تدعوكم اللجنة المنظمة لأمسية هلال الحسين لحضور الأمسية الحسينية الخامسة - ناعية (أبو الفضل العباس ع)- وذلك في حسينية أبو صيبع ، وذلك بمشاركة سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم... إضغط التفاصيل للمزيد.
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2591
رقم العضوية: 63
تاريخ التسجيل: 19-08-03
والحِكْمَةُ تَبَرّرتْ مِنْ جَمِيعِ بَنِيهَا سفر لوقا – الإصحاح 35
صوته مازال صوته ، ولكن كلماته نالها التغيير
يجب أن نجازف ، كان يقول ، نحن لا نفهم معجزة الحياة حقاً إلا عندما يحدث لنا مالا ننتظر . إن الله يعطينا في كل يوم ومع طلوع الشمس لحظة نستطيع فيها أن نغيّر كل ما يجعلنا تعساء . وفي كل يوم نتجاهل فهمنا بأن هذه اللحظة لها وجود. ونتظاهر بالاعتقاد بأن هذا اليوم شبيه بالغد ، ولكن عندما ينتبه المرء لليوم الذي يعيشه، فإنه يكتشف هذه اللحظة السحرية التي يمكن أن تكون مختبئة في الدقيقة التي نضع فيها عند الصباح مفتاحنا في القفل ، أو هي مختبئة في فترة الصمت التي تلي وجبة المساء، أو في ألف وواحدة في الأشياء التي تبدو لنا كلها متشابهة . ولكن هذه اللحظة موجودة ، وهي اللحظة التي تمر فينا كل قوى النجوم وتسمح لنا بأن نحقق المعجزات . إن السعادة أحياناً نعمة ربانية، ولكنها في معظم الحالات فتح. فهذه اللحظة السحرية من النهار تساعدنا على التغير و تدفعنا للبحث عن أحلامنا. نحن سنتألم ونجتاز محناً سيئة، ولكن تلك هي فترات الانتقال التي لاتترك آثاراً. ثم سنتمكن بعد ذلك من النظر إلى الوراء بفخار وإيمان. شقي هو من يخاف المجازفة. قد لا يتعرض أبداً للخيبة ولا لفقدان الأمل ، قد لا يتألم مثل هؤلاء الذين يسعون وراء حلم، ولكنه عندما سينظر إلى الوراء ( ذلك لأننا ننظر دائماً إلى الوراء ) فإنه سيسمع قلبه يقول له: ( ماذا فعلت بالمعجزات التي زرعها الله في أيامك ؟ ماذا فعلت بالمواهب التي عهد بها السيد إليك؟ لقد دفنتها في قاع ثقب لأنك خفت من ضياعها، والآن هاهو ما بقي لك: اليقين بأنك أضعت حياتك . . !
شقي هو من ينتظر هذه الكلمات . وعندئذ سيؤمن بالمعجزات، ولكن اللحظات السحرية من الحياة ستكون قد مضت.
باولو كويلهو من رواية : على ضفة نهر بييدرا . . جلست وبكيت ص17
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2591
رقم العضوية: 63
تاريخ التسجيل: 19-08-03
الإيمان الذي هو في ضخامة حبة خردل يجعلنا نزحزح كل هذه الجبال - باولو كويلو -
قبل أن يصبح باولو كويلو، المولود سنة 1947 في ريو دي جانيرو، كاتباً شعبياً معروفاً، كان كاتباً مسرحياً، ومدير مسرح، وإنساناً هيبياً، ومؤلف أغانٍ شعبية لأشهر نجوم البرازيل. سنة 1986، سلك طريق مار يعقوب، المزار الإسباني القديم، ثم وصف تجربته في كتابه "حاج كومبوستيلا" ونشره سنة 1987. وفي السنة التالية، صدر كتابه الثاني "الخيميائي" فغدا واحداً من أكثر الكتّاب المعاصرين قرّاءً، وظاهرة حقيقية في عالم النشر، وحاز المرتبة الأولى بين تسع وعشرين دولة. وتوالت، من ثمَّ، سلسلة مؤلفاته تحصد المزيد من الشهرة والانتشار منها: "الفالكيريز"، "على نهر بييدرا"، "هناك جلست فبكيت"، "الجبل الخامس" "محارب الضوء"، "فيرونيكا تقرر أن تموت"، "الشيطان والآنسة بريم" . . ومن ضمن هذه المؤلفات تمّ انتقاء هذه المجموعة التي تعكس مدى انغماس الكاتب بتلك العوالم الداخلية للإنسان، والتي يقوم باستقصائها من خلال فلسفته التحليلية لنفسية الإنسان. نشرت مؤلفاته في أكثر من 150 دولة، وترجمت إلى 51 لغة، وبيع منها أكثر من 21 مليون نسخة، ونال العديد من الأوسمة والتقديرات وذلك لبراعة تحليله، ولعمقه الفلسفي المصاغان بأسلوب روائي آسر، وبلغة خيالية مشوقة يجدّ القارئ لمتابعتها حتى آخر حرف . .
