفل بعودتها فيما بعد ؟

- ستعودُ بمفردها في الحافلة فزيارتها لن تطول ، هي تريد الاطمئنان على صحة وفاء أُخت صفاء فحسب.

- هيا يا مها قبل أن يدركنا الوقت ، فهناك من هم أحقّ بوقتي منّي.

- أجل أيها الطبيب الماهر ، فها أنا طوع أمرك و ملك بنانك!.

- كفاك مزاحاً .. و هيا بنا .

قطعت مها حديثها و هي تجلس إلى جانب هشام في السيارة و صرخت :


- انتبه يا هشام .. لقد أوشكت أن تضرب الرصيف لولا عناية الله تعالى.

- حمداً لله .. و لكن أما رأيت ذاك الطفل الذي برز فجأة و كأن الأرض انشقت عنه و انتصب أمام السيارة بدون سابق إنذار ؟ إنّه لشيءٌ مهول أن نكون سبباً في انطفاء طفلاً بريئاً لا يعي مسؤولية تصرفاته !.

- لقد شدّني هذا الموقف إلى وفاء و الحالة العصبية التي تعاني منها .

- وما هي هذه الحالة يا مها ؟

- لقد شهدت منذ عام مصرع والدتها في حادثٍ مأساوي سبّب لها صدمةً عصبية ما زالت تعاني منها و بشدّة .

- و هل خضعت لإشراف طبي؟

- نعم، و لكنها ما زالت تعيش تلك الأزمة ، و تعاودها الصدمة من حين لآخر ..

- و لماذا لا تعرضين عليها زيارتي في العيادة ، لعلّ الله تعالى يوفقني للأخذ بيدها إلى أسباب الشفاء ؟.

- لقد فاتني ذلك أيها الطبيب العبقري ، و سأحاول عرض الموضوع على صفاء الساعة .. مهلاً هشام .. لقد وصلت إلى غايتي .. شكراً و أستودعك الله .

- في أمان الله و رعايته .

زيـــــنه



شكراً اخت البريئة

بالفعل اختيار موفق

لقد قرئتها أكثر من مرة hypocrite.gif ولها نكهة خاصة بالنسبة لي

من اروع ما قرأت businesssmiley.gif

شكراً مرة اخرى


الرمش الحزين
«

شكراً!
مرزوقة
جميلة جدا القصة
ان شاء الله اكون من المتابعات اذا ما ضايقني الوقت على الواجبات
طفولة
لا أمل قرائتها.. biggrin.gif
واصلي فنحن في ركب المتابعين
ولا تتأخري مثل ما يتأخر البعض!! blink.gif
طفولة
cowboy.gif

ولا تنسين تكبرين الخط.. عيوننا blink.gif
البريئة
الشَّرخ

يشتدُّ الصراع بين قوى الخير و قوى الشر و الصلاح و الفساد و الفضيلة و الرذيلة .. و يصول الباطل و يجول ، و يكسب جولاتٍ تلو الأخرى ، و يزمجر الظلم و يكشّر عن أنيابه ، و ينزوي الحق كسيراً واهناً يعلوه رماد الشك و يلفه ضباب اللامبالاة .. و تنقلب الموازيين و تتأرجح كفة العدل في ميزان القوى و تنحجب شمس الحقيقة أمام جحافل سحب الرياء و النفاق و الخداع .. و يتكور العابد في صومعته يغلق النوافذ ويسدل الأستار .. و تنكفىء العذراء في محرابها عن أضواء المدنية الخادعة ، و عفافها عن أنياب الذئاب البشرية المفترسة ..

و تطبق حجب كثيفة من الظلام تلف الكون و تحجبه عن مصادرها الضياء و السنا .. و يخال المرء أن جذوة الأمل قد خبت و ينابيع الرجاء قد نضبت ، و أن لا شفاء لأدواء الصقيع فلا حياة لها ، و ينابيع النور قد كفّنها الظلام فلا انبعاث لها!..

و على حين غرّة يشق عنانَ السماء نداءٌ رهيبٌ كهزيم الرعد ، رقيق كنسمةِ ربيع يحيي موات الأمل و يبعث رفات الرجاء..

مزّقوا أكفان الذل .. دمروا سدود الانخذال .. حطموا أوثان العبودية .. انسفوا معاقل الوهن .. أنيروا شموع الحق في دروب الظلام .. ازرعوا براعم الأمل في طريق اليأس .. كفكفوا عبرات الثكالى .. ارسموا البسمة فوق شفاه اليتامى .. امسحوا على جراح المحرومين .. أعيدوا الرجاء إلى قلوب البائسين .. اشهدوا ميلاد فجر جديد لعهدٍ جديد ..

و راح النداء الغريب يتسلل بهدوء إلى كوامن النفوس .. ينفذ إلى عمق أعماقها.. يحي رفات الأمة .. يبرئ جراحها .. يلمّ شعثها .. يصلح الشرخ في كيانها ..

و شهد الوجود مخاضات قاسية تقلص لها رحم الأرض بشدة ، فلقد كان الميلاد عسيراً ، لكنّ الوليد كان رائعاً و الفجر كان مشهوداً ..

و أشرق الكون بميلاد كوكبةٍ إثر أُخرى من الشباب انطلقوا يحملون مشاعل الهداية و رايات الصلاح و يبذلون المُهج في سبيل الدفاع عن الصرح الذي راحوا يشيدونه بالدم و العرق و الكفاح .

و انقشعت الغيوم التي تلبدت بها سماء الحق لتسطع بعد ذلك شمس الهداية بالضياء و الأمل و الحب ..

و كان الدكتور هشام من أوائل الذين تصدوا لمجال الدعوة إلى الله و حمل لواء الجهاد في سبيله .. هو شعلة من النشاط و الحيوية و الانطلاق .. كأنه يريد أن يسابق الزمن ليعوض عن سنوات الركود و السبات التي طالت في حياة هذه الأمة ...

كان وقته مشحوناً بالعمل الدؤوب و الحركة التي لا تكل و العزيمة التي لا تعرف الملل بين عمله في العيادة و لقائه بإخوته العاملين يبني و إياهم صرح مجتمع لبناته التقوى و الإخلاص و التفاني ..

هو يشخّص لمرضاه العلة و يصف لهم الدواء النافع ؛ و هو يشخّص لمجتمعه العلة كذلك و يضع له العلاج الناجع .. وهل يُقوّى الجسم السقيم على أداء مهامه خير قيام ؟ وهل يقوى المجتمع الذي نخرته على تأدية رسالته كما ينبغي ؟! .

بدا الدكتور هشام منهمكاً في إعداد دراسة خاصة عليه مناقشتها هذا المساء حين أطلت والدته برأسها من باب غرفته و هي تقول :


- أراك مشغولاً يا هشام ، فهل لي أن آخذ من وقتك القليل ؟

- معذرة يا أُماه فهناك ما عليّ إعداده و لكنّي رهن إشارتك متى شئت .. تفضلي .

- لا أدري متى ستكون عودتك هذا المساء ، فإن لدينا ضيوفاً على العشاء و يجب أن تكون معنا .

- ومن عساهم يكونون فيستوجب وجودي معكم بهذه الصورة المُلحّة ؟ .

- إنهم خالتك و زوجها و ابنتهما ليلى .

- و لكنّي مشغول هذا المساء يا أمي ، و لديّ عمل عام عليّ إنجازه .

- لكن ليلى ستكون موجودة .

- وما شأني أنا بليلى يا أُماه ؟ .

- هل عدنا إلى هذا الحديث ثانية يا هشام ؟ أنت تعلم أن ليلى بحكم المخطوبة لك ، وقد اتفقنا على ذلك و أنتما ما زلتما صغيرين ! .

- لكنّي أكدت لكم مراراً أنه ليس هناك ما يربطني بها .. إنها في وادٍ و أنا في واد .. إنها تعيش عالماً ليس بعالمي .. ليس هناك ما يربطني بها فكرياً و لا عاطفياً .. إنها ليست لي يا أُماه و أنا لست لها ، فارحميني .

- لكنّك تستطيع أن تقربها منك و تدنيها إليك فتعيش عالمك و دنياك كما تريد .

- محال يا أُماه ، فأنت تطلبين البعيد المنال.

- أراك تغلق باب الحديث كلما فتحته يا هشام !

- لأنك يا أُماه تفتحين باباً يصعب علىَّ الولوج فيه .. أنا بحاجة إلى رضاك و دعواتك و أمنياتك و لكن بمنأى عن ليلى .. حنانيك يا أمي .

- لك ما تريد يا هشام ، و لكن حاول و فكر ثانية ففي البنت ميلٌ شديد إليك و هوىً جامحٌ نحوك ، فأنت محط آمالها و عنوان مستقبلها .

- أنا لست مسؤولاً عن آمالها و أمانيها ، و ما أوحيت لها بشيء يجعلها تبني مستقبلها بهذه الصورة ، و يجب أن تعلم هي ذلك .

- أيعني هذا أنك لن تحضر العشاء معنا الليلة ؟

- إن عدم حضوري مردّه إلى موعد هام مرتبط به هذه الليلة ، و ليس هرباً من المدعوين.

- حسناً .. أرجو أن لا يطول غيابك يا ولدي .

- بإذن الله يا أمي .. و لكن أين مها ؟

- لعلها في غرفتها و مع واجباتها .

و استدار الدكتور هشام مستأذناً ، و دلف إلى غرفة مها حيث كانت منهمكة في مراجعة دروسها ، فاستأذن باسماً ومال نحوها مداعباً .

- هل الأخت العزيزة بحاجة إلى مساعدة ؟

- شكراً يا هشام ، و التمس دعواتك ، ومع هذا فأين وقتك الذي تبذله لمساعدتي أيها المشغول أبداً ؟.

- إنها رسالتنا في هذه الحياة يا مها ، و علينا أن نؤديها على أكمل وجه ، فعقارب الساعة لا تقف بانتظار خاملٍ أو متقاعس ، و هي لا تعود القهقرى إلى الوراء رجاء دعوة نائمٍ يغط في سبات عميق .

- الحق معك يا هشام ، - فالدنيا أصبحت - كما يقال - البقاء للأقوى .

- لا يا مها .. البقاء يجب أن يكون للأفضل .. للأمثل .. للأتقى .. للأجمل في هذه الحياة .. أما تلوت قوله تعالى : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا .. لقد كانوا الضعفاء في ميزان القوى البشري ، لكنهم كانوا الأفضل في ميزان التقوى عند الله تعالى فاستحقوا خلافة الأرض و وراثتها .. بهذا الميزان يا مها يجب أن نزن الأفراد و الحقائق ، و على أسس هذا الميزان يجب أن تكون خطواتنا و تطلعاتنا و أمانينا ...

- في النفس شوقٌ إلى حياةٍ مُثلى كهذه ، و في القلب أُمنيةٌ بأن نحيا على أُسس هذا الميزان و تكون تطلعاتنا وفق معاييره .. لكنّها مجرد أماني .. مجرد أماني ..

- و لم تبقَ مجرد أمانٍ ؟ لماذا نحبسها في نطاق التمني و الترجي و لا نطلقها من زنزانة تصورنا إلى حيث ممارستها واقعاً معاشاً و عملاً متجسداً ؟

- و لكن كيف ذلك يا هشام ؟

- بالعمل .. بالعمل الجاد المخلص .. بالتفاني في سبيل قضية نؤمن بعدالتها .. بالوفاء بعهدٍ نقطعه على أنفسنا .. عهدٌ شعاره ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ .. لقد رضينا الذل لأنفسنا فتلاعب بنا القاصي و الداني .. و ذابت في أهوائنا و مطامعنا الشخصية قضيتُنا الكبرى .. لقد آن لنا أن نخلع أثواب الذل و نمزق أقنعة الزيف .. آن لنا أن ننطلق من أسار تخاذلنا و أن ننعتق من قيود عبوديتنا ..

ثم رانت بعد ذلك لحظات صمت انفجرت بعدها شفتاه عن ابتسامة صافية فمال نحوها هامساً :

- أليس كذلك أيتها العزيزة ؟

فأشرق وجهها بابتسامة ندية و أومأت برأسها بالإيجاب فقال مستطرداً :

- لا تنسي موعدنا .. الساعة السابعة مساء .. و سأنتظرك و زميلتك بإذن الله ..
و تطلع إلى ساعته فعاجلته مها :

- لقد تأخرت .. حان الآن موعد ذهابي .. هناك من هو أحق بوقتي منّي ! .. أليس كذلك أيها الأخ العزيز ؟!.

