
هناك..
حيث المعركة الكبرى- معركة العزة والكرامة- تتجمع المسخ والوحوش القاتلة.. وتتأهب لتنقضّ على الطهارة في مهدها... يسيل لعاب الأحقاد الجاهلية.. وترفرف راية الجشع الأعمى.. وهو بينهم .. تتسامى روحه.. تتعالى في معراجها.. كلما ازدادوا انحطاطاً.. كلما غاصوا أكثر في وحل الرذيلة .. كوكب دري يزداد تتلألأ كلما اشتدت حلكة الليل الأسود.. يقاتلهم بضراوة.. يثخنهم جراحاً.. تسيل الدماء النجسة. . تدوسها حوافر مهره الذي غمره الفخر ،فأضحت الخيلاء مشيته.. وكيف لا يفخر مهر تشرّف بالحسين فوق ظهره...!! تعوي الذئاب .. وتنبح الكلاب.. ضوضاء نجسة..!! يقطعها صوت إلهي .. يتلو من القرآن آيات مُذكِرة. يلهج لسانه الظاهر بالصلاة على محمد جده وأهل بيته المنتجبين.. يسبّح لله ويثني عليه.. لم يعد الكلام يجدي مع هؤلاء القوم.. لقد آن الأوان للحق أن ينتصر... "إن كان دين محمد لم يستقم... إلاّ بقتلي.. يا سيوف خذيني.." ويا سهام خذيني.. ويا رماح خذيني... ويا حجارة خذيني...
ويتقاطر الحقد الدامي.. ينهمر سهاماً وحجارة.. يتلقّاها بجسده الشريف.. وتسيل منه الدماء.... يشعر بها المهر....!! فينتفض... يخاطب حسيناً بصهيله الحزين... "ليتني أفديك سيدي"... أتلّقى عنكَ السهام وضربات السيوف.. و.. أُقتل ألف مرة ثم أحيا... لأفديكَ مرة أخرى.. يربّت الحسين على رقبته... يذكّره بأنّ له في المعركة دوراً ينتظره.. فيسكن أخيراً،.. فهو لا يملك إلاّ أن يطيع إمام زمانه... المشهد الثاني يقف المهر مفجوعاً...ينظر إلى صاحبه المسجى.. يقترب منه .. ويصهل ثلاثاً..يرفس بحوافره التراب ثم يصهل .. لكن الحسين لا ينهض!!.. يقترب أكثر .. يمد إليه اللجام .. ويصهل .. ويد الحسين لا تتحرك لتمسك باللجام .. يحني رأسه .. تعانق عيناه عيني الحسين المخضبتين بالدماء ... تسيل دموعه أنهارا..
يرفع رأسه ..
يتحرك .. يدور حول الحسين .. مرة ثم مرات .. ينظر إليه وهو يجود بنفسه .. يرفع بطرفه إلى السماء .. يدعو بالويل والثبور .. لأمة قتلت إبن بنت نبيها !!... ثم يسكن .. للحظات .. يضجع بعدها على الأرض .. إلى جانب صاحبه .. يعانق الثرى المضرج بدماء الحسين ... والشمس تمتاز غيظاً .. تواصل احتراقها .. تصلي الأجساد المسجاة ... يشعر بالحرارة تلهب جلده الأبيض .. يتطلع بأسى نحو الحسين .. إلى ثورة الدماء المشتعلة .. ينظر إلى جلده الذي غيرت الشمس لونه .. إلى العرق ينضح منه .. إلى شفتاه المبيضاتان من شدة العطش ... أواه يا حسين !!!.... ما أعظم صمودك !!.. عيناك تقهران كل الصعاب .. تواصلان التحديق في السماء ... بكل عزة وإباء ... يواصل التأمل في تلك العنين الساحرتين .. يقرأ فيهما العشق الإلهي .. كرامة الإنسان .. عنفوان الإسلام ... ويقرأ فيهما الألم الدامي .. والحزن الدفين .. " أحبائي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الموت معتب " ... الوقت يمضي يا حسين .. وأنت ما زلت هنا .. مطروح على حر الرمال .. تواصل التحديق في السماء ... تتلألأ الأنوار الساطعة من وجهك المدمى .. ومن جروحك النازفة .. يفوح عبق الشهادة .. ما لعنيك يا حسين ؟؟!! أنالهما التعب أخيرا ؟؟!! مالهما تغمضان ؟؟!! من للسماء يحدق فيها ؟؟!! من للدنيا يغمرها نورا؟!!
ينتفض المهر ..