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2591
رقم العضوية: 63
تاريخ التسجيل: 19-08-03
الخيميائي
"أمسك الخيميائي بكتاب، كان بحوزة أحد أعضاء القافلة. لم يكن للكتاب غلاف، ولكنه مع ذلك، استطاع معرفة المؤلف: إنه أوسكار وايلد. وفيما هو يتصفحه، وقع على حكاية تتحدث عن نرسيس. كان الخيميائي، يعرف أسطورة نرسيس، ذلك الفتى الجميل الذي كان يذهب، كل يوم، ليتأمل جمال وجهه في مياه إحدى البحيرات. وكان مفتوناً بصورته، إلى درجة أنه سقط، ذات يوم، في البحيرة، ومات غرقاً. وفي المكان الذي سقط فيه، نبتت زهرة سميت نرسيس (نرجس). ولكن أوسكار وايلد لا ينهي القصة على هذا النحو؛ بل يقول أنه، لدى موت نرسيس، جاءت الأورديات، ربات الغابات، إلى ضفة البحيرة، ذات المياه العذبة، ووجدنها قد تحولت جرن دموع. سألت الأورديات البحيرة: لما تبكين، أبكي من أجل نرسيس. إن هذا لا يدهشنا إطلاقاً. لطالما كنّا نلاحقه في الغابات، باستمرار. لقد كنت الوحيدة التي تستطيع مشاهدة جماله عن كثب. سألت البحيرة: وهل نرسيس كان جميلاً؟ فأجابت الأورديات متعجبات: من يستطيع معرفة ذلك أكثر منك، ألم يكن ينحني فوق ضفافك كل يوم؟ سكتت البحيرة لحظة دون أن تقول شيئاً. ثم أردفت: أبكي من أجل نرسيس، ولكنني لم ألاحظ، قط، أن نرسيس كان جميلاً. أبكي من أجل نرسيس، لأنني كنت، في كل مرة ينحني فيها على ضفافي، أرى انعكاس جمالي الخاص في عمق عينيه. قال الخيميائي: "يا لها من حكاية"." في هذه الأجواء تنمو رائعة باولو كويلو الخيميائي لتتدافع الأفكار والرؤى المتدفقة من نبع المعرفة، فتعكس فلسفة إنسان بحث وبعمق عن معنى الحياة وأكسيرها. "الخيميائي" هي الرواية الثانية التي كتبها باولو كويلو، والتي حققت نجاحاً عالمياً باهراً، جعل كاتبها من أشهر الكتاب العالميين. تتحدث الرواية عن راعٍ أندلسيّ شابّ يدعى سانتياغو، مضى للبحث عن حلمه المتمثّل بكنزٍ مدفون قرب أهرامات مصر. بدأت رحلته من أسبانيا عندما التقى الملك ملكي صادق الذي أخبره عن الكنز. عَبَرَ مضيق جبل طارق، مارّاً بالمغرب، حتى بلغ مصر. وكانت تُوجّهه طوال الرحلة إشاراتٌ غيبيّة. وفي طريقه للعثور على كنزه الحلم، أحداثٌ كثيرة تقع، كلُّ حدث منها استحال عقبةً تكاد تمنعه من متابعة رحلته، إلى أن يجد الوسيلة التي تساعده على تجاوز هذه العقبة. يُسلب مرّتين، يعمل في متجرٍ للبلَّور، يرافق رجلاً إنكليزياً، يبحث عن أسطورته الشخصية، يشهد حروباً تدور رحاها بين القبائل، إلى أن يلتقي الخيميائي عارف الأسرار العظيمة الذي يحثّه على المضي نحو كنزه. وفي الوقت نفسه يلتقي فاطمة، حبَّه الكبير؛ فيعتمل في داخله صراعٌ بين البقاء إلى جانب حبيبته، ومتابعة الرحلة بحثاً عن الكنز. وهكذا تتلخص الفكرة الرواية بجملة قالها الملك لسانتياغو: "إذا رغبت في شيءٍ، فإن العالم كله يطاوعك لتحقيق رغبتك". في هذه الرواية، يستعيد كويلو موضوع رحلة موغلة في القدم، بدأها كلُّ الذين فتشوا عما يجعل الحياة أجمل: حجر الفلاسفة، وإكسير الحياة. هل يصبح الذهب ذريعة للبحث عن كنوز أخرى؟ وهل تكون أسطورتنا الشخصية اكتشافنا لحقّنا في السعادة؟
هذه المشاركة حررت بواسطة تقنيات في 12-12-2005, 06:05 صباحاً
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2591
رقم العضوية: 63
تاريخ التسجيل: 19-08-03
حاج كومبوستيلا
قبل أن يصبح باولو كويلو، المولود سنة 1947 في ريودي جانيرو، كاتباً شعبياً معروفاً، كان كاتباً مسرحياً، ومدير مسرح، وإنساناً حبيباً، ومؤلف أغانٍ شعبية لأشهر نجوم البرازيل، سنة 1986، سلك طريق مار يعقوب، المزار الإسباني القديم، ثم وصف تجربته في كتاب أسماه "حاج كومبوستيلا" وهي الرواية التي بين يدي القارئ والتي نشرها سنة 1987. وفي السنة التالية، صدر كتابه أو روايته الثانية "الخيميائي" فغدا واحداً من أكثر الكتّاب المعاصرين قرّاء. وظاهرة حقيقية في عالم النشر، وحاز المرتبة الأولى بين تسع وعشرين دولة، وتوالت، من ثم، سلسلة مؤلفاته تحصد المزيد من الشهرة والانتشار منها: "الفالكيريز"، "على نهر ييدرا هناك جلست فبكيت"، "الجمل الخامس"، "محارب الضوء" "فيرونيكا تقرر أن تموت"، "الشيطان والآنسة يريم". نشرت مؤلفاته في أكثر من 150 دولة، وترجمت إلى 51 لغة، وبيع منها أكثر من 31 مليون نسخة، ونال عليها العديد من الأوسمة والتقديرات. وهذه رائعته "حاج كومبوستيلا" تزخر بمعان تطلق للفكر عنان البحث في مدارات فلسفية صوفية في محاولة لفهم رموز وضعها الروائي في تيار الحدث. وليغدو طريق