فانفجر هشام ضاحكاً و هو يقول :

- لقد حفظت الدرس جيداً كما يبدو يا مها .. مرحى لك .. استودعك الله و أنا في انتظاركما .

راحت السيارة تنهب الأرض نهباً و قد استسلم الدكتور هشام لأفكاره ، فما زال حديث والدته يتردد صداه في نفسه .. أية مفاهيم هذه التي تجعل الإنسان يقترن مرغماً بشريكة حياة لا يربطه بها إلا رباط قرابة أو كلمة قيلت عند الصغر ؟ .. الزواج يعني ميل النفس إلى أليف ترضاه الروح و تسكن إليه .. هو يعني انجذاب فكر إلى فكر يمتزج به ليكونّا و حدة متكاملة من الإرادة الموحدة و الرغبة المشتركة و السعي نحو هدف مشترك .. و ليلى هذه ليست ليلاه .. فما تاقت نفسه إليها يوماً ، و لا أحسّ بأي انجذاب فكري نحوها و لا ميلٍ عاطفي إليها ..

هي ربيبةُ دنيا باهتةُ الملامح تافهة المعاني خاوية الأفكار .. اهتماماتها تنحسر في ما تأكل و
تلبس و تقتني مجدبة الفكر ، باردة الإحساس ، ميتة القيم ، فأين هي من دنياه ؟ ..


هو بحاجة إلى من تعيش معه همومه الكبيرة .. إلى من تحلّق معه في سماء أحلامه الواسعة .. إلى من تشد أزره و تقف إلى جانبه .. تشحذ فيه العزائم و الهمم .. هو بحاجةٍ إلى إنسانة قوية الشخصية ، رابطة الجأش .. ثابتتة المبدأ .. لها هِممُ الرجل و وداعة المرأة ، و صلابة الذكر و رقة الأنثى .. فأين ليلى من ذلك كله ؟ .. أين هي من طموحاته و أمانيه ؟ أين هي من أفقه الواسع الرحب و تطلعاته الشامخة السامقة؟ .. أين هي من مشاريعه المستقبيلة البناءة و خططه الهادفة السامية ؟ .. إن خطواتهما لا يمكن أن تلتقي على صعيد واحد و مفاهيميهما لا يمكن أن تذوب في بودقة واحدة ذلك لن يكون ..

* * * * * *



الساعة تقارب السابعة مساء وقد استبد بوفاء الضيق و هي تجلس في غرفة الانتظار إلى جانب مها تقلب الطرف في وجوه الحاضرين تارة و سقف الغرفة تارة أخرى .. تغالب الكآبة التي تلف روحها حيناً و تغلبها آخر .. لقد سئمت عالم الطب و الدواء و الجلسات .. و عافت روحها الحبوب المهدئة و الحقن المسكنة .. فهل تراها ستعيش هذه الدوامة من جديد؟ ..

إنّها ما جاءت إلا استجابة لإلحاح مها و إصرار رجاء .. و لكن من تراه يكون الطبيب هذه المرة ؟ .. و جدت نفسها - دون قصد - تتصوره رجلاً كبير السن ، ضخم الجثة ، متجهم الملامح ، حاد الطباع ، أجش الصوت ! فنفرت روحها و تقلصت ملامح وجهها و أحست برغبةٍ عارمة في الفرار .. في الخلاص من القيد الذي يوشك أن يُطوّق روحها من جديد بعد أن سعت إليه بنفسها .. و أحست بتمرد عنيف يجتاح كيانها فالتفت بحدة نحو مها وقد أصرّت على التراجع :

- مها!

فابتسمت مها - وقبل أن تكمل جملتها - بوداعة قائلة :

- هيا يا وفاء فقد حان دورنا !.

أحست وفاء بتخاذل يسري في كيانها و بحذرٍ يشلّ لسانها فتطلعت إلى مها بما يشبه الانكسار و تبعتها دون أن تنبس ببنت شفة .
حمّاد
جميلة القصه وفيها معاني ومغازي إختيار رائع أكيد أعجبتكم
البريئة
زيـــــنه : أجل الرواية في غاية الروعة ، فللكاتبة فنٌ راقي في الكتابة . تميّز بحسن السبك . cowboy.gif

الرمش الحزين : هذا واجبنا ! happy.gif

مرزوقة : لن يضيركم شيئاً إن كنتم متابعين في عطلة نهاية الأسبوع ! huh.gif

طفولة : قرأتها مراراً ، لكنّي لا أسأم منها أبداً ! happycrying.gif

حمّاد : تسرّني كثيراً متابعتكم للرواية، أجل هذه الرواية من أجمل ما قرأت ! فآمل أن تكون كذلك بالنسبة لكم . rolleyes.gif

بالمناسبة الفصل الثالث بعنوان "المُواجَهَة "
مرزوقة
رائع يا البريئة جدا
متى تجي الإجازة عشان أقرأها؟؟
البريئة
المُواجَهَة


فتحت الممرضة الباب فانفرجت عن غرفةٍ متوسطة الاتساع، أنيقة المظهر، متواضعة الأثاث،

هادئة الإضاءة، يتصدرها مكتب جميل جلس خلفه شاب في مقبل العمر؛ رقيق البدن، هامس الملامح، نافذ النظرات،

تُتَوّج شفتيه ابتسامة وادعة غير متكلفة، و قد علت مكتبه لوحة كبيرة كتب فيها ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ..

و زين الجدار الآخر منظرٌ طبيعي يصور شروق الشمس فوق أديم البحر و من خلف جبالٍ كستها خضرةٌ زاهية و

علت قممها ثلوجٌ بيضاء .. وفي الزاوية المقابلة مكتبة كبيرة صُفت الكتب على رفوفها في تنسيق جميل تتوسطها

علبة مخملية خضراء تحتضن مصحفاً كبيراً زُخرف غلافه بزخرفة جذابة .. و على المكتب زهرية نسقت فيها زهور

طبيعية مختلفة الألوان قد انتشر شذاها في أرجاء الغرفة يبعث في النفس السكينة و الهدوء و الاطمئنان.


و طالت لحظات صمت أحست وفاء خلالها بالتوتر الذي شدّ أعصابها منذ هنيهات يذوب

شيئاً فشيئاً .. فاستجمعت قواها و ألقت التحية فأجابها الدكتور هشام بعد ردّ التحية :


- أهلاً بالآنسة وفاء .. تفضلي .

فخطت بارتباك نحو مقعدٍ أمام المكتب و تبعتها مها فجلست أمامها ... و راحت تعبث بمنديلٍ

في يدها تضغط عليه آناً و تشده آناً آخر ... و قد لفّتها الحيرة من جديد ... رفعت عينيها المتوسلتين إلى مها و كأنّها

تستنطقها ، لكن الدكتور هشام بدد الصمت الثقيل و اختصر مسافات الحيرة اتي تبدّت في اضطراب أناملها حين أقبل

عليها بوجهه قائلاً :


- لديّ إلمامة بسيطة بظروف زيارتك لنا .. و لي الشرف أن أحظى بثقتك التي قادتك إلى هنا ، و

سأكون شاكراً لو تفضلت بعرض ما أنا بحاجة إليه فيما يساعدني في تشخيص الحالة و الأخذ بأسباب الشفاء

بإذن الله تعالى .


و هزّت رقة الخطاب هذه مشاعرها و صارت تقارن بين الواقع الذي تلمسه و تعيشه و

بين الصورة الداكنة المركّبة التي رسمها خيالها المتعب قبل أن تلج إلى هذه الغرفة .. ثم أطرقت طويلاً و غابت

عيناها خلف سحابة رقيقة من الحزن .. وكمن يستعرض صوراً حية تُرى أمام عينيه و حوداث تتجسد أمام ناظريه

اختلجت شفتاها وهي تقول :


- كانت لحظة رهيبة تلك التي وجدتُ فيها أمي الحبيبة وهي غارقة في بركة من الدماء ..

يتدفق الدم بغزارة من رأسها و وجهها حيث اختلفت ملامح ذاك الوجه الحبيب و لم يبق سوى عينين ينطفىء فيهما

بريق الحياة لحظة فلحظة .. أحسست عندها كأنّ صاعقة هوت على أُمّ رأسي و اخترقت مني الجسد حتى النخاع ..

و استعرت في جسدي نار محرقة مدمرة تبعتها قشعريرة هائلة سرت في كياني فشُلّت أوصالي و جمّدت الدم في

عروقي .. و اضطرب كل شيء حولي و أمام ناظري .. أحسست أن شيئاً ما قد انفجر في داخلي و تحطم و تباعدت

ذراته و لم أعِ بعدها شيئاً حيث سقطتُ فاقدةَ الحس و الإدراك.



و راحت أنفاسها تتلاحق و صدرها يعلو و يهبط و قد اختلجت شفتاها و ارتجفت أوصالها

و كأنّها تعيش تلك اللحظات من جديد .. ثم أسبلت عينيها و تركت العنان لدموعها تُغرق وجهها .. و تابعت

بصوت خفيض :



- تلك كانت البداية .. و راحت فترات الغيبوبة تتوالى .. و بعد حين رحت أستعيد توازني

الفكري و النفسي شيئاً فشيئاً .. لكن الداء بات يستوطن النفس و يزحف حثيثاً نحو الفكر ... أصبحت بعدها دائمة

الشرود ، ضيقة الصدر ، حبيسة الدمع ، تائهة الفكر .. ألِفتُ الأرق كل ليلة و عرفتُ السهاد الطويل .. ضاعت

كل معاني الأمل و الرجاء و المستقبل .. و تلوّنت كلُ المرئيات أمامي بلونٍ أسود داكن عميق .. أحببت الانطواء

و الوحدة و ابتعدتُ عن الناس ، و رحت أعيش في قوقعةٍ من الحزن و الصمت الكئيب .. لكن الذي بات يشكل

خطورة في الموقف تلك الحالة التي صارت تعاودني بين آونة و أُخرى .



- هل لك أن تصفيها لي بالتفصيل ؟


- ينتابني في البداية قلق خفيّ و تململٌ أحسه يدب في كياني .. ثم يسيطر عليّ شعور

بالضيق و الكآبة فأحس بشيء ما يجثم على صدري و يضيّق عليّ الخناق ، حتّى إنني أجدُ صعوبة في التنفس

الطبيعي .. كأنني أكاد أرى و ألمس ما يحدث في جوف البركان الطبيعي قبل أن ينفجر .. كأنني ألمس حممه

وهي تتلاطم و تتصارع قبل أن تُقذف من فوهة البركان بسرعة هائلة و بصورة رهيبة ! .. فذلك ما يحدث في

داخل أعماقي و بين حنايا ضلوعي .. أشعر بشيء يتصارع و يتلاطم و يضرب جوانب روحي بقسوةٍ متناهية

فأحس بتمزّقٍ قاسٍ و حيرةٍ شديدة و مرارة تتفجر في أعماق نفسي .. أتحسس صدري فأجده كجمرةٍ ملتهبة

يشع لهيبها على جبيني و سائر جسدي .


و في لحظة ملتهبة من الألم و الضياع و الصراع أنفجر في نوبة بكاءٍ شديدة و صراخ متقطع و أحس بأوصالي

تتمزق بصورةٍ مؤلمة فأجهش كالطفل ، و يزداد التوتر الذي أعانيه حتى يصل إلى القمة و الذروة ؛ عندها أفقد

الإحساس بالأشياء فينعقد لساني عن الكلام و تضمحل الرؤيا أمامي و لا أكاد أشعر إلا برأسٍ يلتهب و كيانٍ يتفجر ...

و بعد حين تبدأ أعصابي بالارتخاء و قواي بالاضمحلال و تأخذني رعدةٌ شديدة ترتجف لها أوصالي فأحس بضعف

شديد يمتكلني و رغبةٍ في الاستسلام للنوم و الهروب إلى عالم آخر بعيد ...



و أسندت وفاء رأسها إلى الخلف و هي تعاني من إعياءٍ شديد و رغبة في البكاء و حاجة

إلى إلقاء ذلك الكمّ الهائل من العناء و العذاب عن كاهلها .. و انطلقت من صدرها تنهيدة حبيسة و استطردت ..


و دخلتُ في دومة الطب و العلاج ، و بدأت رحلة المرض و المعاناة .. رحلة العذاب ..