يهب واقفا.. يتلفت بعنيه الدامعتين حوله .. يبحث عنه .. عن الثائر.. عن الطالب بدم بدم المقتول ظلما!!.. يرفع صوته بالصهيل .. مرة وأخرى .. وثالثة... والصمت يطبق على الكون ... يخرس الأنفاس .. الأنفاس تختنق .. والدنيا تتوشح ثوبها الأحمر القاني .. يحني إلى الجسدى المسجى .. يمرغ رأسه ... يتخضب من فيض الدماء العطرة.. يولي وجهه شطر الخيام !!.. ومن الميمون يعلو نداء حزين .. يتردد صداه قوياً في كربلاء .. ويمتد .. ويمتد .. يزلزل الكون بأسره .. الظليمة .. الظليمة ... المشهد الأخير يقترب من الخيام ...
يبح صوته الذي كان للتو عالياً .. يطأطأ رأسه .. يجرجر قدميه .. ويقترب أكثر . ويصمت ليستمع.. إلى صوت بكاء الأطفال داخل الخيمة .. - عمة زينب .. أنا عطشى!!.. - قريباً ستروين يا صغيرتي .. - متى سنشرب الماء يا عمة؟؟!! - قريباً إن شاء الله .. قريباً ... - سيدتي .. انظري لحال رضيعي . لقد غارت عيناه من العطش !!! - ........ وتذوب ألماً .. تلك التي كانت مخدرة مدللة .. سكاكين العجز تقطع كبدها الملهوف .. تواري ألمها .. وتعود إليهم .. تسليهم وتمتص آلامهم..... ماذا يتحمل ذلك القلب يا زينب؟؟!!! ألم تدميه آلامك حتى تضيفي إليه آلام الآخرين؟؟!!!!
تسيل دموعه ..
تبلل خديه .. يرنو إلى السماء .. ألم يكن الحسين يحدق فيها قبل لحظات؟؟!!! يعلو صوته .. بكاءاً.. عويلاً... وفي الخيمة تسكن الأصوات فجأة .. تهتف الصغيرة ... - عمة زينب ..إني أسمع صوت صهيل !!!..أهو أبي قد عاد أخيراً ؟؟.. - اذهبي يا بنية إلى الخارج .. لتعلمي من القادم ... ما الذي ترمين إليه يا زينب ؟؟!! أنت تعلمين أن الحسين لن يعود أبداً .. ماذا وراءك يا زينب؟!!. يرفع الخباء لتندفع صبية صغيرة .. وتجري.. يشدها شوقها الكبير إلى الوالد الحنون.. إلى الحسين ... ولكنها تجفل فجأة .. تقف واجمة .. تتطلع إلى ذلك المهر الذي قد عاد.. إلى السرج الملوي ... إلى اللجام المقطوع ... وإلى .. إلى .. الدماء اليابسة عليه !!... وتتفجر الدموع .. سيولاً .. أنهاراً يجف أمامها نهر الفرات ... تلتفت إلى الوراء .. إلى خيمة اليتم.. وتجري كمن جديد .. لكنها هذه المرة تتعثر في خطواتها .. وتقع .. وتنهض لتواصل جريها ... " عمة زينب ... لقد عاد مهر أبي ... ... وحيداً !!!! ......
بخطوات واهنة ..
جرجرت نساء ثاكلات أقدامهن .. يخرجن من الخيمة .. يهرولن ... يحطن بالفرس .. يسائلنه .. عن صاحبه .. عن الحسين .. ولكنه يصمت .. ويفسح للدموع تخبرهم.. عما جرى هناك .. في أرض المعركة ... تقترب منه زينب .. تفسح النساء لها .. ليعانق كفاها عنقه .. تمسح بأنامل مرتجفة على الدماء اليابسة .. تتحدق في عينيه ... " كيف طاوعك قلبك؟؟!! لتترك الحسين .. هناك .. وحيداً ...." يشيح بوجهه.. يطأطأ رأسه ... ينظر إلى الأرض.. " ليتك يا أرض ابتلعتني قبل هذا اليوم !!!!".. يرتفع صوت النجاسة .. " أحضروا لي هذا المهر .. فإنه من خيل الرسول " .. تلتفت الوحوش الضارية إلية .. يسيل لعابها .. وتتأهب للإنقضاض عليه .. لكنه يقاوم .. وبشدة.. لقد تشرف بحمل حسين الطهارة .. وقد تعلم منه .. بأن يأبى الرضوخ لأرجاس الجاهلية ..


ليس من الصعب أن تضحي من أجل صديق ولكن من الصعب أن تجد الصديق الذي يستحق التضحية
|