رحلة حاج كومبوستيلا إنما هو دواخل النفس الإنسانية في محاولة لاستشفاف أسرارها الروحية. وكأن باولو بقدرته الفائقة، وبالشفافية العالية اللتان يمتلكهما جبلتا كتابته أشبه بجدول نقي يجري عبر غابة خصبة، أو أشبه بطريق تتحلى فيها طاقة خصبة تقود القارئ سهواً، لاكتشاف نفسه والاقتراب من ذاته الغامضة القصية. ويقول باولو كويلو بأن أحد الطرق التقليدية، التي اعتمدها الإنسان لنقل معرفة حيله، كانت القصص والروايات، وفي ما يتعلق به، كانت الثقافة العربية إلى جانبه خلال معظم أيام حياته، تبين له أموراً لم يستطع العالم الذي يعيش فيه، أن يفقه معناها، وهو من خلال رواياته يحاول إيصال هذه الرسالة للعالم وفي روايته "فيرونيكا تقرر أن تموت" يقودنا باولو كويلو في رحلة للبحث عن معرفة تحجب نورها عن الإنسان ظلال قلقه وروتينه الموهن. وفي لحظات الولادة الجديدة، التي كثيراً ما تكرر لدى الإنسان، يكتشف الإنسان هذه الحقيقة ليجر من جديد في رحلة للبحث عن تلك المعرفة. وكأن باولو بذلك يسير أنوار النفس الإنسانية عاداتها، جنونها، معانيها، وبفضل موهبته الأدبية واتجاهاته الفكرية الفلسفية تبلغ هذه الرواية ذروة الإبداع الذي يأتي بشكل السهل الممتع. يمثل هذا الكتاب باكورة أعمال كويلو، ويروي قصة سعي روحي مميَّز على طريق مار يعقوب في إسبانيا. ينطلق الراوي في مسيرة طويلة، بحثاً عن سيفه الذي فقده لحظة كان يُقدّم إليه. اشترط عليه المعلّم لاسترداده أن يقوم بالحج على طريق قديمة، كان يعبرها حجَّاج القرون الوسطى، واعتُبرت مزاراً من أهم المزارات الدينية في الغرب. في الطريق، يقوم المرشد بتروس بتلقين الراوي باولو تمارين وطقوس "رام" (جمعية روحانية قديمة)، وهي ممارسات بسيطة تساعد الإنسان على اكتشاف طريق خاصة به، وتمدّه بالطاقة والشجاعة، معمّقة حدسه الشخصي الذي يصله بالحقيقة. يتعرّض الراوي، في مسيرته، لتجارب روحية كثيرة، تتمثّل في اكتشاف معان جديدة للحب والورع والموت والألم. والأهم من ذلك كله، يتبين ان التوصل إلى مرحلة المصالحة مع النفس والإشراق ليس نخبوياً، وليس حكراً على الناس المختارين، بل هو أيضاً متاح أمام كل إنسان يسير على طريقه الخاصة به، كما سار الراوي على طريق مار يعقوب: ذلك أن الخارق موجود على طريق الناس العاديين. المهم هو الطريق بحدّ ذاتها، واكتشافنا لأنفسنا من خلال السفر والمغامرة والسعي. وأمام هذا الاكتشاف، يصبح الهدف أمراً ثانوياً. فالراوي، بعد أن سار على الدرب بغية اكتشاف سر سيفه، يكتشف ذلك السر، لكنه لا يعلنه. فالسرّ هو ما يُكتشف، ولا يُعلن. تعتبر رواية "حاج كومبوستيلا" المحطّة الأهم في حياة كويلو التي انطلق منها إلى محطات أخرى. إنها بداية "الجهد الحسن"، الذي سيدفع بكويلو ليربح معارك الأدب الرفيع.
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2591
رقم العضوية: 63
تاريخ التسجيل: 19-08-03
على ضفة نهر بييدرا جلست فبكيت
"... هناك جلست فبكيت. تزعم الأسطورة أن كل ما يقع في مياه هذا النهر، من أوراق شجر وحشرات وأرياش وطيور، يستحيل حصى في مجراه. أواه، كم أود أن أنتزع قلبي من صدري وأرمي به في مياهه الجارية... فلا يبقى، إذ ذاك، ألم أو ندم أو ذكريات على نهر بييدرا هناك جلست فبكيت انه برد الشتاء... أشعر بدموعي على وجهي، وقد امتزجت بالمياه الجليدية التي تجري قبالتي. في موضوع ما يلتقي هذا النهر نهراً آخر، إلى أن تندفع كل هذه المياه في موضع ما، بعيداً من ناظري ومن قلبي، لتمازج مياه البحر. فلتجر دموعي، على هذا النحو، بعيداً جداً، فأبداً لا يعلم حبي أني، ذات يوم، بكيت لأجله. لتجر دموعي بعيداً جداً، وعندها سوف أنسى النهر والدير والكنيسة في البيرنيه، والضباب والدروب التي سلكناها سوياً. سوف أنسى طرقات وجبال وحقول أحلامي، وتلك الأحلام التي كانت أحلامي، ولم أعترف بأنها كذلك. أذكر لخطتي السحرية، تلك اللحظة التي فيها "النعم" أو "اللا" من شأنها أن تغير حياتنا كلها، ويخيل إلي أن الأمر جرى منذ زمن بعيد، مع أني منذ أسبوع فقط، عثرت على حبي وفقدته. على ضفاف نهر بييدرا كتبت هذه القصة. كانت يداي مجمدتين، وساقاي المثنيتان يسري بهما خدر، فكان علي أن أتوقف عن الكتابة تكراراً. كان يقول: حاولي فقط أن تعيشي. فالاستذكار وفق على من هم أكبر سناً. ربما كان الحب هو الذي يجعلنا نشيخ قبل الأوان، ويعيدنا إلى صبانا حين يكون الشباب قد ولّى. ولكن كيف لي ألا أستعيد ذكرى تلك الهمينهات؟ لذلك أكتب، لكي أجعل الحزن حديثاً، والعزلة ذكريات، لكي يتاح لي، فور انتهائي من تدوينها، أن أرمي بها في نهر بييدرا. ألم تقل لي المرأة التي استقبلتني، نقلاً عن عبارة نطقت بها إحدى القديسات، إن من شأن المياه، إذ ذاك أن تخمد ما دونته النيران". باولو كويلو بحسه الصوفي، وبادر إلحاقه التأملية، ينفذ إلى عالم الروحانيات التي ينطلق في شعابها مستلهماً من مكاشفات أهل التصوف وعن إحساسات المتدينين واتجاهاتهم خيالاً بل أفكاراً تتيح له العيش في تجربة وجدانية تعبر به أعماق النفس البشرية انطلاقاً من فكرة المحبة, وهو يقول: بأن حكايته هذه هي غير ما يحاول سرده إذ أننا قلما نلاحظ أننا نحيا في غمرة العجائبي. فالمعجزات تحصل من حولنا وعلامات الرب تنير لنا الدرب، والملائكة تجهد في أن تسمعنا صوتها. لكننا، إذ يستغرقنا ما لقنّاه من أن بلوغ الرب له صيغة وقواعده، لا ندلي ذاك انتباهاً، ولا ندرك أنه موجود حيث ينفسح له في المجال ليدخل فالشعائر الدينية التقليدية لها أهميتها، فهي تجعلنا شركاء الآخرين في التجربة الجمعية للعبادة والصلاة. ولكن علينا أبداً ألا نسى أن التجربة الروحية هي أولاً تجربة حب عملية. وليس في الحب قواعد ويبقى لواحدنا أن يحاول اتباع كتب الإرشادات والتحكم بقلبه، وامتلاك خطة مدروسة لتصرفه. غير أن شيئاً من هذا لن يجديه نفقعاً، فالقلب هو صاحب الأمر، وما يأمر به القلب هو القاعدة. لقد أتيح لنا جميعاً أن نتثبت من ذلك بأنفسنا، ووجدنا أنفسنا في وقت ما، نسرّ لأنفسنا منتجين: "إني أتألم لأجل حب لا يستحق عذابي". وتضنينا العذابات لظننا بأننا نعطي أكثر مما نأخذ ولأن حبنا لا يجزي، ولأننا لا نتمكن من فرض قواعدنا. لكننا نتعذب بلا سبب، لأن في الحب بذرة نمائنا وكلما ازددنا حباً، اقتربنا من التجربة الروحية. فالملهمون حقاً، أولئك الذين اشتعلت قلوبهم بالحب، كانوا يتغلبون على كل الأفكار المسبقة السائدة في عصرهم. كانوا ينشدون يضحكون ويصلون، بأعلى صوتهم، ويرقصون ويتشاركون في ما أسماه القديس بولس "الجنوب المقدس". كانوا مغتبطين لأن من يحب قد هزّ العالم، من دون أن يخشى فقد أي شيء. فالحب الحق هو فعل عطاء تام. وبعد... فإن رواية "على نهر بييدرا هناك جلست فبكيت" تدور حول أهمية هذا العطاء بيلار ورفيقها هما شخصيتان وهميتان، لكنهما يرمزان إلى الصراعات التي لا تحصى، والتي هي قسمتنا في بحثنا عن "الشريك الآخر" عاجلاً أم آجلاً، ينبغي لنا أن نتغلب على مخاوفنا، ما دام الدرب الروحي يسلك في كنف اختبار الحب اليومي... الحياة الروحية ليست سوى الحب... وأن تجب هو أن تتحد عاطفياً بالآخر، وأن تكتشف فيه معنى التواصل الروحي. عسى بكاء بيلار على ضفاف نهر بييدرا أن يقودنا على درب مثل هذا الاتحاد العاطفي. تلك هي فلسفة بالو كويلو التي بإمكان القارئ استشفافها من خلال قراءته المعمقة لما وراء سطور هذه الحكاية فبقدر ما عكست هذه الرواية من شفافية العلاقات الروحية والترابط العاطفي السامي بقدر ما عكست من أفكار باولو التي كان بها متأثراً وكما يقول بالثقافة العربية التي أثارت مخيلته وزرعت في نفسه ومن خلال موروث التصوف العربي وقصصه ذاك الاتجاه الروحاني وذاك البحث المتواصل في عمق النفس الإنسانية. يستأنف باولو كويلو في روايته "على نهر بييدرا جلست و فبكيت" رحلته الخاصة لاستكشاف أعماق النفس البشرية، والغوص في تناقضات الكائن الذي يوضع دائماً أمام الخيارات الشخصية الحاسمة للاضطلاع بمصيره الفردي. رحلة استكشاف الذات بحثاً عن حقائقها الدفينة، وعن اختبارات المشاعر التي تجعلها، على الدوام، عرضة لشقاقات الطمأنينة والقلق، السعادة والشقاء، اليقين والحيرة. كانت بيلار تظن أنها سعيدة، فقد حصنت نفسها حيال الحياة والأمل والحب. غير أن المصادفة شاءت أن تلتقي أحد أتراب طفولتها؛ واتضح لها أنه حُبِيَ بالقدرة على الشفاء وعلى مخاطبة النفوس. وإذا اختارت بيلار أن تبقى بجواره لبعض الوقت، عاودتها كلّ الأسئلة التي طالما حسبت أنها صارت طيّ النسيان. وعندما أسرّ إليها بحبّه، راحت تشكّك بجدوى حياتها السابقة، حائرة في أمرها. فهل ترضخ لشغفه بها وتفتح له قلبها، أم تواصل عيشها الخالي من أي رجاء؟ تختار بيلار أن تكون دائماً إلى جانبه، في بذله كلّ ما يملك وكل ما حُبِيَ به من قدرات لخدمة الربّ. ولكن هل يُعطى من نذر نفسه لحبّ الله أن يساكن قلبه حبّ امرأة؟ في هذه الرواية، يحاول كويلو أن يطرح، بعمق، مسألة التعارض الظاهري بين الدروب المختلفة التي قد يسلكها الأفراد لكي تتمّ لهم مصائرهم. لأن رحلة سعيهم على الأرض لا تكون مجدية إذا كانت خالية من الحب.