و طال ترددي على عيادات الأمراض النفسية ، و وقعت فريسة للحبوب المهدّئة و المسكّنة

التي لم تزدني إلا رغبة في الهروب من الحياة و إمعاناً في اليأس و تمادياً في الحزن .. أماتت تلك الأدوية ما تبقى

من رغبة في الانطلاق .. و أطفأت ذبالة المقاومة في نفسي .. حرمتني حتى لذة الألم ! .. بل و أقعدتني عن واجبي

تجاه ربي أحياناً .. عرفت معها معنى العبودية و الأسر .. وكنت كمن يستجير من الرمضاء بالنار.



- هل لك أن تتفضلي للفحص .


تركت وفاء مقعدها و اتجهت نحو السرير بخطى متثاقلة وقد بان عليها الإرهاق و الألم ..

و راحت مها تقلب صفحات مجلة طبية و تقطع بها الوقت و تبدد سحابة الكآبة التي لفّت المكان ..


و عاد الدكتور هشام إلى مقعده بعد حين و هو يقول :

- لقد أثبت الفحص السريري عدم وجود أي مرض عضوي و الحمدلله .. وهذا يجعل الأمر

يسيراً من ناحية وصعباً من ناحية أخرى .. فنحن الآن في غنىً عن دوامة الفحص الشعاعي و التحليل المخبري

و هذا ما يوفر لنا الجهد و الوقت .. أما صعوبته فتكمن في أن العلاج سيكون بيدك أنت ، عليك يقع العبء الأكبر

في كسب جولةٍ تلو أخرى في مراحل العلاج و اختصار طريقنا إلى الشفاء بإذن الله.


و رفعت وفاء رأسها متسائلة :

- و كيف ذلك يا دكتور؟

- أنت بحاجة إلى (أقراص) من الإرادة و خزانتُها ذاتك .. و أنت بحاجة إلى (حُقن) من العزم

و مصدرُها روحك .. و أنت فوق ذلك كله بحاجة إلى إيمان و هو المعين الذي لا ينضب و المنهل الذي لا يجف ..

و الذي يجد عنده كل ظامىء ما هو بحاجة إليه من الصبر و الأمل و الرجاء .. و هو اليد الرقيقة الحانية التي

تمسح على قلب المحزون و تكفكف دمع المكروب و تبعث الأمل في الصدور ... ترى إلى من يلجأ المرء إذا أحسّ

أن الأبواب كلها قد أوصدت في وجهه ، و أن المسالك جميعها قد سُدّت أمامه ، و أن الشموع بأسرها قد أطفئت

في ليلة مظلمة داكنة ؟ أوَما يرفع بصره إلى السماء و تختلج جوارحه كلها بكلمة : يا رب ؟!.



- لطالما أحسستُ بذاك الذي تصوره و باللحظات القاسية التي تصفها و النهاية المرعبة

التي تعنيها فأهرب إلى القلم أبثه ما أعاني و استصرخه بما أجد فيمتص شحنات التوتر من أعماقي و يذيب

جبال العذاب التي تنوء بها روحي ...



- أوَ تكتبين حقاً ؟!


و بدا على وفاء أنها بُوغتت بالسؤال فتصاعد الدم إلى وجهها و أجابت بحياء :


- أحس أحياناً بالحاجة إلى صدرٍ حنون أدفن عنده أحزاني و أبثه أشجاني فألجأ إلى القلم

أودعه خواطري و أنثر على السطور آلامي !.


- و هل لي أن أطّلع عليها؟

فصرخت وفاء بذعر كمن لُدغ:

- لا .. مستحيل .

لكنّها عادت إلى نفسها فاصطبغ وجهها بحمرةٍ قانيةٍ و قالت بإذعان :

- معذرةً .. و لكن .. لماذا ؟

- إنّ معرفة خواطر الإنسان و خلجاتها هي الطريق الأمثل للوصول إليها .. و متى وصلنا

إلى حقيقة تلك النفس استطعنا وضه أيدينا على موضع الداء فيها ، و هذا جزء من العلاج .


- ما ظننتُ أنّ عيناً ستقع على سطوري يوماً ما !

- لا تخشي شيئاً فهي في يدٍ أمينة و هي سرٌ من أسرار المهنة على أية حال ... سأكتب لك

بعض الأدوية المنشطة و بعضاً من الفيتامينات و عليك الإقلاع عن تناول جميع الأدوية التي أدمنتِها فوراً..


- و لكن ربما لا استطيع !

- ستستطيعين حتماً و بإذن الله .. و ستجدين في روحك القوة و الإصرار و التحدي ..

سأنتظر زيارتك لنا بعد أسبوعين بمشيئة الله .. تمنياتي لك بالصحة و العافية .


* * * * * *


مضت ساعات من الزمن و مازالت وفاء شارةً بأفكارها تحدِّق في سقف الغرفة بعينين

تائهتين ، تتقاذفها الأفكار يمنةً و يسرة .. تركت لضعفها العنان فدمعت عيناها و تحجرت دموع حائرة في مقلتيها ..

ترى أحقاً أنها ليست مريضة و ليس هناك ما تحتاج إليه غير الإرادة و العزم و الإيمان ... ؟ و هل يمكن لهذه

المعنويات أن تصمد أمام زمن تتحكم فيه المادة و يخضع كل شيء فيه للأرقام و المخبر و النظريات المادية ؟ ..

هذا الضياع الذي تحياه أيمكن للعزم أن يهدّ أركانه ؟ .. و هذه اللوعة الكامنة و الدموع المتحجرة و الصرخة الصامتة

أيمكن للإيمان أن يحيلها إلى فرحة صغيرة و بسمة وديعة و نداء هامس رقيق ؟ .. أيمكن أن تشهد هذه الجدران في

ليلةٍ ما عُرساً للروح بعد طول حزن و سهاد ، و فرحة للقلب بعد طول أسىً و نواح ؟! أتثمر شجرة الجياة يوماً بعد

أن جفّ عودها و تكسرت أغصانها و ذبلت أوراقها و نضب ماء الحياة فيها ؟؟ أيمكن لخريف حياتها أن ينقضي

فيخضرّ العود و تورق الأغصان و تزهو البراعم .. أيمكن أن يحدث كل ذلك ؟ ... و راحت دموعها تنهمر بصمتٍ

و قلبها يضطرب فطالت بها اللحظات و امتد بها الزمن .. و طوَّقتها ذراعا الكرى بحنو و إشفاق و احتضنها الليل

بصدره فكفكفت دمعها و ضمت يديها إلى صدرها و هتفت بخشوع : يا رب .. ثم استسلمت للرقاد ...



* * * * * *


كانت مها قد استلمت مجموعة الأوراق التي طلبها الدكتور هشام و هي توصلها إلى

البيت مساءً و سلّمتها إلى أخيها عند عودته إلى البيت بعد انتهاء عمله .


و بعد أن طوى الدكتور هشام كتابه الذي أنهى مطالعته امتدت يده إلى تلك المجموعة و هو يأمل أن يجد بين ثناياها

ما يعينه على الوصول إلى خبايا تلك النفس التي آلمه حيرتها و تمزقها .. فما أكثر الحيارى في هذه الحياة .. وما

أكثر الذين ضلّوا الطريق و تشعبت بهم المسالك .. و هو يأمل بعونٍ من الله أن يعينها في البحث عن ذاتها و

رسم معالم الطريق لها .. طريق جديد يحفه الأمل و ينيره الإيمان .. و يوصلها إلى شاطىء السعادة و الهناء ..

و راح يُقلبِّ الصفحات حتى استوقفته سطورٌ بات يتأملها بعمق ..
البريئة
آملُ لكم مُتابعة شيّقة بإذن الله happycrying.gif
ام حبيب
طفولة : قرأتها مراراً ، لكنّي لا أسأم منها أبداً ! جميلة القصه وفيها معاني ومغازي إختيار رائع أكيد أعجبتكم مشكورررررررررررررررر طفولة
أبو يوسف
قصة جميلة
طفولة
cowboy.gif
ما هو عنوان الفصل القادم؟!
البريئة

صَرخات مكبُوتَة




شموسة
مشكورة اختي علي القصة العجيبة
تسلم ايدش الرئعة
تحياتي لكي شموسة
طفولة
في انتظاره smile.gif
البريئة
صَرخات مكبُوتَة


( حدّثني أيها البحر و ادفن بين موجك المتلاطم آلامي .. اطفىء لهيب التساؤلات في روحي .. أما يستطيع هذا الموج الزاخر العاتي أن يذيب جلاميد الحزن في قلبي ؟؟ أود لو أرتمي بين أحضانك أعانق أمواجك .. أذوب بين حناياك .. يحتويني صدرك الكبير .. تمسح عن فؤادي تراكمات السنين فيعود غضاً غريراً يخفق كقلبِ الصبّ الذي اجتاحه لأول مرة ..

بهذا القلب أناجيك .. أحس به يضرب جوانب صدري لهفاً يريد الفرار إليك .. ينحني الأفق على مداك البعيد .. يقبّلك .. و لا تفترقان .. وما أحلى أن لا يفترق المحبّ عن حبيبه ..

أعشق هذا التململ في موجك .. أهواه .. يمس مني الشغاف .. وهذا اللجين الذي يتضرع على صدرك بهمسٍ دافىء حنون .. يسحرني .. يسكرني بلا كأس .. فما أروع يد الله التي أبدعت و أودعت فيك بعض خفايا روعتها و فتنتها ..

أغار من الساحل يحتضنه موجك و تلثمه قطراتك المتمردة .. أغار من حبات الرمل تحتويها بجلالك و جمالك و بهائك .. أغار من شاطئك تلعب لعبة الكرّ و الفرّ و الإقبال و الإعراض .. و كأنك بإعراضك عنه تزيده لهفةً و شوقاً إليك .. لكنك عشقت هذا الإقبال و الصد و وجدت فيه سرمدية جمالك و عظمتك ..

و حين تستفزّك الريح تُفارقك وداعتك فيضطرب سطحك و يهيج موجك فترغي و تزبد و تضرب الشاطىء بعنفٍ و تلطم رماله الناعمة بشدةٍ فأين عناقك له ؟!

أيُ صورتيك أحب إلى قلبي و أقرب إلى وجداني و كلتا صورتيك هما نفسي و روحي في صفائها و هدوئها .. في انفعالها و تمردها ..

يضطرب قلبي بين يديك كما تضطرب صفحتك عند إلقاء حجرٍ فيها .. و تتململ روحي أمامك كما يتململ موجك بين يدي الريح .. كلاهما يعبث و كلاهما يُعذّب..

ماذا تعني اللحظة التي تنتشي بها الروح أيها البحر ..؟ قد تكون قصيرة جداً في عمرها الزمني لكن عطاءاتها تمتد فتشمل مساحة كبيرة من النفس و الوجدان و العاطفة و الإحساس ..

هنا أكاد أذوب وجداً .. أعبر مسافاتٍ زمنية واسعة فوق موجات الحالم .. يأخذني هديرك إلى عوالم أثيرية حالمة كهذا الضباب الذي يلف أفقك المترامي..

ماذا تعني ساعة الحلم أيها البحر؟ .. أتراني في هذا الحلم أبحر على أديمك في قاربٍ أثيري أتطلع إلى الجبال التي تحتضن سفوحها شاطئك الساحر تكللها أشجار الزيتون و تتمايس عندها أغصانها .. يلفّني عطرك الأخّاذ بوشاحٍ شفاف .. تأخذني نسماتك الساحرة بعيداً عن كل أحد .. بعيداً عن كل حيّز زمانيّ أو مكاني .. أفتراني في هذا الحلم أم أنني أعيش واقعك حقاً؟! أنظر إليك .. أتلمس الأحجار الإلهية الرائعة .. نعم أيها البحر .. وددتُ لو تنتهي الحياة عند هذه اللحظة بكل عذربتها و جمالها و جلالها و بهائها ..

أحبك أيها البحر فأنت عالمي الحالم و دنيا الإلهام التي أبحر فيها .. قاربي قلبي ، و مجدافي هذا اليراع .. أحياناً أنسى معك حتى الحزن ؛ فلا أحسّ إلا بك و لا يلفني إلا عطرك و لا يغمرني إلا فيضك ..