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2591
رقم العضوية: 63
تاريخ التسجيل: 19-08-03
فيرونيكا تقرر أن تموت
يقول باولو كويلو بأن أحد الطرق التقليدية، التي اعتمدها الإنسان لنقل معرفة جيله، كانت القصص والروايات، وفي ما يتعلق به، كانت الثقافة العربية إلى جانبه خلال معظم أيام حياته، تبين له أموراً لم يستطع العالم الذي يعيش فيه، أن يفقه معناها، وهو من خلال روايته يحاول إيصال هذه الرسالة للعالم وفي "فيرونيكا تقرر أن تموت" يقودنا باولو كويلو في رحلة للبحث عن معرفة تحجب نورها عن الإنسان ظلال خلقه وروتينه الموهن. وفي لحظات الولادة الجديدة، التي كثيراً ما تكن لدى الإنسان، يكتشف الإنسان هذه الحقيقة ليجر من جديد في رحلة للبحث عن تلك المعرفة. وكأن باولو بذلك يسير أغوار النفس الإنسانية عاداتها، جنونها، معانيها، وبفضل موهبته الأدبية واتجاهاته الفكرية الفلسفية تبلغ هذه الرواية ذروة الإبداع الذي يأتي بشكل السهل المتمتع. يطرح باولو كويلو في هذه الرواية أسئلة جوهرية يردّدها الملايين من الناس يومياً: "ماذا أفعل في حياتي هذه؟ ولماذا أستمر في العيش؟". فيرونيكا: فتاة شابة في الرابعة والعشرين من العمر، تملك كلّ ما يمكن أن تتمناه: الصبا والجمال، العشاق الوسيمين، الوظيفة المريحة، العائلة المُحبّة. غير أن ثمة فراغاً عميقاً بداخلها، يتعذّر ملؤه. لذلك قررت أن تموت انتحاراً في الحادي عشر من نوفمبر من العام 1997، فتناولت حبوباً منوّمة، متوقّعة ألا تستفيق أبداً من بعدها. تُصعق فيرونيكا، عندما تفتح عينيها في مستشفى للأمراض العقلية، حيث يبلغونها أنها نجت من الجرعة القاتلة، لكن قلبها أصيب بضرر مميت، ولن تعيش سوى أيام معدودة. بعد هذه الحادثة، توغل الرواية عميقاً في وصف الحياة التي عاشتها فيرونيكا، وهي تعتقد أنها ستكون آخر أيام لها في الحياة. خلال هذه الفترة، تكتشف فيرونيكا ذاتها، وتعيش مشاعر لم تكن تسمح لنفسها يوماً أن تتملكها: الضغينة، الخوف، الفضول، الحب،الرغبة. وتكتشف، أيضاً، أن كل لحظة من لحظات وجودها هي خيار بين الحياة والموت، إلى أن تغدو في آخر لحظاتها، أكثر إقبالاً على الحياة من أي وقت مضى. في هذه الرواية، يقودنا باولو كويلو في رحلة للبحث عمّا تعني ثقافة تحجب نورها ظلال القلق والروتين الموهن. وفيما هو يشكّك في معنى الجنون، نراه يمجّد الفرد الذي يضيق به ما يعتبره المجتمع أنماطاً سوية. إنها صورة مؤثّرة لامرأة شابة تقف عند مفترق اليأس والتحرّر؛ يغمرها، بشاعرية مُفعمة بالحيوية، الإحساس بأن كل يوم آخر، هو فرصة متجددة للحياة.
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2591
رقم العضوية: 63
تاريخ التسجيل: 19-08-03
إحدى عشر دقيقة
"اشترت ماريا باقة، كانت هذه الزهور إيذاناً بقدوم الخريف ورحيل الصيف من الآن فصاعداً لن تشاهد في جنيف الطاولات المنتشرة على أرصفة المقاهي، ولا المنتزهات مغمورة بضوء الشمس ولا يفترض أن تشعر بالأسى لرحيلها، فهذا كان خيارها، وليس هناك ما يدعو للتحسّر والنحيب. وصلت إلى المطار وطلبت فنجان قهوة، انتظرت لأربع ساعات وصول الطائرة المتجهة إلى باريس، وهي تتوقع أن يظهر رالف بين اللحظة والآخرة لاسيما وأنها أبلغته ساعة الرحيل قبيل أن ينام. فكرت أن هذا يحصل فقط في الأفلام، في المشهد الأخير... قرأت ماريا مجلة واثنتين وثلاثاً. وأخيراً أعلن على الميكروفون عن وصول الطائرة، بعدما أحست ماريا بأنها قضت سنوات في قاعة الانتظار في المطار، صعدت إلى الطائرة متخيلة أيضاً المشهد الشهير الذي ما إن تضع فيه البطلة حزام الأمان، حتى تشعر بيد تلمس كتفها، فتلتفت وتجد حبيبها مبتسماً لها. لم يحصل شيء من هذا. نامت خلال الرحلة القصيرة من جنيف إلى باريس. لم يتسنى لها الوقت لتفكر في القصة التي سترويها لأهلها وأصدقائها. لكن أهلها سعداء ولا شك برجوع ابنتهم، وبالمزرعة التي تضمن لهم شيخوختهم. وهي تلامس أرض المطار، جاءت المضيفة وقالت لها أن عليها أن تغير منصة الانطلاق… تساءلت هل يستحق الأمر عناء أن نقضي يوماً في باريس، لا لشىء إلا لتلتقط بعض الصور، وتتباهى لدى وصولها إلى البرازيل بأنها زارت المدينة. كانت تشعر أنها بحاجة أيضاً إلى الوقت لكي تفكر وتكون وحيدة مع نفسها… باريس فكرة رائعة استعلمت من مضيفة الطيران عن موعد الطائرة المقبلة المتوجهة إلى البرازيل، وهذا يفيدها في حال قرارها بالا تسافر. أخذت المضيفة تذكرتها. وأسفت لأن تسعيرة التذكرة لا تسمح لها بإرجاء موعد الرحلة... نزلت من الطائرة وخضعت لتفتيش الشرطة، ستقل أمتعتها مباشرة إلى الطائرة الأخرى، فتحت الأبواب وأخذ المسافرون يقبّلون من جاءوا لتوديعهم، زوجاتهم وأمهاتهم أو أولادهم، تظاهرت ماريا وكأن كل ذلك لا يعنيها فيما كانت تفكر من جديد بوحدتها.ستكون ..باريس دائماً هنا". لم يكن الدليل السياحي الذي تغرّه بهذه العبارة، ولا سائق التاكسي، أخذت ساقاها ترتجفان عندما سمعت صوته،" ستكون باريس دائماً هنا، هذه الجملة تذكرني بفيلم أحبه. هل تودين أن تري برج إيفل؛ أجل، تودّ كثيراً. كان رالف يحمل باقة وردٍ في يده وعيناه مفعمتان بالضوء، الضوء الذي رأته فيها في اليوم الأول للقائهما، عندما كان يرسم صورتها،فيما الهواء البارد يشعرها بالانزعاج. رأيتك تقرئين مجلة، كان بإمكاني الاقتراب منك، لكني رومنطيقي حتى العظم. فكرت أن من الأفضل أن أستقل أول طائرة متجهة إلى باريس، تنزهت في المطار وانتظرت ثلاث ساعات… اشتريت لك زهوراً وأردت أن أقول لك الجملة التي تفوه بها ريكي لحبيبته في فيلم "كازابلانكا"، وأنا أتخيل الدهشة على وجهك، كنت أكيداً من أن هذا ما تريدينه وما تتوقعينه، وإن كل قوة العالم لا تكفي لتقف في وجه الحب وقوة الحب القادرة على قلب كل المعادلات بلمحة بصر، لا يكلفنا شيء أن يكون رومانطيقين كما في السينما، ألا توافقيني الرأي... بما أنها لم تعد متشوقة لتعرف ماذا سيحصل بعد كلمة "النهاية"، على الشاشة، عانقت رالف وقبلته. لكن، لو عرفت يوماً أن أحدهم يريد أن يروي قصتها، فستطلب منه أن يبدأها، كما تبدأ قصص الجنيات، كان يمكان ..." كان باولو كويليو منذ سنين طويلة، أكثر من روائي لمؤلفات تعتبر من الكتب الأكثر رواجاً. إنه ظاهرة عالمية لا يستطيع المنطق وحده، أن يفسر التأثير الذي يتركه في النفس. إن الحدود الفاصلة بين الواقع والسحر تتلاشى عند باولو كويليو، وهذا يضعه في مصاف نخبة من أغنوا التراث الأدبي في أميركا الجنوبية. وتكمن قوة التأثير عند باولو في بساطة وشفافية وصفاء اللغة، ومن السمة الإنسانية التي تتسم كتاباته عند مقارنته لأكثر المواضيع حساسية ولا أكثر المواضيع تشعباً وصعوبة، فلديه أسلوب متعال عن الابتذال يضع القارئ في أجواء ومناخات اجتماعية وتأخذه إلى أعماقها لتلمس أبعادها التي قلّ ما وصل غيره من الروائيين.
"حتى أكتب عن الجنس كان علي أن أفهم لماذا دُنس إلى هذا الحد". البطلة ماريا جاءت من شمال. شرقي البرازيل، تحمل معها من سن المراهقة حزناً عارماً.
إنها شابة جميلة كان باستطاعتها أن تتزوج بسهولة، لكنها لم تكن تراغب في ذلك قبل أن تحقق حلمها برؤية ريو دي جانيرو. ثابرت على إدخار المال طوال سنتين، لترحل من ثم، متوجهة إلى تلك المدينة الشهيرة. وعلى شاطئ كوباكابانا، تجتذب ماريا انتباه رجل أعمال سويسري، دعاها فيما بعد، لمرافقته إلى أوروبا، ووعدها بأن يجعل منها نجمة. ولأن ماريا كانت دائماً على استعداد للمجازفة، انتقلت معه إلى جنيف وفي يدها عقدٌ موقعٌ، لو قرأته بعناية، لكانت لاحظت العقدة المخفية فيه: لقد ألزمت نفسها بالعمل مقابل أجر بخس، كراقصة في ناد ليلي. ولم يطل بها الأمر حتى أصبحت عاهرة. يقول كويليز: "لا أدعي كتابي دراسة للدعارة، حاولت أن أتجنب تماماً الحكم على الشخصية الرئيسية بسبب اختيارها. إن ما يثير اهتمامي حقاً هو الطرق المختلفة التي يقارب بها الناس موضوع الجنس". "بعض الكتب تدفعنا إلى الحلم، وبعضها الآخر يعيدنا إلى الواقع، ولكن لا مجال للتهرب مما هو الأهم بالنسبة للكاتب: "الأمانة في ما يكتبه".