وتثور فجأة أيها البحر وتضطرب .. تتحول نغمات موجك الساجي إلى صخب هائل .. أجلس عندك أفترش الرمل.. أكاد ألثم أطراف موجك الصاخب .. يتطاير الزبد حولي بلا مبالاة .. تتلاحق الأمواج باضطراب وعنف شديدين .. ترتفع إلى أعلى بشموخ ثم تهوي .. ويضطرب قلبي بقوة .. أحبك الآن أكثر .. أحس بثورتك تتجاوب مع ثورة نفسي في أعماقها .. مساحة تمردك واسعة شاسعة هائلة لكن ثورة نفسي تحتدم بشدة في مساحة ضيقة فتحرق ما حولها ببطء قاتل شديد ...

بودي لو أعتلي صهوة موجك العاتي .. أحتضنه أضمه إليّ .. أدفن رأسي بين طياته .. أنا هنا كحبات هذا الرمل الندي .. كالحصى الصغيرة على شاطئك بحاجة إليك ... بل في ظمأ موجعٍ إليك ..

قرص الشمس يحتضر عند الأفق قد اصطبغ بحمرة قانية يتوارى حزيناً خلف قمم الجبال.. وأنت يزداد هيجانك وتعلو أمواجك ويشتد صخبك .. تتمرد .. تحتج .. ترفض .. بأسلوبك الثائر هذا.. الفريد هذا..

يفرش الزبد مساحات واسعة ببساط أبيض رائع .. تحتويني أنت لكل هذا العنفوان .. تغمرني بكل هذا الشموخ .. تذيب كل أحاسيسي في غمرة هيجانك وثورتك فلا أحس إلا بك ولا أتطلع إلا إليك..

ليتني أرتمي على صدرك أيها البحر أبكي عنده .. أفترش موجك الهادر .. أتوسد صفحته .. أنا لا أجيد السباحة عندك ولكني أجيد العشق معك!..

أود لو أركض هنا عارية القدمين .. أتحسس دفء موجك وأتلمس ثناياك .. وأمد إليك يدي فتغمرني بموجك إلى أعلى .. أحس بسعادة طفولية .. ألمس هنا الزبد الهائج .. يطاردني فأفرّ منه وأعرض عنه .. ولكن كما تعرض العذراء الخفر وهي راغبة!..

ويزحف الظلام .. وتزداد أنت روعة وبهاء .. وتزداد هيجاناً وثورة .. تلطم الشاطئ بعنف لم أعهده .. حتى أنت تعرف القسوة أيها البحر ؟!

فمن يضمن لي الحنان في دنياي ؟!؟ ،

أسند الدكتور هشام رأسه إلى كفيه ومدّ جسده المتعب فوق السرير .. وراحت النسمات التي تتسلل عبر النافذة تخترق إحساسه وتعبث بأطراف الأوراق التي كانت إلى جانبه ..

راح ذهنه يتأمل بعض السطور التي مرت به ويحاول أن يغوص في أعماقها ويستشف معانيها .. فكلاهما صاحب قلم .. هو يمتلك ناصية قلم مبدع خلاق يشهد له الكثيرون بعمق التأثير في الأفكار والدقة في الوصول إلى أذهان الناس والقدرة على كسر الحواجز الفكرية بينه وبين قرائه .. وهي تتدفق الكلمات من بين أناملها كجدولٍ صافٍ رقراق نمير .. فهو يراها حيناً رقيقة كنسمة ؛ وحيناً هائجة كإعصار .. ويجدها ساعة وديعة كفراشة ؛ وساعة ثائرة كلبوة .. وهذا التناقض في إحساسها ومشاعرها وشخصيتها وتكوينها يكسبها رونقاً خاصاً ويضفي عليها طعماً مميزاً ..

ترى ماذا تفتقد هذه النفس الحائرة ؟ وأيُّ بلسمٍ يمكن أن يداوي جراحها ؟ وأي سبيل يمكن أن يسلكه كي يعيد الاطمئنان إليها ويزرع الثقة في ذاتها ويجعلها توقن أن الحياة لها وجهان لا وجهاً واحداً ، وأن الإنسان يستطيع أن ينظر إليها بأكثر من منظار .. فهي كطيف الشمس يحسبه المرء لوناً واحداً في حين تتماوج في حقيقته الألوان ..

وأحس بالحاجة إلى مزيد من السطور فعاد يقلب الصفحات كأن يبحث عن الإجابة بين ثنايها ويستنطق سطورها ويستشف خباياها .. فإذا به أمام هذه السطور ..


( في الروح ظمأ صارخ للحب .. للحنان .. للوفاء ... لمعانٍ لم تعد تحيا إلا على السطور .. في القلب حنين جارف للصفاء .. للنقاء .. للهناء .. للحظات ينتشي بها الوجدان ويعيش الإنسان فيها معنى العطاء والبذل ... في النفس أمل في الانطلاق.. في الانعتاق .. في التجرد .. أبحث عن المراكب الغارقة في حطام السنين .. أغوص في عمق الزمن أمسح عن لآلئ الأمل ما تراكم فوقها من صدأ الأيام .. أستجدي بسمة صافية من شفاه الزمن العابسة .. أستمطر حناناً تجود به سحابة مجدبة .. ألوذ بالرجاء الكاذب أطرق بابه ولا من مجيب ..

إلامَ أعدو خلفك أيها السراب الكاذب وتهزأ بي ؟ تسخر منيّ ! .. تشمتُ بي ؟ .. أما يشفع عندك دمعي الهتون ولا نحيبي الحزين ولا أنيني الموجع ؟ .. أما ترق لمهجة أذابها الألم وصهرها العذاب ؟ .. أصرخ في عمق الزمن فلا أسمع إلا ترجيع صرخاتي .. أعدو في بيداء الحياة القاحلة فتكل خطواتي .. أندب شباباً يذوي وعمراً يذبل وحياةً تنطفئ ..

أتوسلُ بلمسةِ يدٍ حانية تحتوي ارتجاف أناملي .. وبصدر حنون أدفن عنده اضطراب قلبي .. وبفؤاد طاهر أودع عنده أصداء روحي ..

من للفكر الحائر تتقاذفه عواصف هوج تهوي به في مفاوز الهلاك ؟ .. من للعمر الضائع تتلاعب به الآلام والمآسي فتتركه مجدباً لا أمل فيه ولا رجاء ؟.. من للكيان المتهالك تتناوشه أنياب اليأس والقنوط فتعبث به بلا رحمة ولا رأفة ؟؟ .. من للشباب الغض تفترسه الهموم والأحزان فتسرق منه نضارته وتسلبه أجمل أويقاته ؟؟ .. من ؟؟ .. من ؟ .. من ؟ ...

وتسائل الدكتور هشام مع نفسه .. أيمكن أن تكون هناك نفس بهذه الشفافية والصفاء ؟ .. أما زال رحم الزمن قادراً على إنجاب قلب بهذا الطهر والنقاء ؟ .. لقد تكدرت النفوس بآثامها و ران على القلوب صدأ الخطايا ، واسودّت الضمائر بعزوفها عن الطريق السوي ، وراح اللهاث وراء المادة بكل ألوانها وصنوفها ودروبها ومبرراتها يبعد النفوس عن الصفاء والقلوب عن الطهر والضمائر عن اليقظة .. فهل يمكن للورد أن يزهر في غياب الربيع وللثغر أن يبسم في عزِّ الدموع ؟!..

قد ترى بين الصخور القاسية وردة بيضاء طاهرة نبتت في قلب الجدب و أورقت في صميم الجفاف وأزهرت في ندرة الغيث ، فكيف تسنّى لها أن تحيا وكل ما حولها موسوم بالموت والفناء والعدم ! ...

عجيب أمرها هذه الحياة .. تفقدنا الرؤيا في عزّ النهار ، و تمنحنا البصيرة أحياناً في غياهبِ الليل .. فما الذي طرّز صدر الليل بالسنا ، وما الذي حجب كل شعاع الشمس عن مقلتين صغيرتين ؟ .. أهما الأمل و اليأس ؟ الرجاء و القنوط ؟ العطاء و المنع ؟ و بين كل معنيين يزهر عمر أو يذبل آخر و يتفجر نبع أو تنطفىء حياة ...


انتصف الليل منذ أمدٍ غير قصير .. و أوشك الدكتور هشام أن يجمع ما تبعثر من أوراق بين يديه و يستعد لقيام الليل الذي دأب عليه منذ نعومة أظفاره .. وراح يُلقي نظرةً باسمةً على مجموعة السطور التي أمامه حتى استوقفته كلمة (الدمع) فشجت ابتسامته و ازداد رغبةً في القراءة و حُباً في الاطلاع و ما زال في الليل متّسع .. فاضطجع من جديد و عاد يقرأ :

( مِنْ أيّ نبعٍ في الوجود أنت أيها الدمع ؟ أفي العين ولادتك و من المآقي تدفّقك ، أم أنت نزفٌ من القلب و نبض من الوجدان ؟ .. أتراك مجرد قطرات تغسل العينين و تريحهما كما يدّعون ؟ .. لا .. بل أن حِمَمٌ تقذفُ بك أعماق البركان الثائر في النفس ، المتفجر في الروح ، المتمرد في الكيان ؟ ..

مِنْ أيّ نبعٍ في الوجود أنت أيها الدمع ؟ أتراك رسول الرحمة يغسل عن النفس أحزانها و يمسح عن الروح أشجانها ، أم أنت من لهبِ النيران تحرق بقايا الرغبة في الأعماق ، و تدكّ ما تبقى من صروحِ المقاومة في الجسد ؟ ..

مِنْ أيّ نبعٍ في الوجود أنت أيها الدمع ؟ .. أتُراك بقايا الروح التي اعتصرها الحزن و أذابها الوجد فتحولت إلى قطراتٍ لتسيل بصمتٍ و تنحدر بهدوء ؟ .. أفما تُرى عذاب الجسد بين يديك و اختلاج الروح عند تدفّقك ؟ فإن كنت مجرّد قطرات كما صوّروك فاطفىء سعير الألم الذي يعصف برأسي و يهدّ كياني .. و لكن أتطفىء النارُ النار؟ ..

مِنْ أيّ نبعٍ في الوجود أنت أيها الدمع ؟ .. أفيك بعض من السر الإلهي أودعه قطراتك فصرت للمهموم أنيساً و للمحروم رفقياً و لمن عافه الكرى نديماً و سميراً ؟ .. فتدفق ثائراً كالحزن عنيفاً كالألم ، متمرداً كالعذاب ، هادراً كالطوفان ، متجبّراً كالقهر .. و حطِّم ما تبقى فلم يعد هناك من أو ما يقف دونك ! ..

و أحسّ الدكتور هشام بظلال الحزن تزحف إلى الشغاف منه .. تُبعد عن جفنيه الكرى .. تراقصت أسئلة وفاء كلها أمام عينيه .. بل كأنّ الإنسانة ذاتها استحالت إلى سؤال .. سؤال تجمَّد على شفتي الزمن .. سؤال حائر بدون جواب .. و لم تعيش النفس الإنسانية هذه الحيرة و الطريق أمامها واضح مستنير ؟ .. ولم تتعثر في خطواتها و الدرب دونها واسع فسيح ؟ .. إنّه الضياع .. إنّه البعد عن المصدر الحقيقي للنور .. للهداية .. للسعادة الأزلية .. )

طفولة
unsure.gif
مسكينة هذه النفس المتعبة! blink.gif
طفولة
shifty.gif
بانتظار الفصل القادم smile.gif
البريئة
النجاة


جلست وفاء إلى جوار مها في قاعة الانتظار بعد مرور أسبوعين على زيارتهما الأولى لعيادة الدكتور هشام .. كان يبدو عليها الانهماك في مطالعة مجلة طبية صفت ضمن مجلات عديدة على منضدة مجاورة .. لكن ذهنها كان يحلق في أجواء غير تلك الصفحات التي تتطلع إليها ...

ها هي تعود من جديد إلى هذا المكان تحتويها نفس الجدران و يضمها المقعد ذاته .. لكنّ الأفكار التي كانت تعصفُ في رأسها آنذاك هي غير الأفكار التي تراود ذهنها هذه الساعة .. و النفس التي كانت تعيش العذاب و القلق و التوتر حينذاك هي غير هذه النفس التي راح الاطمئنان و الهدوء يزحفان إليها رويداً رويداً ..

ترى بم ستجيب الدكتور هشام حين يسألها عما آلت إليه صحتها و وضعها النفسي ؟ .. كيف سترفع بصرها إليه و قد قرأ كتاباتها التي أودعتها همومها و نزف جراحها ؟ .. و كيف سترد عليه و قد اطلع على دخيلة نفسها و عرف عنها أكثر مما يعرفه غيره بعد أن عرَّت سطورها هذه النفس التي أغلقت دون الآخرين و ضربت من حولها ستراً لا يخترقه أحد؟ ..