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2591
رقم العضوية: 63
تاريخ التسجيل: 19-08-03
الشيطان والآنسه بيرم
"كانت خمسة عشر عاماً قد انقضت تقريباً، والعجوز برتا تجلس، كل يوم، أمام باب منزلها، وكان سكان بسكوس قد ألفوا مثل هذا التصوف الذي يصدر عن الأشخاص المسنين: انهم يحلمون بالماضي، وبعهد الشباب، أو يتأملون في عالم لم يعد عالمهم إطلاقاً، أو يبحثون عن موضوع يتحدثون به مع الجيران غير أن برتا كانت تجلس هناك لسبب وجيه. لقد أدركت أن انتظارها قد انتهى في ذلك الصباح، عندما شاهدت الغريب يصعد في الطريق الوعرة، سائراً ببطء نحو الفندق الوحيد في القرية. ثيابه مهملة، وشعره أطول من المألوف، ولحيته نابتة منذ ثلاثة أيام: لم يكن كما كانت تتصوره. مع ذلك فإنه جاء مصوباً بظله: كان برفقته. ما زال باولو كويلو مؤلف الرائعة العالمية "الخيميائي" و"حاج كوميو ستيلا و"على نهر بييدرا" و"هناك جلست فبكيت"... يجر بعمق في أغوار النفس الإنسانية في محاولة لاستقراء دواخلها وذلك من خلال نفاذة من كوات الحياة الإنسانية، ملتقطاً وبراعة المصدر مشاهد يختطفها خياله ليمضي فيها على دروب الحكايات المشبعة بالخيال، والثرية بالرموز والممزوجة بالأساطير والمفعمة بالحس الإنساني المصاغ بأسلوب روائي يأخذ بذهن القارئ بعيداً إلى عالم باولو كويلو الغني دائماً وأبداً بالالتفاتات الفلسفية. في "الشيطان والآنسة بريم" يسرد باولو كويلو الوقائع المتخيَّلة لصراعٍ معتاد جدّاً، لكنه، في الوقت نفسه، فلسفيّ وأخلاقي وميتافيزيقي جداً. وبما أنه كذلك، فلن تكون الإجابة عنه يسيرة. وفي معرض السعي وراء الإجابات الممكنة، وهي لا تُحصى، يلجأ كويلو إلى ما يجيدُ صنعه بحذق ودراية، وهو سردُ حكاية. يحلّ غريبٌ بين أهل "بسكوس" القرية المقيمة على استقامة أهلها وطيبتهم، وعلى ميراث من الخرافات الهجينة، القديمة. وبصحبة الغريب شيطان وسبائكُ ذهباً، ورغبةٌ في امتحان طبيعة البشر: هل ينزع الإنسانُ إلى الخير، أم ينزع، فطرياً، إلى الشرّ؟ وهل يُمكنُ أن يكون الخير والشرّ، في طبعه، خالصين؟ الآنسة شانتال بريم، نادلة الحانة، والعجوز برتا تشتركان في فعل الفداء الذي منه يأتي الخلاص. وبين شانتال التي هي الوجه الأنثوي ليَهوذا، وبرتا الرائية التي تقيم على عتبة حياة متصلة بالموت، والغريب الذي أوقعته المأساة في التجربة لكي يهتدي إلى ذاته، يُنسج سياق أمثولة ممتعة، وإن كانت شاقة، تسرد حكاية الصراع الأزلي بين النور والظلمات. هل يمكن للجريمة أن تؤسِّس لوعدٍ بالخلاص؟ هل المأساة قدرٌ أم خيار؟ في هذه الرواية لا يبتكر باولو كويلو أجوبة عن ألف سؤال، لكنّه يجعلُ من التأمّل في شرط الحرية مدخلاً للإجابة. كأنه يقول: ليس مهمّاً أن تفضي بك الدرب إلى اليقين، بل المهمّ أن تسلك الدرب.
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2591
رقم العضوية: 63
تاريخ التسجيل: 19-08-03
الجبل الخامس
"كان إيليا مذهولاً ثم قال: الآن؟ حين وجد قلبي السلام لتوّه؟ تذكر الأمثولة التي علمك إياها الرب. تذكر الكلمات التي قالها لموسى: "اذكر جميع الطريق التي سيّرك فيها الرب إلهك، ليعنيك ويمتحنك، ويظهر للناس ما في قلبك. احذر أن تنسى الرب إلهك ولا تحفظ وصاياه وأحكامه ورسومه التي أنا آمرك بها اليوم، مخافة أنك إذا أكلت وشبعت وبنيت بيوتاً حساساً وسكنت وكثر بقرك وغنمك وفضتك وجميع مالك، يطمح قلبك ننسى الرب إلهك" التفت إيليا إلى الملاك ثم سأله: وأكبر؟ يمكنها الاستمرار من دونك، لأنك تركت هناك وريثاً. واختفى ملاك الرب: تبقى رواية "الجبل الخامس" درساً في الأمل والدأب والقدر المكتمل وجسد الروائي ذلك من خلال رحلة النبي إيليا الجهادية في هذه الحياة. يروي باولو كويلو، في روايته "الجبل الخامس"، قصة النبي إيليا ولقائه الأرملة في صَرْفَتِ، المدينة الفينيقية الصغيرة؛ ثم انكفائه إلى الجبل، بعد أن دحر أعداءه جميعاً. يطيع إيليا أوامر ملاكه الحارس ويحاوره على الدّوام، يحاول التفتيش عن معنى إنساني جديد للقرار والاختيار. في مدينة صَرفتِ اللبنانية التي دمّرها الأشوريون، يفقد إيليا كلّ شيء: شجاعته والمرأة التي أحبّها (الأرملة التي ساعدته في حين كان جائعاً وعطشان)، وكذلك إيمانه إثر الأزمة الروحية التي عصفت به. وهنا يضيف كويلو جديداً إلى صورة النبي إيليا، التي تمثّله قوياً لا يقهر، وحاملاً سيفه للبطش بالأعداء. ففي هذه الرواية، يخوض إيليا صراعاً ضد خوفه بالذات، صراعاً بين الإلهي والإنساني، بين إرادة الربّ التي يعجز النبي عن فهم تجلياتها رغم امتثاله لها، وبين خياراته، هو بالذات، كإنسان. لكنّ الطريف في الأمر أن هذا النص، الذي استند فيه كويلو إلى التوراة، قد اتّخذ من مدينة في لبنان مسرحاً لأحداثه، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن التاريخ يعيد نفسه في هذا البلد، من أول الأزمنة وحتى أيامنا هذه، حيث أدّى ضريبة حبّه للتسامح والسلام والانفتاح. في هذا الكتاب يطرح كويلو الإشكاليات التي تعتبر في أساس عالمه الأدبي والروحي والفلسفي: كيف نستطيع أن نعطي معنىً لحياتنا، من خلال الصراع والرجاء. ذلك أن أقوى لحظات المأساة ليست عقاباً إلهياً، بل هي تحدٍّ مطروح أمام الإنسان. وهكذا يعطي كويلو معنىً جديداً للعقاب: إن ما هو محتومٌ في حياتنا ونعتقده ثابتاً، هو في الحقيقة عابر. أمّا الثابت، فهو ما نستطيع استخلاصه من عِبَرِ المحتوم المأساويّ.