لماذا استسلمت لطلبه و سلّمته سطورها ؟ ألأنها وجدت فيه طوق نجاة حاولت أن تتشبّث به لينتزعها من بين الأمواج العاتية التي كانت تصارعها و توشك أن تهوي بها إلى قاع الهلاك ؟ .. ألأنها وجدت فيه اليد الرحيمة الصادقة التي تأخذها إلى منابع النور الحقيقي و تحاول أن توصلها إلى شاطىء الأمان و ترسي مركبها الضائع المتهاوي إلى مرفأ السعادة الحقيقية ؟ .. إلى دنيا الإيمان الرائعة التي حدثها عنها و قاد خطواتها الأولى إليها .. إنّها لتستشعر تلك النفحات الإيمانية الرائقة تلامس منها شغاف القلب و تعانق فيها الروح ..

حاولت طيلة الأيام الماضية أن تقارن بين النظريات المادية و الفلسفيات السائدة ؛ و بين هذا الشعاع الذي ينطلق من ذات الإنسان ببراءة و عفوية لا تحدّه حدود و لا يحتاج إلى رتوش .. فكيف يمكن لمصباح صنعته يد مخلوق أن يرقى إلى منبع الضياء الحقيقي .. وكيف يمكن لنظرية وضعيّة تحتمل الخطأ و الصواب أنتجها عقل بشري أن ترقى إلى دستورٍ إلهي وضعه بارىء النفوس إذ هو أعلم بدخائلها و أبصر باحتياجاتها ... ؟! .

حاولت بعد قرءاتٍ عديدة أن تضع - ما أمكنها - بعض الأجوبة لأسئلة طالما ألحت عليها .. ما القضاء و القدر ؟ ما البعث و النشور ؟ هل الإنسان مسيّر أم مخيّر ؟ ما الغاية من خلق الإنسان و جعله يعيش العناء و التعب و الكدّ في هذه الحياة القاسية ؟ ما المعنى الحقيقي للسعادة و الشقاء ؟ ما هو الهدف الأمثل الذي يجب أن يسعى إليه المرء في حياته هذه؟ ..

لكنها مع كل ذلك تخشى أن يعصف الألم بتلك الذبالة فيطفئها .. أو يدوس الشقاء تلك النبتة الفتية فيقتلها .. لكن الذي أوكلت إليه أمورها لن يخذلها و لن يُسلمها .. فعلى بابه وقفت تطرقها بيد الرجاء .. و إليه التجأت و بساحته أناخت رحلها .. و لقد علمت أنه الكريم الذي لا يُردّ سائله و لا يُخيب آمله !..

ومدت مها يدها لتقطع حبل ما اتصل من تفكيرها وهي تربت على كتفها :

- هيا يا عزيزتي فقد حان موعد دخولنا ..

و سارت وفاء إلى جانبها و هي مشفقة مما هي مقدمة عليه و جلة القلب مترددة الخطوات .

ترك الدكتور هشام مقعده مرحباً حينما أطلّت عليه وفاء برفقة مها .. و ارتسمت على ثغره ابتسامة عريضة و هو يقول محتفياً :

- أهلاً بالأديبة اللامعة و صاحبة البيان الساحر.

فتورد وجه وفاء بابتسامة خجلى و غضت طرفها هامسة :

- شكراً لهذا الثناء الذي لا أستحقه.

فعاد إلى مقعده و مازالت الابتسامة تضيء ملامحه فرّد:

- بل أنت له أهل .. و الآن تفضلي و حدثيني .. لقد منحتك فترة أسبوعين قبل أن تعودي إليّ .. و هي فترة كافية لأن تبدأ بها مسيرة حياة جديدة على أسس سليمة و قواعد متينة .. فهلا حدثتني عن خطواتك.

مضت وفاء تصف له كيف بدأ الاطمئنان يزحف إلى قلبها ما بين توجّه إلى الله و تلاوة كتابه و الاستعانة بالدعاء في طرد أشباح القلق و الخوف و تحطيم جدار الوهم الذي كان يقف حائلاً بينها و بين الانطلاق من قيود الألم و العذاب و الدموع ..

فعقب الدكتور هشام على حديثها :

- لقد نشرت إحدى المجلات أنّه بالرغم من تقدم العلم و أجهزة الطب في أمريكا فإنهم صاروا يعالجون أمراضهم بالصلاة و الخشوع و الدعاء إلى الله .. فقد أوجدوا هناك وحدة لشفاء الأمراض المستعصية عن طريق الإيمان بالله ، أي عن طريق الصلاة و الدعاء و الابتهال إلى الله سبحانه و تعالى و مناجاته ليتم نعمته على عبده مهما كانت ديانته ، و هذه الوحدة التي سموها (وحدة العلاج الرباني الساكنة ) تمارس العلاج بالاستشفاء عن طريق الصلاة و الدعاء .. و الذين يقومون بعمليات العلاج و الإشفاء أناس على جانب كبير من الطيبة و المروءة و دماثة الأخلاق؛ حيث أنهم لا يتقاضون إلا أجوراً رمزية .. و لا يعوزهم العلم أو الثقافة .. وهم ينتمون إلى أجناس و عقائد و أديان متعددة..

و يقول (بوب بارت) رئيس هذه الوحدة : إننا ننشد الكمال في كل شيء من أجل الله .. و شعارنا هو العمل من أجل الجميع .. بحيث يكون عملنا هذا من الدرجة الأولى في العناية و الاجتهاد ..

و قد قامت (قرية يونيتي) أو (مدينة الاستشفاء بالإيمان) بمبادرة أحد أبناء المؤسسين الأوائل و يدعى (ريكرت فيلمور) و هو مهندس معماري على مساحة خمسمائة و ستين هكتاراً من الأراضي العامرة بالحدائق و نوافير المياه .. و يتوسطها مكان عبادة ينعم فيها المصلي بالهدوء و السكينة .. و زُودت بكل وسائل الراحة الحديثة .. و يتدفق عليها الناس من كل مكان من أنحاء العالم .

أما بالنسبة للمصلين الذين يؤدون الصلاة فلا بد أن يكونوا ممن يثقون في القدرة الإلهية لشفاء الناس و يقال أن نشأة هذه القرية تعود إلى أنه في عام 1889 أصيبت (ميرتيل) بمرض صدري ، و يئس الأطباء من شفائها .. و ذات مساء سمعت أحد الميتافيزيقيين يُصرّح في أحد المؤتمرات قائلاً: (لقد خلقنا الله تعالى في أجمل تكوين أي في صورة ربانية جميلة و ممتازة .. و من ثم فإن المرض ما هو إلا انعكاس لشعور الخوف الذي يتملكنا). و كانت هذه الجملة كفيلة بأن توحي إلى (ميرتيل) بمطلبها إذا قالت لنفسها : (لقد فهمت الآن : أنه يمكنني أن أتحدث إلى الحياة في كل جزء في جسمي .. و أن أعمل ما أريد من أجل شفاء هذا الجزء) . و أخذت (ميرتيل) تخصص عدة ساعات للصلاة كل يوم .. وكان أن كتب الله لها الشفاء .. و بمساعدة زوجها ثم أولادها و أحفادها من بعدها نشأت هذه الوحدة.

يقول (فوستر ميكليلان) : إن معظم الأمراض التي تعاني منها البشرية الآن هي أمراض تتمخض عن النفس الإنسانية .. كما أن كره الذات يولد أسؤأ الأمور .. إنّ الصلاة تنشّط الطاقة الكامنة أو النائمة في كل شخص .. و تعيد الحركة و النشاط إلى الأجزاء أو المناطق المشلولة.

و بعد هذا كله .. إذا كان هؤلاء الذين لا يدينون بدين الحق يثقون في قدرة الله تعالى على شفاء المرضى الميئوس منهم عن طريق الصلاة و الدعاء و الابتهال ؛ فما أجدر بنا نحن المسلمون و بين أيدينا كتاب الله وملء أبصارنا و أسماعنا و قلوبنا شريعة الحبيب المصطفى أن يكون لنا التوجه الصادق إلى الله تعالى و الابتهال و اللجوء إليه بعد الأخذ بالأسباب و صوت الحق يصدح ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ .

- لقد حاولت الاستغناء عن الحبوب المهدئة و المنومة شيئاً فشيئاً .. و كلما أحسست بالحاجة الجسدية إليها فزعت إلى الله أسأله العون و ذرفت بين يديه دموعاً كنت أحس ببرد تأثيرها على أعصابي مما تمنحه لها من الهدوء ، و على نفسي بما تسكبه من الصفاء..

- بُورك لك في خطواتك يا وفاء .. ولكن إياك أن تقفي في منتصف الطريق أو تلتفتي إلى الوراء أو تعودي القهقرى ... بل غذي السير و تطلعي إلى الأمام و ارفعي رأسك إلى منبع النور و اهتدي بهداه و استمدي منه القوة و الثبات .

- بإذن الله يا دكتور .. و لكني أشعر أحياناً كأن ناراً تستعر في رأسي، أو كأن أسلاكاً كهربائية تتقطع أوصالها فيه و هذا يسبب لي الكثير من الألم الجسماني و العذاب و المعاناة.

- إن هذا نتيجة للتوتر العصبي الذي عشته فترة طويلة ، و هو ردُّ فعل للإجهاد الفكري و النفسي الذي وقعت فريسة له .. فعليك بالاسترخاء و ممارسة الرياضة البدنية و خاصة المشي في الهواء الطلق .. حاولي جاهدة طرد الأفكار القاسية التي تسبب لك الحزن و الألم .. عيشي لحظات الصفاء و الانطلاق .. تحرري من سطوة الوهم و امنحي كل لحظة حقها من العطاء و البذل .

- و هذا الوهن و الإعياء الذي ينتابني أحسه يعيق روحي عن الانطلاق و يُسلمني إلى حالةٍ من الكآبة و الحزن.

- هذا حق فالروح القوية الصامدة تنطلق عن جسد قوي سليم .. لذا كان المؤمن القوي خيراً و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف .. عليك بالغذاء الجيد المتوازن و النوم المبكر فهما صحة للبدن و سلامة للروح .

فابتسمت وفاء ابتسامة شاحبة و ردت بهدوء:

- و لكني لا أجد إلى هذين الأمرين سبيلاً .. فليس في النفس رغبةٌ في طعام أو شراب ، و لا يستطيع النوم أن يجد طريقه إلى جفنيّ إلا بعد عذابٍ و عناء

- إن النفس التي ترفض الطعام تعبّر عن رفضها للحياة في قرارتها .. لأنها تعلم أن الطعام أحد سبل ديمومة هذه الحياة .. فهي لا تجد الرغبة فيه لأنها لا تجد الرغبة في الحياة ذاتها .. ولطالما نطق قلمك بهذه الحقيقة .. و كذلك النوم .. فقد جعل الله جلّ شأنه الليل دون هذه السكينة أمورٌ عافت العيون الكرى و هجر الجسدُ الرقاد..

- هذا عينُ الصواب ، فأنا أجد أعصابي حينما ألجأ إلى النوم أشد ما تكون توتراً و تعباً ، و لذا لا استطيع الاستسلام للنوم إلا بعد أن يأخذ التعب و الجهد مني مأخذهما .

- و الآن .. و بعد أن وضعنا أيدينا على موطن الداء علينا أن ننطلق في رحلة الدواء : لا للقلق - لا للإجهاد الفكري و النفسي .. لا للتوتر العصبي .. لا للحزن و اليأس .. مرحباً بالحياة المعطاء المليئة بالأمل الزاخرة بالعمل .. مرحباً بالنور يغمر الروحَ و القلبَ و يطرد أشباحَ الوهم و الألم .. مرحباً بالصفاء يغسل عن النفس -بالحب- كلَ ألامها و يُطهّرها من أدرانها و يفكّها من قيود أسرها .. مزيداً من الثقة بالنفس .. مزيداً من العطاء البنّاء .. وداعاً لكل المعاناة و ما ترتّب من آثارها ..

ثم استدار الدكتور هشام نحو مها مخاطباً :

- مالك صامتة يا مها ؟ و لماذا لا تدلين بدلوك في الحديث أوّلستِ معنا؟

- و ما عساي أن أقول و أنا بين طبيبٍ هُمام و صاحبةِ قلمٍ و بيان؟ فأنتما لم تتركا لمعدمٍ مثلي حواراً و لا ردّاً ..

فابتسم الجميع .. ثم تطلعت وفاء إلى ساعتها فهالها مرور الوقت بهذه السرعة فنهضت عجلى قائلة :

- لقد أخذت من وقت الكثير يا دكتور هشام .. و أنا شاكرةٌ لك جهدك و نُصحك و إخلاصك .. و داعيةٌ لك بالتوفيق و السؤد و جُزيت خيراً ..

و نهض الدكتور هشام بدوره مودعاً و معقّباً :

- الشكر لله الذي ألهمنا الصواب و دلنا على الطريق راجياً لك تمام الصحة و الشفاء و العافية و الهناء و عليك بتناول حبوب الفيتامينات بانتظام .. و سأترك تحديد موعد الزيارة القادمة لكِ أنتِ .. و في أمان الله ..

خرجت وفاء برفقة مها و هي تحس بأنّها تركت عند باب تلك الغرفة حملاً ثقيلاً كانت تنوء به .. فإذا هي أخف حركة و أكثر انطلاقاً و أشد عنفواناً .. و أقبلت على مها بكل كيانها و هي تشد على يدها و لسانها يلهج بالشكر و الثناء :

- أحدكم رُسل الرحمة الإلهية إلي ، و منبع الحنان و الوفاء الذي طالما شعرت بالظمأ إليه و افتقدته سني حياتي .

- إنّه واجب الأخوة يا وفاء .. و سأكون سعيدةً جداً و أنا أجدك ترفلين بأثواب الصحة و العافية و تنشرين البهجة من حولك و تعود الابتسامة الصافية تتوج مُحياك من جديد .. و ها أنا أدعوك لزيارتنا الآن ، فما زال لدينا متّسعٌ من الوقت حتى موعد العودة إلى البيت .

- و لكن لعل الليل يدركنا!.

- لا يا وفاء فمازال في الوقت سعة .. و أحب أن تتعرّفي إلى الوالدة فلطالما سمعت عنك الكثير و هي تتوق إلى لقائك..

- حُباً و كرامة .. و هيا بنا على بركة الله .
البريئة
طفولة : مُتابعتُك تُسعدني happy.gif .

أشكركُ كُل من يُتابع الروايةِ بصمتٍ smile.gif .
البريئة
الخفقة الأولى


كان الحديث قد تشعب بين ليلى وخالتها حين دلفت مها برفقة وفاء إلى صالة الاستقبال.. وقامت مها بتعريف الضيفتين ببعض.. ولمست وفاء حُسن اللقاء وطلاقة الوجه من ربة البيت.. والتفت والدة هشام إلى وفاء بعد أن اتخذت مكاناً إلى جانبها حيث أنست فيها ذاك الجمال الهادئ تُتوّجه مسحة الحزن، وذاك الحياء الذي ينطق به محياها، فقالت:

- لقد حدثني هشام عنك طويلاً وذكرك بما أنت أهل له.. كما أعلم مدى تعلق مها بك واعتزازها بشخصك وهذا ما جعلني أتوق للقياك.. وها هي الصورة تكتمل أمامي بهذا الإطار الرقيق الجميل.. فأهلاً بك.

أحست وفاء بالتعبير يخونها فأجابت بكلمات متعثرة:

- إنني أشعر بالسعادة تغمرني وأنا بينكم.. وألمس كل رعاية وحنان من كل فرد منكم.. وهذا يجعلني أحس بدفء العائلة معكم.. ولكم أنا شاكرة لله فضله، حامدة له نعمته.. لقد بذل الدكتور هشام يرعاه الله الكثير وهو يوصلني إلى شاطئ الأمان والاستقرار.. وها أنا الآن أقرّ عيناً وأهدأ بالاً.. لقد كانت رحلة إلى الله ما زلتُ أحثّ الخطى فيها.. أوَليس العمر كله رحلة قصيرة بين محطتين!.

- صدقتِ يا وفاء.. وطوبى لمن تزود لهذه الرحلة وأعد لها عدتها.

وتساءلت ليلى بمكر:

- ما الذي كنت تشكين منه يا وفاء حتى لجأتِ إلى هشام للعلاج؟

- كانت حالة من التعب النفسي والفكري احتجتُ فيها إلى يدٍ أمينة تنتشلني من ذاك الضياع الروحي بعد أن سدّ اليأس كل منافذ الرجاء في ذاتي وتيقنتُ أنني صائرة إلى الهلاك لا محالة.. فهيأ الله جلت قدرته لي ذلك على يد الدكتور هشام.

فردت ليلى بخُبثٍ مُبطّن:

ولماذا لم تلجئي إلى مستشفى الأمراض العقلية والنفسية وتمكثي هناك طلباً للعلاج؟

شعرت وفاء بطعنةٍ قاسية أصابت قلبها وروحها.. وجالت في مقلتيها دموع حائرة وهي تتطلع إلى مها بلوعةٍ صامتة ونظراتٍ حزينة..

وأدركت أم هشام قسوة الموقف ومدى الجرح الذي أصاب وفاء وهي في بيتها وضيافتها فتطلعت إلى ليلى بغضب:

- ما الذي تعنيه بقولك هذا يا ليلى؟ وهل كل مَن يقصد الدكتور هشام للعلاج بحاجة إلى مستشفى الأمراض العقلية؟ هذا هراء.. وهل نسيتِ أنت الفترة التي خضعت فيها للعلاج على يديه بعد الأزمة النفسية التي تعرضتِ لها؟ .. إنّ هذا مُناف للذوق ومخالف للأصول كما أرى!

تملك وفاء الحرج إزاء ما حدث ورأت أن تتدارك الموقف بحكمة، فنهضت تقول:

- أرى أن الوقت أدركني يا خالتي وأنا مضطرة للانصراف.. ألتمس منك العذر وأشكركم.. أستودعكم الله.

وعند الباب عانقتها أم هشام بحنوٍ وحب وشدت على يدها قائلة:

- أنا بانتظار زيارة أخرى يا وفاء.. وسأكون سعيدةً جداً بذلك..

وقبل أن تفتح وفاء الباب وصل الدكتور هشام فعاجلته أمه:

- هيا يا هشام.. أوصل وفاء إلى بيتها ولتكن مها برفقتكم.. في أمان الله.

* * * * * *


علم هشام بما حدث عصر ذلك اليوم فآلمه الأمر أيما إيلام.. فهو يدرك رهافة الحس لدى وفاء، ويكاد يتلمس عميق الجرح الذي سببه حديث ليلى معها.. بات يحس بمسؤوليته تجاهها ويعترف أمام نفسه بعميق اهتمامه بها وحرصه على راحتها.. ويود صادقاً لو يبذل كل ما في يديه من أجل إسعادها.. فكيف تُجرح وهي في بيته، وكيف تُهان وهي في حمايته!

إن ليلى طائشة متهورة دفعها الحقد وربما الغيرة إلى هذا الموقف الأهوج.. وسيطلب من مها أن تقدم الاعتذار لها نيابة عنه..

وجد نفسه بحاجة إلى سطورها بدفء معانيها وحلاوة عباراتها ورشاقة ألفاظها.. إلى السيل المتدفق من الرقة والعذوبة والحنان فامتدت يده إلى مجموعة كتاباتها واستوقفته سطور استسلم لندائها:

(رُويدك أيها الليل.. أما يستطيع مداك البعيد أن يحتوي أحزاني وأشجاني.. أما يستطيع صمتك الموحش أن يُسكت أنّة الألم في قلبي؟ .. أما تستطيع أنت بكل ما فيك من عظمةٍ ورهبة أن تمسح دفق الدموع من عيني؟..

رُويدك أيها الليل.. أما ترى جفاف أيامي وكآبة ساعاتي؟ خذني إلى صدرك فقد أقفرت دنياي.. ضُمّني إليك فأنا أشعر بالخواء يملأ روحي والمرارة تلون كل ما حولي.. أجد العذاب ينهشني فهل تفهم العذاب أيها الليل؟.. هل ذُقتَ طعم لوعته؟.

يمتزج فيك الخوف والحب بشكل فريد.. أهاب ساعاتك يهدّني فيها السهاد ويضنيني الأرق.. أرهب صمتك يجسّد لي الوحدة والوحشة وأنا بحاجة إلى مَن يُهدهد هذا القلب ويناغيه ويناجيه.. أخاف منك أيها الليل إذ تغفو العيون وتسهر عيناي.. وتهجع الأجساد وأتقلب بين يديك كطير ذبيح لا يُدركه الردى فيستريح ولا هو يبرأ من جراحه فيطير.. أخشى نواح الريح تصفر بين جنباتك وكأنها موكب جنائزي يشيع شباباً ذوى وربيعاً انتحر..

حبيب أنت إليّ أيها الليل.. تسمع شكواي ولا تملّ وأذرف بين يديك غزير الدمع ولا تضجر.. أبثك لواعج هذه النفس فترنو نجومك إليّ بحنو وإشفاق.. فهل تسمعني أيها الليل؟..

قلبُ طفل هذا الذي يخفق بين جوانحي تُقنعه البسمة ويرضيه القليل.. قلب طفل هذا الذي تحتضنه أضلعي لم يعرف الحقد ساعةً ولا وجد الكره إليه سبيلاً.. قلبُ طفلٍ هذا الذي أحيا به فمتى يشب هذا الطفل ويكبر..

طويلة معاناتي أيها الليل.. فهل هناك مَن يُدرك سرّ هذه المعاناة، وهل هناك مَن يعلم بالمرارة التي تتفجر في أعماقي؟..

إستمع إلى صدى نجوى حزينة تتكسر بين طيات ظلماتك أيها الليل.. تطلع إلى دموع تحجرت في مآقٍ أرهقها السهاد وحرّقها فيضُ المدامع أيها الليل..

لماذا يشتد أوار المعاناة في روحي كلما تمطت ساعاتك؟ وأي ألمٍ هذا الذي يعتصر كياني ويصهر في حممه قلبي.. يسحقه.. ثم.. ثم أجمع بقاياه الضائعة في قارورةٍ عطرٍ أهديها – فيما بعد – بسمةً إلى شفاهٍ حزينة!)..


أحس الدكتور هشام بهذه الشاعرية الساحرة التي ينطق بها الليل والتي جسدتها عباراتُ وفاء.. وأدرك مدى العمق الذي تستشعره نفس ملهمة كنفس وفاء لهذا الليل.. فلطالما ناجته وبثته لواعجها وسكنت إليه وسكبت على صدره عبراتها.. أوَليس هذا الليل أنيس كل حزين وسمير كل مسهد ورفيق كل مسافر ونجوى كل ذي حسٍ مرهف..

تقدم نحو النافذة المطلة على حديقة الدار.. أسند رأسه إلى قضبانها وترك النسمات الباردة تعبث بإحساسه ومشاعره وعواطفه.. السكون يلفّ المكان.. والصمت يرسم بريشته المرهفة ظلالاً من الشفافية والرقة..

النجوم تطرّز صدر الليل بتألقها وجمالها.. والقمر يبدو شاحباً وهو يودع لياليه المقمرة..

شعر الدكتور هشام بوجيب قلبه بين أضلاعه لأول مرة.. وها هو يضيف لليل بُعداً ثالثاً.. فلقد كان ـ قبل الساعة هذه الوقت المفضل للمطالعة والكتابة.. ثم هو محرابه الأثير تذوب عنده بين يدي خالقه روحه بين صلاة ودعاء وابتهال.. وها هو الآن مرآة صافية للتأمل والإحساس بالجمال.. ومسرح شاعري للخيال المتدفق والأحلام المتوثبة..
العمق.. الغموض.. المدى البعيد.. الجلال والجمال.. سمات لعالمين ساحرين فاتنين طالما رحلت وفاء بقلمها إليهما عبر السطور وأفرطت في مناجاتهما: الليل والبحر.. ولكل منهما سحره وروعته وجلاله.. وها قد ارتشف من سحر الليل بكأس روية مترعة وهو بحاجة إلى الكأس الأخرى يروي بها ظمأه.. إلى البحر ومناجاته..

وصار يقلب الصفحات من جديد بحثاً عن سطور تدنيه وتقربه إلى هذا العالم الجميل.. وكأن السطور تناديه تشده إليها وهو يستسلم لإغرائها باختياره وينجذب إلى ندائها بارادته..