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2591
رقم العضوية: 63
تاريخ التسجيل: 19-08-03
الزهير
"تدعى إستير، هي مراسلة حرب عادت لتوّها من العراق بسبب الاجتياح الوشيك لتلك البلاد، في الثلاثين من العمر، متزوجة، لا أولاد لها. هو رجل مجهول الهوية، ما بين الثالثة والعشرين والخامسة والعشرين من العمر، ذو بشرة داكنة، وملامح كملامح أهل منغوليا. شوهد الإثنان معاً لآخر مرة في مقهى في شارع، فوبور سانت أونوريه. أخبرت الشرطة أنهما التقيا من قبل، لكن لا يعرف أحد كم من المرّات: لطالما قالت إستير إن الرجل، الذي ستر هويته الحقيقية خلف اسم ميخائيل، كان شديد الأهمية، غير أنها لم تشرح قط إن كان مهما لمهنتها كصحافية، أم لشخصها كامرأة. بدأت الشرطة تحقيقاً رسمياً، طرحت نظريات مختلفة –خطف، ابتزاز، خطف أفضى إلى جريمة قتل- لم تجاوز أي منها حدود الاحتمال، لأن إستير، بعملها في البحث عن المعلومات، كانت عرضة للاتصال المتكرر من أشخاص يرتبطون بوحدات إرهابية. اكتشفت الشرطة أن الأسابيع السابقة لاختفائها شهدت سحباً منتظماً لمبالغ مالية من حسابها المصرفي، شعر المسئولون عن التحقيق أن هذا المال ربما كان دفعات مسددة لقاء المعلومات. لم تأخذ معها بدلات ملابس، لكن من الغرابة بمكان أنه لم يعثر على جواز سفرها. هو شاب مجهول، في مقتبل العمر، لا سجل عدلياً له، لا دلالة على هويته. وهي إستير، في الثلاثين من العمر، حائزة جائزتين عالمتين في الصحافة، وهي متزوجة. إنها زوجتي". كعادته، يبدأ كويليو روايته ببراءة: كاتب شهير، تهجره زوجته بلا أي مبرر... وبدل أن يتابع حياته مع البديل، يسيطر عليه هاجس وحيد يؤرقه ويقض مضجعه: "لم هجرتني زوجتي؟" بعد ذلك لا يعود أي شيء بريئاً: شلال من الأفكار الفلسفية العميقة ينحدر. أفكار شغلت ولا تزال تشغل البشرية جمعاء: كيف أن هاجساً ما ينتصب فجأة بوجه امرئ، يسيطر عليه فلا يلبث أن يغدو الهاجس كل شيء، ولا شيء سواه. وكيف أن الحرب، وحدها الحرب، تعري المشاعر الإنسانية الخبيئة بل تصل بها إلى أبعد مدى. وكيف إن مجموعة من القيم الموروثة يؤمن بها الإنسان تستعبده، فيكرس نفسه وما له، وما ليس له في سبيلها، وتصبح هي مبرر استمراره وكفاحه. ولا يعود بإمكانه التوقف ليسأل: هل يشعر بالسعادة أم لا؟ في الزهير يلبس المؤلف عباءة الحكيم، الذي يريد بنا أن نرى وليس أن ننظر فحسب، هو يدفع بقرّائه إلى الإجابة عن الأسئلة التي واجهها هو يوماً وأجاب عنها. إنها رواية عن الإنعتاق النفسي . .
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 2591
رقم العضوية: 63
تاريخ التسجيل: 19-08-03
الخيميائي وحجر الفلاسفة
بقيت البحيرة صامتة، لحظة، ثم قالت: أبكي على نرجس، لكنني لم ألاحظ أبداً أن نرجس كان جميلاً، أبكي على نرجس لأنه كلما انحنى على ضفتي، كنت أستطيع أن أرى في أعماق عينيه، انعكاس جمالي أنا". "هاك قصة جميلة، قال الخيميائي". والخيميائي هو الذي يعرف ويستخدم أسرار حجر الفلاسفة، وكأنه هو باولو كويلهو الذي نسج تلك الرواية التي تختزن في مضمونها معاني السعي، الذي تمثل في سعي سانتياغو، الراعي الأندلسي الشاب، الذي يبحث عن كنز مخبأ تحت أقدام الأهرام. وفي الصحراء تدرب على يد الخيميائي، وتعلم الإصغاء إلى قلبه، وقراءات إشارات المصير، وتعلم أيضاً كيف يذهب حتى نهاية حلمه، فلسفة رائعة تطوف في معانيها تلك الرواية، وتجسد الحلم الإنساني في الوصول.