لاحت له صفحة عليها بقايا قطرات جفت لم يتبين حقيقتها فدفعته اللهفة إلى كشف سرها ومعرفة كنهها فوجدها تنطق:


(أيُ حراب للألم أنت أيها البحر؟ .. يا مَن إليك طال شوقي وطال في بُعدك اغترابي.. تحنن على هذا الوجود الممزق أيها البحر.. واحتو في موجك الصاخب صخب عذاب أيامي.. خُذني إلى عنفوانِ الموج هذا في ظلامِ الليل هذا..
أذوب وجداً بين أمواجك وشوقاً وولهاً.. أفلا يشفع لي كل ذلك عندك؟ .. فأمسح برذاذك الحبيب هذا دموع وجلي واضطرابي..

تأسرني هذه الفتنة الطاغية النائمة بين أحضانك.. تلهب فيّ الشوق.. تُذكي بين جنباتي الحنين.. تشدني إليك.. تناديني.. وتلح في النداء..

هيجان موجك للعيان ظاهر.. وهدير صخبك يهزّ الأسماع.. وهيجان الألم وطوفانه في أعماقي خفي صامت.. صامت.. لا يترجمه إلا طوفان الدموع هذه في صمت الليل هذا..

لا تهزأ بهذا الدمع أيها البحر.. لا يستفنك تدفقه .. لا تقل أين موضع قطرات دمعٍ من أمواج بحرٍ زاخرٍ هادر .. لا تُعرض عن دموعي أيها البحر بل احتوِ ضعفها بقوتك وعذابها بحنانك وحرمانها بفيضك..

وتعانقني أطرافك.. تقبلني قطراتُك.. أتحسس دِفئها وحلاوتها على وجهي.. تزيدني إليك حنيناً وولهاً.. أفما ترى كيف يمتزج الدمع ورذاذك على السطور أيها البحر؟ .. فهل هفت قطراتك إلى جدب السطور؛ أم هي أشفقت على هذه الدموع فأرادت عناقها؟!.

إسرق من عمري لحظاتٍ ترتمي بين يديك أيها البحر.. لا أدري أأنشد السعادة أم الوهم.. الواقع أم الخيال .. الحقيقة أم الحلم؟! وكلها هي عندك .. فاجعل لي في قلبك الكبير ركناً قصياً آوي إليه هرباً من ذاتي ..

هو ذا قلبي لك أيها البحر مقفرة جوانبه .. خاوية عروشه .. أسير للوحدة .. نهب للشجن .. غريب في دنياه .. غريب في عالمه ..

فهل من يدٍ تمتد إليه فتحيي القفر في جوانبه .. وتملأ الخواء فيه .. وتبعد شبح الغربة عنه .. وتمسح الشجن عنه .. وتعيد الحياة إليه ..

وهل يطول انتظاري أيها البحر؟).


وحانت من الدكتور هشام التفاتة نحو الساعة التي تصدرت الجدار أمامه فألفاها جاوزت الثانية بعد منتصف الليل.. فجمع الأوراق وأودعها مكتبه، ثم توجه إلى حيث يتوضأ لقيام الليل..

* * * * * *


بقايا الدمع ما زالت عالقةً بأهدابٍ وفاء وهي تذرع الغرفة جيئةً وذهاباً وأنفاسها تزداد سرعةً واضطراباً.. لم يكن باستطاعتها مقاومة شحنة الانفعال في أعماقها والألم في صدرها.. كل ما في داخلها يضطرب يموج .. يتفجر .. تقاوم تارة وتستسلم أخرى .. تقنع تارة وتسخط أخرى..

أرخت جفنيها في دعة واحتوت رأسها بكفيها في إذعانٍ وراحت تتساءل بصوتٍ مسموع وكأن هناك مَن ينصت إليها ويستزيدها:

لماذا؟ .. نعم لماذا؟ .. أحاول أن أنسى فيأبى الزمن أن يترك لي حتى فرصة النسيان .. أحاول أن أهرب من وجعي وحزني فيتراءى لي الألم ساخراً هازئاً شامتاً .. أحاول أن ألتمس إلى العزاء سبيلاً فتأبى عليّ الدنيا حتى معنى الهروب!.

ما لي كلما لملمتُ الجُرح بعد الجرح هبت ريح عاصفة ففتحت الجراح كلها؟! .. ما لي كلما قلتُ أنني أدركت شاطئ الأمان ومرفأ السلام ادلهمت السماء وأرعدت وزمجرت فضلّ قاربي ولفت الحيرة روحي..؟! ما لي كلما حاولت نسيان الخِصام بيني وبين الدنيا ومددتُ لها يدي وفتحت لها صدري قلبت لي ظهر المجنّ وطعنتني من حيث لا أرتجي؟! ما لي كلما قلت للهموم وداعاً وللفرحة أقبلي ترددت ضحكة هيسترية ساخرة تهزأ بي؟! .. ما لي .. وأحست وفاء بدُوارٍ شديد يحجب الرؤيا أمامها.. بدا كل ما حولها يتأرجح.. يترنّح ..

أسندت رأسها إلى الجدار وتطلعت بلوعةٍ نحو النافذة .. القمر ينحدر عبر المغيب وقد اختنق نوره .. والنسمات العذاب تتسلل إلى أغوار النفس البعيدة .. رفعت عينيها إلى السماء وهتفت من أعماقها: يا رب .. وراحت تنصت إلى صوت عزيز يدعوها:

(أنتِ بحاجة إلى أقراصٍ من الإرادة وخُزانتها ذاتك.. وأنت بحاجة إلى حُقن من العزم ومصدرها روحك.. وأنت فوق كل ذلك بحاجة إلى الإيمان فهو المعين الذي لا ينضب وعنده يجد كل ظامئ ما هو بحاجة إليه من الصبر والأمل والرجاء) ..

وشعرت بجلاميد التوتر والعذاب والحزن تذوب .. تتلاشى .. وافترت شفتاها عن ابتسامةٍ ندية كبوح الفجر أضاءت وجهها وروحها وقلبها ..

ثمة سؤالٍ ظل يتردد في خاطرها ويلح عليها ..

ترى لماذا ينظر الناس إلى الطب النفسي نظرةً تختلف عن مثيلتها للطب العضوي؟ أفلا يمرض الكبد أو المعدة وتصاب الساق أو اليد؟ .. فلمَ الخجل والحساسية المفرطة إذا ما مرضت الأعصاب أو أصيبت نفس الانسان بخللٍ أو إجهاد! .. لماذا لا يتردد المريض في التوجه إلى طبيب الأمراض الباطنية والقلب؛ ويتردد في التوجه إلى العيادة النفسية؟.

متى ينكسر الحاجز النفسي بين الناس والطب النفسي فلا يعود هناك حرج في زيارة المريض لطبيب الأمراض النفسية، ودون أن يقترن ذلك بفكرة إصابة المريض بخلل عقلي أو لوثة جنون!؟.

إن ذلك يقع على عاتق الأطباء أنفسهم.. فعليهم أن يصححوا المفاهيم الخاطئة بالتوعية الصحية السليمة القائمة على ركائز علمية طبية صحيحة..


وابتسمت وفاء من جديد حين وجدت نفسها تصل إلى درجة الاقتناع هذه بالعقل والتفكير المتزن.. ولتصل إلى درجة أعلى من الاطمئنان والرضا..

نهضت وهي تردد: وهل يُرتجى غيث بدون سحاب.. وتوجهت للوضوء إلى حيث صلاة الليل والتهجد..
طفولة
مفاجأة جميلة وضعك جزئين دفعة واحدة smile.gif
شكراً جزيلاً البريئة smile.gif
بانتظار الجزء القادم smile.gif
البريئة
في الأسبوع القادم إن شاء الله 77_77.gif

بدأت الجامعة happy.gif
طفولة
اقتباس (البريئة @ 24-02-2007, 10:24 صباحاً)
في الأسبوع القادم إن شاء الله 77_77.gif

بدأت الجامعة happy.gif

biggrin.gif
نتمنى لكم التوفيق!
أحنا يعطونا امتحانات واختبارات وانتون توكم بتروحون! ظلم!
شذى الروح
السلام عليكم..

شكراً لكِ أختي البريئة ..
بانتظار الجزء القادم ..
مع تمنياتي لكِ بالتوفيق happy.gif

تحياتي
السيد الكامل
السلام عليكم,,
أذكر أني قرأت هذه الرواية للكاتبة مي الحسني منذ ما يقارب ال6 سنوات,,
و كانت الرواية قمة في الروعة و الجمال,,
اختيار موفق..
طفولة
clap.gif
جاء يوم الجمعة من المفترض أن تضعي الجزء الجديد اليوم..
طفولة
وجاءت جمعة جديدة بدون جزء جديد! blink.gif
البريئة
كوة الضّياء


كان فجر الصحوة الفكرية و الروحية الذي أشرق في سماء الكون قد أججّ لدى الشباب حماسهم و فجّر فيهم طاقاتهم .. فانطلقوا يرسمون معالم الطريق بالعرق و عصارة الفكر و الروح..

و بدأت أفواج الشباب بكل كوادرها الثقافية و العلمية و مستوياتها الاجتماعية تنجذب نحو مصدر الضياء و تسعى إليه بعد أن سقطت كل الأقنعة ، و بانت التيارات الفكرية المنحرفة - التي كانت تستهوي الشباب - على حقيقتها ...

لم تكن تلك المبادىء السقيمة و التيارات الزائفة لتطفىء ظمأ الروح إلى السعادة و ظمأ العقل إلى الحقيقة .. فهي على اختلاف مسمياتها و اتجاهاتها لا تلبي للإنسان سوى مطالب جسدية مؤقتة أو فكرية عقيمة ..

كان الشباب قبل طلوع ذلك الفجر يتخبط خبط عشواء بين مختلف الاتجاهات ؛ لا يجد من يأخذ بيده إلى الطريق السوي .. و إيقاع الحياة السريع يدفع بالجيل المطحون إلى هوةٍ لا قرار لها .. و هو مسلوبُ الإرادة منزوع الثقة .. تاهت في دروب الضياع خطواته ... و تمزقت مع العواصف الهوج أشرعة مراكبه .. فكان لا بد من بصيصٍ تستنير به تلك الخطوات التائهة ؛ و من منارٍ تهتدي به تلك المراكب الضائعة .. فإذا بالصحوة ذاك البصيص و ذاك المنار..

كان العطاء الثرّ الذي جادت به تلك الأيادي البيض قد ملك القلوب و النفوس .. فالبذرة التي زُرعت في جدب الصحراء أينعت ثمارها ، .. و الدعوات الصادقة إلى الله تعالى آتت أُكلها .. فذاك النداء الحق يحمل الدفء و الحنان و الحب في أوتاره .. يوقظ إيقاعه الحنون النفوس من سباتها و الأرواح من و هدتها .. إنّه لحن السماء ، و شدو الطبيعة ، و ترنيمة القلب ، و همس الفؤاد .. إنه الفطرة في صفائها و نقائها و صدقها ..

و مهما نأت النفس عن خالقها ، و بعدت الروح عن الطريق السوي ، و زيّن الشيطان و الهوى طريق الضلال ؛ فإن لحظة صدق تعيشها تلك النفس ، وومضة حق تستشعرها تلك الروح لتعيد الإنسان إلى ما يريده الله جل شأنه أن يكون: خليفته في الأرض .. فإذا ما ارتقى في مدارج الكمال الإنساني كان عند الله تعالى كأفضل من ملائكته .. فما أروع ذاك المرتقى!..

وهذه الروح أوليست سرّاً اصطفاه الله تعالى لنفسه و حجبه عن خلقه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً .. فهل استطاعت معامل الفيزياء و الكيمياء في الغرب أن تعي سرّ هذه الروح ؟ و هل استطاعت فلسفاتهم و نظرياتهم إدراك كُنهها؟..

و دقت تلك اليقظة المباركة أجراس الخطر في معاقل و حصون الجبابرة و الطواغيت .. هزّت عروشهم التي أُقيمت على أساس الظلم و الجور و الطغيان .. أيقظت فيهم الخوف و الجزع و الرهبة .. جعلت أصنام الحقد و الكراهية تترنح فرقاً و رُعباً .. زلزلت أقدامهم التي طالما داست رقاب المستضعفين و أذلت نفوسهم و أهدرت كرامتهم و شوهت آدميّتهم .. فلطالما عاثوا في الأرض فساداً .. و حسبوا أن الدنيا دانت لهم فملكوا أقطارهم و استباحوا خيراتها .، و شيّدوا القلاع و الحصون و أقاموا المعتقلات و السجون .. و اشتروا الضمائر و النفوس الضعيفة .. وحسبوا أنهم ارتشفوا إكسير البقاء و الخلود فلا منازع لهم و لا شريك .. و لا ندّ و لا رقيب ..

و راحت صرخات المعذبين و أنات المحرومين و عبرات المساكين تتلاحم في تناغمٍ رائعٍ بديع لتستحيل إلى صرخة انطلقت في وجه الظلم ، . لها هديرُ رعدٍ قاصف و طغيان بركان ثائر فلا يقف أمام المدّ إذا تفجّر سدودٌ و لا حدود ..

انطلقت الكلمةُ الحبيسةُ من عقالها فراحت أقلام الشباب تكشف ما حِيْكَ في الظلام لمستقبل هذه الأمة ، و تُعلن إفلاس كل الطرق و المسارات و كل الأفكار و الاتجاهات إلا طريق الإسلام ..

وكان قلم الدكتور هشام من بين الأقلام التي انببرت لرسم معالم الطريق الحق و تصدّت للدفاع عن مكاسب الرسالة التي جاءت بالشمولية لكل مناحي الحياة الإنسانية .. و لليراع حدٌّ كحدّ السهام يُرهب الجبابرة كما يرهب الجبناء..

و حين تُعلن الحرب على حياة أُمة و عقيدتها و رسالتها و يكتنف الخطر و جودها من الداخل أو الخارج ؛ تُرفع راية الجهاد المقدس بكل صوره و أشكاله .. و تحت تلك الراية تُشرع كل أسلحة السنان و البيان .. إنها الحرب المقدسة في سبيل الله .. فبورك لمن يخوض غمارها ..


* * * * * *


و بدأت وفاء ترتقي في مدارج السمو الروحي إلى الله بشوق الظامىء إلى المعين الذي تغتسل به الروح فتطهر و يرتوي ، و ينهل من نبعه القلب فينتشي .. معراجها إلى الله ذلك الصدق في حبه و الفناء في ذاته .. تحاول أن تهب النفس التي طالما لفّها الضياع و أضناها هجير الألم راحةً من السعادة تتفيأ في ظلالها معنى النعيم الذي افتقدته سنيّ عمرها ..

و هذا النعيم الروحي يفقد مقوماته كثيرٌ ممن ألِفُوا رَغَدَ الحياة و بريقها و زخرفها .. فما هذا النعيم بصفقةٍ رابحة أو لذةٍ عابرة أو متاعٍ جسدي ؛ بل هو لحظة امتزاج الروح ببارئها ، هو حفقةُ وجدٍ تعيشها الذات في لحظة إشراقٍ و صفاءٍ و تجرد .. هو ترقرق دمع في عين فاضت شوقاً إلى مرضاة الله .. ومن يرتشف من هذه الكأس الروية و يتذوّق حلاوتها و يأنس عذوبتها يهون عنده الحرمان المادي أو الألم الحسّي ، فينطلق من أسرِ قيده كفَراشَة صغيرة بيضاء تحوم حول برعمةٍ ندية ...

و لقد عانت وفاء من الحرمان و الألم ما جعلها تقبل على ذلك النمط الجديد من الانعتاق و التجرّد و الانطلاق بكل لهفةٍ و شوقٍ و اندفاع .. كلُ قطرةٍ من ذاك المنهل كانت تمسح مساحاتٍ مقفرة من جوانب الروح فتبث فيها الأمل و تضيء ما أعتم من جنباتها ، و تزرع في عرصاتها المجدية براعم الرجاء و السعادة ..

و الطريق إلى الله واضحةٌ معالمُهُ ، سالكةٌ دروبه ، لا يُخطئها إلا من عميت بصيرته ، و لا يغفل عنها إلا من خُتم على سمعه وران على قلبه .


* * * * * *


فرحةٌ مشوبة بحذر تلك التي داعبت أحاسيس وفاء و هي تتوجه برفقة مها إلي بيتها تصحبها صفاء بعد دعوةٍ تلقّتها بإلحاحٍ من أم هشام ..

شيءٌ ما يشدها إلى هذا البيت .. إحساس بالدفء العائلي يغمرها كلما يمّمت و جهها شطره .. إضطراب خفيّ تستشعره و هي تستمع لهمسٍ قادمٍ من الأعماق .. نشوةٌ تجد صداها في النفس تحتضن طيفاً لم تتحدد معامه بعد ..

الحديث ينساب رائقاً سلساً يضفي على الحاضرات جواً من الألفة و الوداد .. وقد حاولت أم هشام جاهدةً أن تمسح عن وفاء ما ترسب في أعماقها من آثار الزيارة السابقة ، فاحتضنتها بحنانٍ الأم و رعتها بصادق الحب ، و فسحت لها في كيانها موضعاً مكيناً تلمّست وفاء آثاره بأرقّ إحساس و أعظم امتنان ..

التفت أم هشام إلى وفاء متسائلة :

- وما أخبار قلمك و إبداعك البياني يا وفاء ؟.

و أحست وفاء بالحرج و الخجل .. و تابعت أم هشام :

- لطالما حدثني هشام عن رقة أسلوبك و رشاقة تعبيرك و سحر بيانك .. وما زال يعرّج على كتاباتك بين الحين و الآخر .

- شكراً لهذا الإطراء و الثناء ، و لهذه المجاملة الرقيقة .. و أجدني الآن أمرّ مرحلة انتقالية تتطلّب مني التأني و الانتظار .. فذاك القلم الذي طوّعه الألم لوصف دقائقه ، و سخّره العذاب لبيان لواعجه ؛ أجده عصياً حين أستدعيه و صامتاً حين استنطقه ؛ فأحاول أن استزيد من الكم الفكري و النوعي عن طريق المطالعة الواعية للأقلام الرائدة كي يتسنى لي فيما بعد إيجاد مساحةٍ فكريةٍ واسعة تلهمني كتابةً بناءةً تكون حجةً لي لا عليّ.

- جميلٌ جداً يا وفاء .. فهذه و اللّهِ الخطوات السليمة على الدرب الصحيح .

- أما ترين أيتها العزيزة أنني أتلّقى منك من الإطراء و المديح أكثر مما أتلقى من النقد البنّاء !

- أراك تجرّينني إلى عالم الأدب النقد رغماً عني وما أنا من أهله ، و ليس لي حق في أن أدلو بدلوه .

و جذبت مها أطراف الحديث بعد ضحكاتٍ انطلقت من القلوب بعفويةٍ و صدق :

- إنّ مجال النقد من اختصاص الدكتور هشام إضافةً إلى اختصاصه في عالم الطب .. و كتاباته دليلٌ صادق على ذلك فلنحتكم إليه .

و انتهزت وفاء الفرصة قئلة :

- و لكن أليس لي الحق في أن أطّلع على كتاباته هذه و نقده كقارئةٍ مبتدئة كما كان له الحق في أن يطّلع على ما كتبتُ كمريضةٍ بائسة؟

- الحق معك يا عزيزتي ، و إلا عُد هذا ظلماً صارخاً !

ناوليها يا مها تلك المجلة من المكتبتة ففيها آخر ما كتب هشام في هذا الإصدار الشهري .

فردت مها بإشفاق :

- الويل لهشام إن وجدت وفاء في مقاله تجاوزاً لغوياً أو تعبيراً غير بليغ .. عندها ستكون هي الطبيبة و يكون هو المريض ، .. و سيكون عندها الحكم قاسياً !

فردت وفاء ضاحكة:

- سألجأ إلى الرأفة في إصدار الحكم بعد طلب الاستئناف.

فردت صفاء -بعد طول صمت- و هي تتطلع إلى ساعتها و تهب واقفة على عجل :

- ومن سيطلب لنا الرأفة في الحكم من أبي إذا ما أداننا على هذا التأخير ؟

فردت أم هشام :

- أنا و بكل تأكيد يا صفاء !

و نهضت وفاء تتجاذبها الرغبة و الرهبة و تطلعت إلى أم هشام بلهفة :

- و لكني بشوق إلى التشرف بزيارتك لنا في بيتنا ، و سأكون في منتهى السعادة لو حققت لي ذلك .

- سيكون هذا حتماً قريباً بإذن الله ..

تطلعت وفاء إلى عينيها فقرأت فيهما سطوراً هزّ عمقُها كيانها و بعثت فيه اضطراباً لذيذاً .. فعانقتها بلهفةٍ صادقة ، و استكانت بين ذراعيها لحظاتٍ كانت في حساب القلب دهراً طويلاً .

* * * * * *


خرجت وفاء تضم المجلة إلى صدرها .. فهي بحاجة إلى ذاك الفكر الملتزم و العقل الواعي و القلب المؤمن و الضمير الحي المتيقّظ .. هي بحاجةٍ إلى ذاك الوضوح في فكره بعد طول غموض في كتاباتها .. وهي بحاجة إلى تلك القوة في عقله بعد كثير وهنٍ في سطورها .. وهي بحاجة إلى ذاك الرسوخ الإيماني في قلبه بعد مزيد ضعفٍ في خلجاتها .. و القلوبُ أوعيةٌ و خيرها أوعاها .. وهي مع كل ذلك بحاجة إلى شيءٍ تجد فيه روح هشام و بعض إحساسه ..

وكل ما تحتاج إليه ستجده في هذه السطور التي تحتضنها و الوريقات التي تضمها إليها ..
طفولة
وأخيراً..
الجزء الجديد..
rambo.gif
رائع كمن سبقه...
ننتظر الجزء القادم عبر الأثير thumbup.gif
صوت الصمت
تعبت في القراءة.. قد

استمتعت..أكيد

وعـجّــل
حصّة
ننتظر! 77_77.gif

تحياتي:
حصّة tongue.gif
البريئة
صوت الصمت: متابعتك تُسعدني كثيراً happy.gif .

شجى الالام
ألن تضعي الأجزاء القادمة "؟


ارجو تكملة القصة


تحياتي
طفولة
وأنا أيضاً أقف في صفوف المنتظرين
شجى الالام
نحن بالإنتظار
حمّاد
بصراحه ننتظر بفارغ الصبر - نتمنى لكم التوفيق
شجى الالام
مـازلت انتظر !!
طفولة
اقتباس (شجى الالام @ 4-06-2007, 01:41 مساءً)
مـازلت انتظر !!

اصبري أخيتي..
البريئة الآن في وقت الإمتحانات..
حالما تنتهي ستضيف الجزء الجديد ph34r.gif
شجى الالام
rolleyes.gif

حسنـاً بالتوفيـق
كتلة فنون
تشكرين إخيتي البريئة على الرواية الرائعة
كنتُ أتابعا هنا في الديوان
ولكنني أحبذُ قرائتها في الكتاب نفسة لذلكَ إقتنيتها happy.gif
الآن أصبحت لدي في املنزل منذُ يومين
وقد وصلتُ في القرآة للجزء السابع "كوة الضياء"
وإن شاء الله راح أكملها وأعطيكم رايي... wink.gif

تحياتي
كتلة فنون
كتلة فنون
clap.gif أكملتها البارحة clap.gif

مانمت وقعدت لها إلى حتى الأذان
توني مخلصة وأذن قمت صليت
ونمت الفجر الساعة 5 يوم أنام 77_77.gif ...


.......

عن جد رواية رائعة بكل معنى الكلمة
وتحمل الكثير في طياتها تحمل العبرة
والموعظة وتحمل هدفاً كبير ورسالةٌ واضحة...


ولا اخفيكِ أنني كنتُ أجهل سبب عنوانها
حتى آخر الأسطر فيها
تيقنتُ لما سميت "وتكلمت السماء" happycrying.gif



تحياتي لكِ غاليتي البريئة
وبالتوفيق في إكمال الرواية...
طفولة
اقتباس (كتلة فنون @ 16-07-2007, 01:18 مساءً)
clap.gif أكملتها البارحة clap.gif

مانمت وقعدت لها إلى حتى الأذان
توني مخلصة وأذن قمت صليت
ونمت الفجر الساعة 5 يوم أنام 77_77.gif ...


أول مرة قرأتها سهرت عشان اكملها..

بس ما عجبتني النهاية واجد ph34r.gif

بس لا تتكلمين عشان يتشوقون الأعضاء..
لمشاهدة الديوان بالشكل الأصلي، انتقل لـ و تكلّّمتِ السَّماء! - ديوان الثقافة